الاستثمار السياحي في سوريا: مطلب أم مهرب؟

بقلم: ديانا الصالح
وسط ركام المنغصات الأمنية والمعيشية، تبرز المشاريع الاستثمارية المليارية التي تبشّر بتعافي الاقتصاد ودفع عجلة إعادة الإعمار، آخرها كان الإعلان عن أضخم مشروع فندقي ومجمع تجاري فخم في دمشق تحت عنوان عريض يفيد بأهمية الاستثمار السياحي في سوريا.
وعلى الرغم من الغلاف الجذاب والأهداف المُعلنة كتوفير فرص العمل وتشجيع السياحة والجذب الاستثماري وغيرها، تبقى الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة على ساحة بلد أنهكته الحروب: هل هناك قاعدة اقتصادية واجتماعية قادرة على احتضان هكذا مشاريع ترفيهية؟ وما هي الأولوية الاستثمارية بعين الحكومة الجديدة، وماذا عن القطاعات الإنتاجية؟
للمزيد من التفاصيل, تابع مقالنا التالي..
الاستثمار السياحي في سوريا
يندرج المشروع الجديد (أضخم مول تجاري وفندق بخمس نجوم) ضمن إطار تعزيز البنية السياحية والاستثمار السياحي في سوريا، بالتعاون مع شركتي “ويست فيلد سونز” و”روتانا ستار” للمقاولات، بمنطقة كفرسوسة في دمشق.
وفي هذا الصدد، أكد الرئيس التنفيذي لشركة روتانا، فيليب بارنز، عبر تصريح إعلامي سابق، أهمية وجود الفنادق الفخمة في سوريا، على المدى البعيد، مشيراً إلى أنها ستكون بمثابة مركز خدمي اجتماعي وتجاري، عند عودة الوجهات السياحية لنشاطها وازدهارها السابق.
وعلى الرغم من أهمية هذه المشاريع الاستثمارية في سياق محاولات إنعاش الاقتصاد السوري وتحقيق التنمية من خلالها، إلا أنها قد تأخذ طريقاً مواتياً لمستثمري القطاع الخاص على حساب مصالح المواطنين وفقاً لخبراءٍ اقتصاديين، ففي الوقت الذي يبحث فيه السوريون عن تلبية احتياجاتهم الأساسية وتأمين لقمة عيشهم، تبدو الاستثمارات في المنتجعات والفنادق الفخمة أمراً لا يعنيهم، وغير مرتبط بواقعهم المعيشي.
ومع تعالي الأصوات الرسمية حول أهداف المشاريع الاستثمارية السياحية والفندقية في خلق فرص العمل وتعزيز التنمية السياحية وجذب العملة الأجنبية، إلا أن العديد من المحللين يرون أن الاستثمار السياحي في سوريا لا يحقق هذه الأهداف، ففرص العمل ستكون محصورة بأعمال البناء المؤقتة أو الخدمية بالتالي رواتب محدودة لا تواكب التضخم، ما يعني أن الفوائد المحتملة للمواطن قد تبقى محدودة، الأمر الذي يجعل الاستثمار في القاعدة الاقتصادية والاجتماعية هو الأساس لبناء سند حقيقي قادر على احتضان مشاريع ترفيهية مستقبلية.
وفي هذا السياق، تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى وصول خسائر الناتج الإجمالي المحلي إلى حوالي 800 مليار دولار أمريكي خلال سنوات الصراع، مؤكدة تضاعف نسبة الفقر من 33% قبل الصراع إلى 90% في الوقت الحاضر.
في حين أظهرت تقديرات البنك الدولي لعام2024 وقوع 27% من السوريين في الفقر المدقع، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين الواقع الاقتصادي المتدهور وأهم الأولويات الاستثمارية المطروحة.
مطبّ الشفافية
أما بالنسبة لغموض تفاصيل المشاريع الاستثمارية المُعلنة منذ أول التحرير، فيعتقد محللون أنها محط شك وخوف من إعادة مشهد حي القرابيص في حمص، الذي شهد موجة غضب شعبي واسعة بعد إعلان أضخم مشروع تطوير عمراني تحت عنوان “بوليفارد النصر”، الأمر الذي دفع السكان للخروج احتجاجاً على المخطط، لما فيه من تهديد لممتلكاتهم، ما أدى إلى التراجع عن اختيار الحي ضمن المخطط استجابة للمطالب الشعبية.
هذا الغموض يضع الحكومة أمام مطبّ الشفافية، صحيح أن هناك اتفاقيات ومشاريع كبيرة تم توقيعها، سواء لتحسين الكهرباء أو البنية التحتية للنقل، ولكنها لا تزال حتى الآن محصورة بالورق، فلم يشهد الواقع السوري أي تحسن ملحوظ، وفقاً للتقديرات والتحليلات الاقتصادية.
وإلى ذلك، بقاء هذه المشاريع ضمن غلاف ضبابية التفاصيل، حيث تقتصر الجهات المعنية على إعلان الاتفاقية ومن يشاركها دون أي توضيحات أخرى كالجدوى الاقتصادية والتمويل وغير ذلك، ما يجعلها مفتقرة للشفافية وكأنها سرّ محرّم إفشاؤه.
أولوية الاستثمار بعين الحكومة الجديدة
وما بين السلب والإيجاب تُطرح قضية أكثر أهمية: وهي الأولوية الاستثمارية التي من شأنها تحقيق إنجازات فعلية تضمن تحريك عجلة إعادة الإعمار نحو مسارها الصحيح، لتنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، والتي تتغافل عنها التوجهات الاستثمارية، وتكمن في عصب الإنتاج السوري “قطاعي الزراعة والصناعة”، اللّذين يفتقران حتى الآن للتركيز الكافي مقارنة بغيرهما، حيث لا تزال الاستثمارات الموجهة لهما أقل بكثير مقارنة بالاستثمارات في قطاعات النقل والسياحة من حيث القيمة المُعلنة وعدد المشاريع، وفقاً للتقديرات التحليلية.
وللوقوف عند الفارق الشاسع بين القطاعات الإنتاجية وغيرها من القطاعات، نسترجع حزمة المشاريع الاستثمارية في قطاع النقل والبنية التحتية والتي تم توقيعها في شهر آب 2025 وتُقدر بحوالي 14 مليار دولار، وخُصص منها مبلغ 4 مليارات دولار لتوسيع مطار دمشق الدولي، إضافة إلى تحديد مبلغ قيمته 2 مليار دولار لمشروع مترو أنفاق ضمن العاصمة دمشق، فضلاً عن الاستثمار في النقل البحري والذي تُقدر قيمته بمئات ملايين الدولارات، إلى جانب الاستثمار السياحي في سوريا عبر مشاريع تطوير المنتجعات والفنادق بقيمة 1.5 مليار دولار.
من هذا المنطلق، تبرز ضرورة توجيه الاستثمارات بشكل مباشر نحو قطاعي الزراعة والصناعة لما فيهما من أهمية اقتصادية كبرى تصب في مصلحة الدولة والمواطن على حدٍّ سواء، فهذه القطاعات الإنتاجية تكاد تكون الوحيدة القادرة على انتشال الاقتصاد الوطني من حافة الهاوية، وحماية السوريين من التهديدات المباشرة لمعيشتهم وأمنهم الغذائي وذلك من خلال توفير فرص عمل مستدامة والسير الصحيح نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وصولاً لتحقيق ما هو مستحيل بدونهما.
اقرأ أيضاً: تسوية محمد حمشو .. إدارة ذكية أم إعادة تدوير؟









