خرائط جديدة للطاقة في سوريا: أين تقف السعودية؟

الكاتب: أحمد علي
يتقدّم النفط إلى واجهة المشهد السوري من جديد، لكن هذه المرة بأوراق عقود بدل البنادق. بعد سنوات من تراجع الإنتاج وتشتت السيطرة على الحقول، صار الحديث يدور حول إعادة تشغيل المصافي ومحطات الكهرباء، لأن الطاقة هي الاختبار اليومي الذي يشعر به الناس قبل أي شعار. لذلك تبدو أي حركة في قطاع النفط والغاز محاولة لترميم الاقتصاد وتهدئة السياسة ولو جزئياً واقعياً، خاصة في بلد ما زال يتعامل مع آثار حرب طويلة وعقوبات ثقيلة.
الاستثمار السعودي في نفط سوريا
في 10 كانون الأول 2025 وُقعت اتفاقات بين الشركة السورية للنفط وأربع شركات سعودية تحت إشراف وزارة الطاقة السعودية، ضمن مسار تعاون سبقته مذكرات تفاهم في 28 آب 2025. والطابع التنفيذي لهذه الااتفاقيات واضح: «العربية للجيوفيزياء والمسح» (أرغاس) للمسوحات الزلزالية ثنائية وثلاثية الأبعاد، و«العربية للحفر» للحفارات والحفر والصيانة مع التدريب، و«طاقة» لحلول البناء والصيانة في الحقول والآبار، و«أديس» لتطوير وتشغيل حقول غاز ورفع الإنتاج.
ووفق التغطية، يبدأ عمل «أديس» بخمس حقول غاز هي أبو رباح، قُمقُم، شمال الفيض، التياس، وزُملة المهر، مع إمكانية إضافة مناطق لاحقاً، وهو تركيز منطقي لأن الغاز يرتبط مباشرة بتغذية محطات الكهرباء وتقليل الاعتماد على وقود أغلى وأصعب في تأمينه.
ماذا تريد الرياض فعلياً
القراءة الاقتصادية تقول إن الاستثمار السعودي في نفط سوريا يعني فرصاً لشركات الخدمات، وفرصة لدمشق لتقليص فاتورة الاستيراد وتحسين الكهرباء وتشغيل جزء من سلاسل التوريد المحلية. لكن التوقيت يحمل أيضاً معنى سياسياً. تحليل في OilPrice رأى أن دخول الخليج إلى قطاع الطاقة السوري جزء من ترتيبات ما بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، مع فكرة أن إعادة الإعمار تُدار بواجهة عربية وبدعم غربي غير مباشر.
حتى لو اعتبرنا هذا التفسير رأياً لا حقيقة قاطعة، فهو يشرح لماذا تتحول الطاقة إلى أداة نفوذ أقل كلفة من التدخل المباشر: عقود طويلة، تدريب، وسلاسل توريد تمنح الرياض نفوذاً عملياً من دون إرسال قوات، وتفتح قناة تفاوض اقتصادية مع دمشق حول ملفات أوسع من النفط وحده.
حقول منهكة وبنية متهالكة
الصورة على الورق لا تلغي أن الداخل السوري صعب. خطوط النقل والمصافي والحقول عانت من حرب طويلة وعقوبات ونقص قطع غيار، ومعها تراجعت الخبرات وازدادت الخسائر. معهد واشنطن يربط موجة الصفقات برفع جزء مهم من العقوبات التنفيذية الأميركية في 30 حزيران 2025، لكنه يحذر من أن غموض جهة التعاقد والدفع، والتوترات الداخلية، قد يحولان الاستثمار إلى ساحة نزاع أو فساد إذا لم تُبنَ مؤسسات شفافة وقادرة. هنا يصبح الاستثمار السعودي في نفط سوريا اختبار حوكمة بقدر ما هو اختبار حفر؛ فمن دون قواعد واضحة للرسوم والعقود والرقابة، قد يتأخر التشغيل أو تُستنزف العائدات قبل أن تصل للمواطن.
العقوبات تفتح بوابة الاستثمار
المستثمر لا يحب المفاجآت، والعقوبات هي أكبر مفاجأة ممكنة. لذلك تؤثر أي تسويات سياسية في شهية الاستثمار، مثلما تؤثر على قدرة البنوك وشركات الشحن والتأمين على العمل. رويترز ذكرت في آذار 2025 اتفاقاً لدمج مؤسسات «قسد» ضمن مؤسسات الدولة، بما يشمل حقول النفط والغاز شرق البلاد، وهو تطور قد يقلل الضبابية حول من يملك قرار التشغيل والتسويق.
وفي تشرين الثاني 2025 أعلنت «دانة غاز» الإماراتية مذكرة تفاهم لتقييم إعادة تطوير حقول غاز متضررة، وقالت إن الحرب جعلت سوريا تعتمد على واردات من إيران، وإن إنتاج الغاز هبط إلى 3 مليارات متر مكعب في 2023 من 8.7 مليارات في 2011، مع وعد بتقديم خطة تطوير إذا نجح التقييم.
دخول أكثر من طرف خليجي يوحي بتنافس على الفرص، لكنه يوحي أيضاً بأن قطاع الطاقة السوري بات بوابة إقليمية لاختبار من يملك القدرة على التنفيذ، لا مجرد الرغبة في الاستثمار.
على الأرض يبقى الفرق بين التوقيع والتشغيل كبيراً. وكالة أسوشيتد برس تحدثت عن اتفاق لتزويد سوريا بنحو 1.65 مليون برميل من الخام لدعم عمل المصافي، وهو حل سريع مقارنة بمشاريع التطوير الطويلة، لكنها أشارت أيضاً إلى أن كثيراً من السوريين ما زالوا يعيشون على بضع ساعات كهرباء يومياً إذا لم يملكوا مولداً أو ألواحاً شمسية.
ختاماً، الاستدامة تحتاج إصلاح الشبكات والحد من التهريب وضمان الدفع، وإلا ستبتلع الفواقد أي زيادة. ونجاح الاستثمار السعودي في نفط سوريا سيقاس بعدد ساعات كهرباء أطول، وبأسعار طاقة أقل على الأسر، وبوظائف وتدريب ينعكس على الحياة اليومية ويخفف التوتر الاجتماعي.
اقرأ أيضاً: القصة الكاملة لحراقات النفط في سوريا… وقود يهدد الحياة!









