الاستثمار السكني في يعفور: هل يعود رأس المال إلى سوريا عبر العقار أولاً؟

الكاتب: أحمد علي
«رأس المال جبان» عبارة يعرفها ويسمعها كثر، ويكاد لا يخلو أي نقاش أو حديث اقتصادي بين اثنين دون أن تعبر فيه بوصفها حقيقة مطلقة لا نقاش حولها، وهي بالفعل كذلك، ولهذا لا يعود رأس المال إلى بلد متعب من الباب الأصعب عادة، بل يبحث أولاً عن أرض واضحة، وطلب قائم، وأصل يمكن تسعيره بالدولار، ومشترٍ قادر على الدفع. بهذا المعنى، لا يبدو إطلاق مشروع «يعفور 963» السكني في ريف دمشق مجرد خبر عقاري جديد، بل هو علامة مبكرة على الطريق الذي قد تسلكه الأموال العائدة إلى سوريا، لا كلها، بل جزء مؤثر منها.
والمفارقة هنا بسيطة وقاسية، فسوريا تحتاج إلى مساكن نعم، لكنها تحتاج أيضاً إلى كهرباء وماء وصناعة وفرص عمل راسخة. ومع ذلك، يظهر العقار في الواجهة قبل كثير من القطاعات الأخرى. لماذا؟ لأن العقار يقدّم للمستثمر إجابات أسرع من الاقتصاد الإنتاجي. الأرض موجودة، الطلب حاضر، والربح قابل للحساب. أما الصناعة فتحتاج طاقة مستقرة، وتمويلاً، وأسواقاً، وجمارك، ومصارف، وسلاسل توريد، وقوة شرائية لم تتعافَ بعد.
ويعفور نفسها ليست تفصيلاً جغرافياً، فالمنطقة الواقعة غرب دمشق، والقريبة من طريق دمشق بيروت، تحمل منذ سنوات صورة الضاحية الأعلى سعراً والأكثر اتصالاً برأس المال. لذلك يصبح اختيارها مفهوماً، فمن يريد اختبار السوق السورية بعد مرحلة طويلة من الانقطاع، لا يبدأ غالباً من الأطراف المنهكة، بل من المكان القادر على استقبال مشروع مرتفع الكلفة وموجه إلى شريحة محددة.
الاستثمار السكني في يعفور: ماذا يقول الرقم؟
أعلنت وكالة سانا في 17 حزيران 2026 أن مجموعة الاستثمار لما وراء البحار IGO أطلقت مشروع «يعفور 963» السكني في منطقة يعفور بريف دمشق، كأول المشاريع المعلنة ضمن خطتها الاستثمارية الجديدة في سوريا. وحضر حفل الإطلاق وزير السياحة مازن الصالحاني، ومحافظ دمشق ماهر مروان إدلبي، ومحافظ ريف دمشق عامر الشيخ، ورئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري، وسفير الأردن في دمشق سفيان القضاة.
المشروع، وفق سانا والموقع الرسمي له، يمتد على مساحة 144 ألف متر مربع، وهو مصمم كمجمع سكني متكامل الخدمات، يضم مساحات خضراء، ومواقف سيارات، ومرافق رياضية وترفيهية وخدمية. ويعرض الموقع الرسمي أرقاماً أكثر تفصيلاً: 1280 وحدة سكنية، 13 مبنى في المجمل، منها 12 مبنى سكنياً ونادٍ اجتماعي واحد، ووحدات من غرفتين وثلاث وأربع غرف، إضافة إلى دوبلكسات وبنتهاوس، مع تسليم متوقع في الربع الثاني من 2029، وخطة دفع 70 في المئة خلال مرحلة الإنشاء و30 في المئة عند التسليم.
هذه الأرقام تكفي لتحديد طبيعة المشروع. نحن أمام سكن مرتفع المواصفات، لا برنامج إسكان اجتماعي. بعض المنصات العقارية ذكرت أن أسعار الشقق المكونة من غرفتي نوم تبدأ من نحو 300 ألف دولار، مع دفعة أولى تقارب 15 في المئة وخطة سداد مرتبطة بمرحلة البناء. وإذا صح هذا المستوى السعري، فهو يضع المشروع خارج قدرة الغالبية الساحقة من السوريين المقيمين في الداخل، ويدخله في دائرة شريحة أخرى: مغتربون، أصحاب فوائض، مستثمرون، أو باحثون عن أصل عقاري في محيط دمشق.
الرقم لا يقول كل شيء، لكنه يقول شيئاً أساسياً، السوق الذي يجري اختباره ليس سوق الحاجة السكنية العامة، بل سوق القدرة على الدفع.
لماذا العقار أولاً؟
العقار يدخل سريعاً لأنه أقل اصطداماً ببعض أعطال الاقتصاد السوري. لا يحتاج المشروع السكني الفاخر إلى دورة إنتاج صناعي طويلة، ولا إلى سوق تصدير جاهزة، ولا إلى طاقة رخيصة ومستقرة بالقدر الذي تحتاجه المعامل. يحتاج إلى أرض، وترخيص، ومقاول، ومشترٍ، وقناة مالية. وهذه العناصر، رغم صعوباتها، أسهل من إعادة تشغيل صناعة مدمرة أو بناء سلسلة توريد من الصفر.
هناك سبب آخر، العقار يحمي المال في أزمنة القلق. في بلد خرج من حرب طويلة، ومع عملة محلية ضعيفة، يتحول المسكن أو الأرض إلى وعاء ادخار. وهذا لا يخص سوريا وحدها. لكنه في الحالة السورية يصبح أقوى، لأن الثقة بالمصارف لم تُستعد بالكامل، ولأن السوق تبحث عن أصل ملموس.
لكن المشكلة تبدأ هنا أيضاً، فالاستثمار السكني في يعفور قد يفتح نافذة لرأس المال، لكنه لا يجيب وحده عن أزمة السكن. البنك الدولي قدّر كلفة إعادة إعمار الأصول المادية في سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 ملياراً للمباني غير السكنية، و82 ملياراً للبنية التحتية. كما أشار إلى أن ريف دمشق وحلب من أكثر المحافظات حاجة إلى استثمارات إعادة الإعمار، وهذه أرقام تخص الدمار والحاجة العامة، لا الطلب الفاخر.
والفارق مهم، مشروع راقٍ في يعفور يمكن أن يثبت أن هناك شهية للاستثمار، ويمكن أن يجذب شركات وخبرات وتمويلاً. لكنه لا يعني أن مشكلة السكن في سوريا بدأت تُحل. السكن الشعبي، إسكان العائدين، ترميم الأحياء المتضررة، تثبيت الملكيات، تعويض المهدمة بيوتهم، وخفض كلفة البناء، كلها ملفات أخرى، وقد تكون أصعب من بناء مجمع مغلق بمرافق كاملة.
رأس المال يعود، لكن إلى أي اقتصاد؟
الاستثمار العقاري جزء من موجة أوسع، رويترز نقلت في آب 2025 أن سوريا وقعت 12 اتفاقاً استثمارياً بقيمة 14 مليار دولار شملت البنية التحتية والنقل والعقارات، بينها مشروع لمطار دمشق الجديد واتفاق لمترو العاصمة. وفي أيلول 2025 تحدثت الوكالة نفسها عن عقود سياحية بنحو 1.5 مليار دولار. كما أعلنت السعودية في شباط 2026 حزمة استثمارات في سوريا تشمل الطاقة والطيران والعقار والاتصالات.
هذا يعني أن رأس المال لا يدخل من باب واحد فقط. لكنه يميل إلى الأبواب التي تمنحه وضوحاً أسرع: العقار، السياحة، المرافئ، المطارات، الاتصالات والطاقة. هذه القطاعات تمس بنية الدولة والمدينة والسوق، لذلك لا يمكن التعامل معها بوصفها مشاريع تجارية محضة. السؤال ليس هل يدخل المستثمر أم لا. السؤال: ما الشروط؟ من يربح؟ من يدفع الكلفة؟ وما نصيب المجتمع من القيمة المتولدة؟
رجل الأعمال موفق القداح قال لسانا إن المشروع يأتي ضمن توجه استثماري يركز على تنفيذ مشاريع عقارية حديثة، وأن المجموعة تخطط لطرح مشاريع أخرى في دمشق وريفها واللاذقية وعدد من المحافظات. هذا التصريح مهم لأنه يضع يعفور كبداية لسلسلة، لا كاستثناء. وهنا تكمن الدلالة. إذا تحولت المشاريع العقارية الراقية إلى المسار الأسرع والأوضح للاستثمار، فقد يتشكل نموذج اقتصادي جديد قبل أن يُعلن باسمه الكامل.
هذا النموذج يمكن أن يكون مفيداً إذا ارتبط بتشغيل حقيقي، وضرائب عادلة، وبنى تحتية لا تخدم المجمع وحده، ومشتريات محلية من مواد البناء، وشفافية في الملكية والتراخيص. ويمكن أن يكون خطراً إذا تحول إلى تضخم عقاري جديد، ورفع أسعار الأراضي، وعزل اجتماعي، وتوجيه الموارد العامة نحو مناطق قادرة على الدفع وترك المناطق الأكثر تضرراً تنتظر.
الاختبار ليس في الافتتاح
لا يجوز التعامل مع الاستثمار السكني في يعفور بعقلية الرفض المسبق، ولا بعقلية الاحتفال السهل. البلاد تحتاج إلى رأس مال. هذا صحيح. وتحتاج إلى خبرات وشركات وفرص عمل. هذا صحيح أيضاً. لكن حاجة البلاد لا تعني منح أي مشروع حصانة من السؤال. على العكس، كلما كبرت الحاجة، صار السؤال ضرورياً أكثر.
ما يجب أن يُسأل الآن بسيط وواضح. هل سيخلق المشروع فرص عمل سورية خلال البناء والتشغيل؟ هل ستدخل مواده وخدماته في دورة إنتاج محلية أم ستُستورد معظمها؟ هل ستعود الضرائب والرسوم إلى تحسين الخدمات العامة؟ هل ستُدار البنية التحتية حول المشروع بطريقة لا تزيد الضغط على الماء والكهرباء والطرقات؟ وهل سيبقى العقار باباً لرأس المال فقط، أم يصبح جزءاً من سياسة سكنية أوسع تراعي من لا يستطيع شراء شقة بثلاثمئة ألف دولار؟
الخلاصة أن مشروع «يعفور 963» يكشف بداية ملموسة لعودة جزء من رأس المال إلى سوريا عبر العقار. وهذا مفهوم منطقياً. العقار أسرع، أوضح، وأكثر قدرة على جذب المال الخائف. لكنه ليس الطريق الكافي لتعافي الاقتصاد. فالبلد لا ينهض بالمجمعات المغلقة وحدها، ولا بالسكن الفاخر وحده، بل بتوازن بين الاستثمار القادر على الحركة والسكن القادر على تلبية الحاجة، وبين الربح الخاص والمصلحة العامة.
اقرأ أيضاً: الاستثمار في سوريا: ما الفرق بين المستثمر التركي والسعودي والإماراتي؟









