سياسة

في 2026 الاحتياجات الإنسانية بالأرقام: 70% يحتاجون مساعدة

الكاتب: أحمد علي

تتشابه الأرقام حين تُقرأ على الورق، لكنها تتبدل حين تُقاس على يوميات الناس، فكل رقم يلامس بيتاً بلا سقف أو مدرسة مكتظة أو مركزاً صحياً يعمل بقدرة محدودة. خلال العام 2026 يتكرر وصف سوريا بأنها حالة عوز واسعة، وتبرز عبارة تقول إن أكثر من سبعين في المئة من السكان يحتاجون شكلاً من أشكال المساعدة، وهي عبارة تحمل في داخلها قصة اقتصاد متراجع وخدمات عامة منهكة وحركة نزوح وعودة تعيد توزيع الأعباء.

الاحتياجات الإنسانية في سوريا 2026

تشير تقديرات متداولة لدى الأمم المتحدة وشركائها إلى أن نحو 16.5 مليون شخص داخل سوريا يحتاجون دعماً إنسانياً في 2026 من أصل سكان يقتربون من 23.9 مليون، أي قرابة 69 في المئة، ولهذا تُختصر المعادلة أحياناً بعبارة سبعة من كل عشرة. غير أن معنى الاحتياج في الخطط الإنسانية ليس درجة واحدة، إذ يشمل مساعدات منقذة للحياة كما يشمل خدمات تعد جزءاً من التعافي المبكر مثل إصلاح مياه أو دعم سبل عيش، لذلك لا تكفي النسبة وحدها لمعرفة من يحتاج فوراً ومن يحتاج حماية من الانزلاق إلى فقر أعمق.

يزداد الحديث حساسية لأن بعض النداءات القطاعية تبني أرقام 2026 على معطيات 2025 إلى أن تكتمل التقييمات وتصدر الخطة النهائية، ما يعني أن تحديث الأرقام ممكن من دون أن يغير جوهر العوز الواسع.

سبعون في المئة بالمعنى

في الماء والصحة والغذاء تتجسد النسبة مباشرة. تذكر تقديرات اليونيسف أن 14.4 مليون شخص يحتاجون خدمات المياه والإصحاح، وتربط ذلك بانتشار أمراض مرتبطة بالماء وبضغط إضافي على الأسر التي تدفع ثمناً أعلى للحصول على مياه آمنة.

كما تشير إلى أن البلاد تمر بظروف جفاف توصف بأنها الأسوأ منذ ستة وثلاثين عاماً، مع هطول يقارب 54 في المئة من المتوسط، وهو عامل يضغط على الزراعة ويضاعف هشاشة الدخل. وفي الوقت نفسه تذكر تقديرات أن 14.6 مليون شخص يعانون انعدام أمن غذائي.

في القطاع الصحي تبدو الصورة مركبة، فاليونيسف تشير إلى أن 57 في المئة فقط من المستشفيات و37 في المئة من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل بكامل طاقتها، بينما تقدّر منظمة الصحة العالمية أن احتياجات 2026 ستظل مرتبطة بدعم خدمات منقذة للحياة وبالاستعداد لتفشيات أمراض وبأثر الجفاف على الأمراض المنقولة بالماء.

وفي التعليم تؤكد اليونيسف أن أكثر من 2.5 مليون طفل خارج المدرسة وأن آلاف المدارس تحتاج إعادة تأهيل، وهو ما يوضح أن الاحتياجات الإنسانية في سوريا 2026 تمتد إلى حق التعلم بقدر ما تمتد إلى حق البقاء.

يبقى بعد الحماية حاضراً أيضاً، إذ تتحدث كل من منظمتي اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية عن تلوث واسع بمخلفات حرب وذخائر غير منفجرة، وتذكر اليونيسف تسجيل 760 حادثاً تسبب في 1,419 إصابة منذ ديسمبر 2024 مع سقوط ضحايا أطفال، وهو ما يعيق العودة ويجعل الوصول إلى الخدمات محفوفاً بالمخاطر.

ومع ارتفاع تكاليف المعيشة تتسع دائرة الأسر التي تلجأ إلى تقليل الطعام أو تأجيل العلاج أو إخراج الأطفال من المدرسة، فتتحول النسبة إلى يوميات متراكمة لا إلى رقم مجرد.

تمويل يتقلص وأولويات تتبدل

تراجع التمويل مفتاح لقراءة الاحتياجات الإنسانية في سوريا 2026. تقارير صحفية دولية نقلت عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن النداء العالمي لعام 2026 خُفض إلى 33 مليار دولار بعد أن لم تتجاوز التعهدات المعلنة لعام 2025 نحو 15 مليار، وهو أدنى مستوى منذ عقد.

وفي هذا السياق ذُكر أن خطة إقليمية مرتبطة بسوريا تحتاج مليارات الدولارات، ومعنى ذلك أن سوريا تنافس أزمات أخرى على ميزانية عالمية تتقلص، وأن التركيز يتحول من التوسع إلى الحفاظ على الحد الأدنى.

وتعكس الوكالات المتخصصة هذا في أرقامها، فاليونيسف تطلب لعام 2026 نحو 481.4 مليون دولار للوصول إلى 7.3 مليون شخص، وتقول إن التمويل المتراجع يجعل استدامة الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، فيما تحدد منظمة الصحة العالمية احتياجها لعام 2026 بنحو 50.7 مليون دولار لدعم الاستجابة الصحية وتذكر صراحة إرهاق المانحين وتقلص المساعدات الإنمائية.

في شمال غرب البلاد، كانت تقارير للأمم المتحدة قد أشارت إلى أن فجوات التمويل أدت إلى تقليص الاستجابة العابرة للحدود، وأن الشركاء باتوا يصلون إلى نحو مليون شخص شهرياً في 2024 مقارنة بأكثر من 2.5 مليون في 2023، وهو مثال على كيف تتحول أرقام التمويل إلى أرقام مستفيدين.

استجابة تعيد ترتيب أدواتها

أمام هذا الواقع، تبدو الاستجابة في 2026 أكثر ميلاً إلى إعادة التنظيم والتركيز. اليونيسف تتحدث عن نهج سوريا الواحدة بوصفه إطاراً تنسيقياً موحداً داخل البلاد، فيما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الوصول بات أكثر سلاسة عبر مناطق مختلفة ومعابر متعددة، لكنها تربط ذلك بضرورة فرز الأولويات عند نقص الموارد.

والمنظمة نفسها تذكر أن مكتبها في غازي عنتاب أُغلق في أكتوبر 2025 بعد خطة نقل تدريجي لدعم الخدمات في الشمال الغربي، وهو مؤشر على انتقال مراكز العمل لا على انتهاء الحاجة.

يترافق ذلك مع ميل أكبر لدمج الإغاثة بالتعافي المبكر، مثل دعم شبكات المياه في مناطق الجفاف وتعزيز التحصين الروتيني وتجهيز مرافق صحية بأدوات أساسية، ومع توسيع الشراكات مع منظمات وطنية ومحلية للوصول إلى مجتمعات يصعب خدمتها مباشرة.

كما تفرض حركة العودة إعادة توزيع الأولويات، إذ تذكر اليونيسف عودة أعداد كبيرة من النازحين ومن اللاجئين إلى مناطق خدماتها محدودة أو متضررة، ما يضغط على المدارس والعيادات وشبكات المياه، ويجعل سؤال الاستجابة مرتبطاً بالاختيار بين مخيمات ما زالت قائمة ومناطق استقبال تعاني أصلاً من نقص الخدمات.

أسئلة 2026 أمام الجميع

تقول الاحتياجات الإنسانية في سوريا 2026 إن الأرقام اختبار لخيارات اليوم. التمويل القابل للتنبؤ شرط لأن التعليم والصحة والمياه لا تعمل بمنطق الطوارئ القصيرة، والتوازن بين إنقاذ الحياة الآن ومنع تدهور جديد عبر التعافي المبكر سيظل حساساً في بلد تتجاور فيه عودة متسارعة وخدمات متعبة.

الأهم أن تحديث تقديرات المحتاجين والمستهدفين ينبغي أن يبقى واضحاً للناس، حتى لا تتحول النسب الكبيرة إلى ضباب يبتلع التفاصيل. وعندما يُقرأ رقم السبعين في المئة كدعوة إلى الاستثمار في الخدمات الأساسية والحماية لا كقدر ثابت، يصبح الأمل واقعياً، لأن تقليص العوز يبدأ من تثبيت الماء والدواء والمدرسة قبل أي شيء آخر.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن محاربة الفقر جديّاً في سوريا؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى