سياسة

الاستثمارات الخليجية الخارجية تحت ضغط الحرب.. هل تكون سوريا ضحية جانبيه لها؟

من الخليج إلى دمشق.. هل تعيد الحرب رسم خارطة الاستثمار؟

بقلم: ريم ريّا

في الشرق الأوسط، لا ترسم الحروب حدود النفوذ العسكري فحسب، بل تعيد تشكيل الخرائط الاقتصادية والاستثمارية للمنطقة ككل. العالم كله يشاهد المواجهة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، ويلمس التداعيات الاقتصادية التي تجاوزت حدود الصراع المباشر، وباتت تطال أهم عناصر القوة في المنطقة “رؤوس الأموال الخليجية”.

الحرب الدائرة حالياً، في صورتها الكبيرة أبعد من صواريخ ومسيرات تضيء السماء في الليل والنهار، فهي صراع على التحكم بمسارات التجارة العالمية وقيادة الاقتصاد الدولي، حيث تتجلى فيها قواعد النفوذ والتمركز الاستراتيجي بأشكال متعددة تتجاوز أطر القتال التقليدية.

ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب طرق التجارة العالمية، فضلاً عن زيادة الإنفاق الدفاعي، جميعها عوامل كفيلة بإجبار الحكومات على إعادة النظر في أولوياتها المالية. وهذا ما وجدت دول الخليج نفسها أمامه. التقارير الدولية باتت بالفعل تلمح إلى هذا التحول الخليجي. فقد كشفت صحيفة فايننشال تايمز في تقرير لها بتاريخ 6 آذار 2026 أن عدداً من دول الخليج بدأ مراجعة داخلية لالتزاماته الاستثمارية الخارجية، على وقع الضغوط المتزايدة على الميزانية العامة بفعل التوتر الإقليمي.

هذه المراجعات تأتي في وقت تواجه فيه عموم المنطقة اضطراباً غير مسبوق في سلاسل الطاقة والنقل، بعد تعرض ناقلات نفط لهجمات في الخليج العربي فضلاً عن ضرب خزانات للنفط في دول الخليج وتسجيل هجمات على منشآت نفطية، علاوة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز بشكل جزئي ويتوسع يوماً بعد آخر، متذكرين بأنّ هذا المضيق يمر نحوه ما يقارب 20% من تجارة النفط والغاز العالمية.

ضمن هذا المشهد المضطرب، يبرز سؤال مهم لمعظم دول المشرق العربي وأولهم سوريا. منذ مطلع عام 2025 اتضح أن الرهان السوري على إعادة الإعمار وتحسين البنية التحتية والطاقة في البلاد كان بجزء منه برسم الاستثمارات الخليجية التي بدأت بالتدفق مع عودة العلاقات السورية – الخليجية، وتحسن العلاقات الدبلوماسية لسوريا بشكل عام بعد التحرير.

هل تحد الحرب من فرص دمشق الاقتصادية مع الخليج؟ بعد أن كان ينظر إلى هذه الاستثمارات كأداة إنعاش للاقتصاد السوري الهش، فقد كانت بمثابة عامل الدعم الذي يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد وإعادة ربطه تدريجياً بالاقتصاد الإقليمي.

تزداد أهمية السؤال المطروح إذا ما أخذنا بعين الاعتبار هشاشة الاقتصاد السوري، بالتوازي مع تقديرات خبراء اقتصاديين، أفادت بأن أي تصعيد إقليمي طويل الأمد قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى ما بين 85 و100 دولار للبرميل، وبالفعل وحتى كتابة هذه الكلمات سجل برميل النفط لليوم الخميس 12 آذار 2026 سعراً يقدر ب 92.496 دولاراً للبرميل الواحد. وهو ما يمكن أن ينعكس مباشرةً على تكلفة الاستيراد في سوريا، التي تعتمد على الخارج لتأمين جزء كبير من احتياجات الطاقة والمواد الأولية، فضلاً عن أن أي اضطراب لسلاسل النقل عبر الخليج أو البحر الأحمر سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إلى ما يقارب 20 – 30% ما سيزيد التضخم في البلاد، ويضعف الإنتاج المحلي.

وعليه، يتم طرح السؤال التالي: هل ستؤدي الحرب الإقليمية إلى تباطؤ أو تجميد الاستثمارات الخليجية المرتبطة بسوريا، أم أن هذه الاستثمارات قد تستمر ضمن مقاربة جديدة أكثر حذراً وبراغماتية؟ للإجابة عن هذا السؤال، يحاول هذا المقال قراءة تداعيات الحرب على اقتصادات الخليج أولاً، ثم استعراض ما ورد في التقارير الدولية حول مراجعة الاستثمارات الخارجية، قبل الانتقال إلى السيناريوهات المحتملة لمستقبل الاستثمارات الخليجية المرتبطة بسوريا.

كيف أثرت الحرب على اقتصادات الخليج وأولوياتها الاستثمارية؟

لا يخفى على أحد أن دول الخليج تمتلك وحدة من أكبر القدرات الاستثمارية في العالم. فبحسب تقديرات معهد SWFI المتخصص في متابعة صناديق الثروة السيادية، تدير الصناديق الخليجية أصولاً تتجاوز 3.7 تريليون دولار حتى عام 2025، وهذه الاستثمارات متوزعة بين الداخل والمشاريع الخارجية الدولية، وبين بلدان متنوعة أبرزها في أوروبا وأمريكا وآسيا.

لكن هذه القوة المالية كانت ولا زالت مرتبطة بشكل كبير ووثيق باستقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية. فمع بداية الحرب الأخيرة، ومنذ أيامها الأولى شهدت أسواق النفط تقلبات حادة، حيث ارتفع سعر برميل النفط فقط في أوائل الأيام بنسبة قاربت 25% في الأسواق الأوروبية، ولا زال لليوم مع مرور أقل من أسبوعين على الحرب في حالة تقلب، ليلامس اليوم ما يقارب 90 دولاراً للبرميل الواحد.

الأمور لم تقف عند أسواق الطاقة، بل طالت حركة الملاحة في الخليج العربي وتعرضت لضغوط كبيرة، بعد استهداف عشر ناقلات للنفط على الأقل في المنطقة، فضلاً عن تعليق قطر لإنتاجها من الغاز الطبيعي المسال بشكل مؤقت، بعد هجوم بطائرة مسيرة على إحدى منشآتها الرئيسية، ما دفع الدوحة إلى إعلان “حالة القوة القاهرة”، في بعض عمليات التصدير.

كما اضطرت بعض الدول الخليجية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي والأمني من أجل حماية البنية التحتية النفطية والمرافق الحيوية، ما يزيد الضغط أكثر على الميزانيات العامة. ففي مثل هذه الأزمات الإقليمية تميل الحكومات إلى تحويل جزء أكبر من مواردها نحو الإنفاق العسكري والأمني، ما يتلوه إعادة تقييم للالتزامات الاستثمارية الخارجية.

قطاع النفط وحركة الملاحة لم يكونا الشق لاقتصادي الوحيد المتأثر في الخليج، بل تأثرت قطاعات أخرى كالسياحة والطيران. فالتصعيد العسكري أدى إلى تعطيل عدد من الرحلات الجوية في المنطقة، وتراجع على إثر ذلك النشاط السياحي خشية الاضطرابات الأمنية، وهو ما ينعكس على الإيرادات غير النفطية التي تعمل دول الخليج منذ سنوات على تعزيزها، وعلى رأسهم السعودية ضمن رؤية 2030.

في ظل هذه الظروف الضاغطة، من الطبيعي أن تبدأ الحكومات الخليجية مراجعة أولوياتها الاستثمارية، إما عبر تأجيل بعض المشاريع الخارجية أو إعادة هيكلية الالتزامات المالية المرتبطة بها.

اقرأ أيضاً: عندما يهتز الإقليم.. اقتصاد سوريا تحت ضغط الجغرافيا السياسية

ماذا قال تقرير فايننشال تايمز.. وهل ينسجم حقاً مع الواقع؟

حسب تقرير فايننشال تايمز في 6 آذار الجاري، فإن عدة حكومات خليجية، قد بدأت فعلياً بالقيام بمراجعات داخلية بغية تقييم تأثير الحرب على التزاماتها الاستثمارية.

نقلت الصحيفة عن مسؤول خليجي، قوله إن هذه المراجعات قد تشمل مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، بدءاً من الاستثمارات الدولية وصولاً إلى العقود التجارية وحتى الأحداث الرياضية الكبرى. وأشار التقرير أيضاً، إلى أن بعض الدول تدرس إمكانية تفعيل بنود القوة القاهرة في العقود الاستثمارية الحالية، وهي آلية قانونية تسمح بتعليق تنفيذ جزء من الالتزامات في حالات الظروف الاستثنائية والطوارئ.

وعند مقاربة ما أورده التقرير مع الواقع، يرى عدد من المحللين أن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة انسحاباً واسعاً من الاستثمارات الخارجية. فالدول الخليجية حقيقةً تعتمد بشكل كبير على استثماراتها العالمية من أجل تحقيق عوائد طويلة الأجل وتنويع مصادر الدخل. فقد استثمرت كل من السعودية والإمارات ومعهم قطر خلال عام 2025 وحده، مئات المليارات من الدولارات في مشاريع دولية، إلى جانب استثمارات ضخمة لأمريكا بعد زيارة ترامب للمنطقة.

فالمراجعات الحالية بالواقع، ما هي إلا إعادة ترتيب للأولويات، أو تأجيل بعضها بشكل مؤقت، بدل الإنسحاب الكامل من الأسواق الخارجية، وفقاً لمحللين.

ما السيناريوهات المحتملة للاستثمارات المتعلقة بسوريا؟

واقعياً، مسار الاستثمارات الخليجية في سوريا يرتبط بشكل مباشر بوقع الحرب الإقليمية ومسارها المتقلب بشكل سريع، والذي يشير إلى إمكانية توسع نطاقها، والعامل الأهم في حلقة الاستثمارات الخليجية تجاه سوريا يتعلق بمدى تأثير الحرب الحالية وتبعاتها حتى في حال نهايتها على الخليج نفسه. تشابهت تحليلات الخبراء الاقتصاديين وصبت باتجاه ثلاث سيناريوهات رئيسية محتملة.

أولها، التجميد المؤقت للاستثمارات، وعليه في حال استمرار الحرب ربما لأسابيع أو لأشهر دون توسع كبير كما يلوح أطراف الصراع حالياً، قد تلجأ بعض الشركات الخليجية إلى تأجيل تنفيذ المشاريع المخطط لها في سوريا حتى تستقر الأوضاع الإقليمية عندها وتراجع أولوياتها المالية وتقييم حجم الضرر لديها.

السيناريو الثاني، يجنح إلى إعادة هيكلة الاستثمارات. ضمن هذا السياق يمكن أن تقوم الشركات الخليجية بإعادة تقييم مشاريعها وفقاً لمعايير جديدة تتعلق بالمخاطر السياسية والاقتصادية، وقد يشمل ذلك تقليص حجم المشاريع أو تحويلها إلى شراكات إقليمية لتقليل المخاطر.

السيناريو الثالث يتمثل في توقف الاستثمارات بشكل شبه كامل، في حال تحول الحرب إلى صراع طويل الأمد. فربما في هذا السياق تضطر الحكومات الخليجية إلى توجيه مواردها الكلية نحو الداخل لمواجهة الضغوط الاقتصادية.

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي السوري “زياد عربش“، أن استمرار الحرب لفترة طويلة يمكن أن يؤدي إلى توقف تلك الاستثمارات في سوريا، تحديداً إذا ارتفعت أسعار النفط إلى حدود 100 دولار للبرميل الواحد، أو في حال تم إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، وهو ما سيضغط الاقتصاد المحلي السوري. وحذر “عربش”، من أن استمرر الحرب يمكن له أن يرفع سعر الغذاء في سوريا إلى 40% نتيجةً لارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين.

في حال توقفت الاستثمارات.. ماذا يجب أن تفعل سوريا؟

وفقاً للمعطيات الحالية، يبدو أن مستقبل الاستثمارات الخليجية في سوريا ستظل حبيسة تطورات الصراع الإقليمي. فاستمرار الحرب أو ربما توسعها، قد يؤدي إلى تباطؤ تدفق الاستثمارات الخارجية في المنطقة بشكل عام. لكن بالمقابل، هذه التحولات الجيوسياسية لا يجب أن تقيد سوريا بمسار معين، إذ على دمشق أن تستمر بإعادة بناء علاقاتها الاقتصادية مع العالم العربي أجمع، تحديداً في حال عززت استقرارها الداخلي وطورت بيئتها الاستثمارية، فربما تتحول تبعاً لذلك لمنطقة مستقطبة للاستثمارات وجاذبة لها رغم الصراع، بل أحياناً وفي قطاعات محددة بسببه.

الاستراتيجية الأكثر واقعية بالنسبة لسوريا وفقاً للمعطيات، تتمثل في تنويع شراكاتها الاقتصادية وعدم الاعتماد على مصدر واحد للاستثمار. فبناء علاقات اقتصادية مع دول عربية أخرى أو قوى إقليمية كتركيا، ودولية كروسيا والصين وغيرها، قد يمنح الاقتصاد السوري هامشاً أكبر من المرونة في مواجهة التقلبات الإقليمية.

بالمحصلة، قدرة سوريا على جذب الاستثمارات الخارجية، ليست معتمدة على رغبة تلك الدول بالاستثمار فقط، بل على قدرة سوريا الداخلية على تحقيق الاستقرار الأمني يليه الاستقرار الاقتصادي، إلى جانب تطوير بيئة قانونية ومؤسساتية قادرة على جذب المستثمرين في مرحلة إعادة الإعمار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى