المجتمع السوري

الاحتطاب الجائر في اللاذقية.. لماذا تتسع الظاهرة رغم الملاحقات؟

بقلم: ريم ريّا

لم تعد غابات اللاذقية معرضة لخطر الحرائق فحسب، بل أصبح قطع الأشجار غير القانوني “الاحتطاب” أحد أخطر التحديات، إذ يقلّص مواردها الحرجية بشكل كبير عاماً بعد عام. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض الدخول، لجأ بعض السكان إلى الاحتطاب لتلبية احتياجاتهم اليومية، بينما استغل آخرون الوضع وحولوا قطع الأشجار إلى تجارة مُنظّمة تُدرّ أرباحاً سريعة. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وحملات المراقبة المستمرة، تتضاءل المساحات الخضراء تدريجياً، وسط تحذيرات من عواقب بيئية قد تستمر لعقود.

أرقام الاحتطاب تظهر حجم المشكلة في اللاذقية

تشير بيانات دائرة الزراعة والإصلاح الزراعي في اللاذقية إلى زيادة ملحوظة في مخالفات “الاحتطاب” في النصف الأول من عام 2026 مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025. فقد سجلت الدائرة 314 مخالفة، مقارنةً بـ 102 مخالفة فقط خلال الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة تفوق ثلاثة أضعاف. تم تسجيل 146 عملية مصادرة، مقارنةً بـ 166 عملية في عام 2025، حيث صودرت عشرات المركبات والدراجات النارية المستخدمة في نقل الأخشاب، بالإضافة إلى كميات من الحطب والفحم والأخشاب وأوراق الغار. تشير هذه الأرقام إلى استمرار نشاط قاطعي الأشجار غير الشرعيين رغم تكثيف الحملات، وتؤكد أن هذه الظاهرة أصبحت أكثر انتشاراً مقارنةً بالسنوات السابقة.

بدأت هذه الظاهرة خلال سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية، شهدت اللاذقية زيادة تدريجية في الاعتماد على الحطب بعد ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وصعوبة الحصول على التدفئة. ومع مرور الوقت، لم يعد قطع الأشجار مقتصراً على الاحتياجات المنزلية، بل أصبح نشاطاً منظماً تقوده شبكات تقطع الأشجار وتنقلها وتبيعها داخل المحافظة وخارجها، مستفيدةً من زيادة الطلب على الحطب وارتفاع أسعاره.

اقرأ أيضاً: الحرائق الموسمية في سوريا: الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى الاستباقية

ضغوط المعيشة ليست السبب الوحيد

ترى دائرة الزراعة أن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة دفعت بعض المواطنين إلى قطع الأشجار لتغطية النفقات الطبية والتعليمية وتلبية احتياجاتهم المعيشية الأساسية. ومع ذلك، لم تعد المشكلة مقتصرة على ذلك. ظهرت فئة من الأفراد المتخصصين في تنظيم عمليات قطع الأشجار غير القانونية والتهريب لتحقيق أرباح سريعة. وقد حول هذا الأمر الظاهرة من انتهاكات فردية إلى أنشطة منظمة تشكّل تهديداً أكبر للغابات.

تتركز معظم الانتهاكات في منطقة “الشعرة” المتاخمة لمحافظة حماة، وخاصة في المناطق المتاخمة لريف جبلة، نظراً لتضاريسها الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب. كما تشهد قرية “بشيلي” قطعاً متكرراً للأشجار، إلى جانب المناطق التي تضررت سابقاً من الحرائق في ريف اللاذقية الشمالي، حيث تستهدف بعض الشبكات الأشجار المحترقة والأشجار الجديدة التي بدأت تتعافى بعد الحرائق.

لماذا يستمر هذا رغم الحملة؟

تواصل مديرية الزراعة إصدار الإنذارات، وإحالة المخالفين إلى القضاء، ومصادرة المركبات، وشن كمائن على مدار الساعة بالتنسيق مع قوات الأمن. ومع ذلك، لا تزال هذه الظاهرة مستمرة. يرى أحد الخبراء الزراعيين، أن الزيادة المطردة في المخالفات تشير إلى أن قانون الغابات رقم 39 لسنة 2023 لم يوفر رادعاً كافياً. ويؤكد أن العقوبات وحدها لا تكفي ما لم تصاحبها مشاريع تنموية توفر فرص عمل بديلة للسكان وتُقلل اعتمادهم على الغابات كمصدر للدخل.

كما يحذر الخبراء من أن أخطر أشكال قطع الأشجار هو استهداف المناطق المتضررة من الحرائق في السنوات الأخيرة، حيث تمثل الأشجار الصغيرة التي بدأت بالنمو بداية التعافي الطبيعي للغابة. إن قطع هذه الأشجار الجديدة يقضي على فرصة استعادة الغطاء الحرجي، مما يؤخر عملية التعافي لعقود، ويرتبط بفقدان التنوع البيولوجي، وزيادة تآكل التربة، وانخفاض قدرة الغابات على الاحتفاظ بالماء.

ما هي الحلول الممكنة؟

يرى الخبراء أن مكافحة هذه الظاهرة تتطلب مزيجاً متزامناً من الرصد والتنمية. يمكن تحقيق ذلك من خلال تشديد العقوبات على شبكات الاتجار غير المشروع، وإطلاق مشاريع استثمارية في الغابات توفر فرص عمل قانونية، وإشراك المجتمعات المحلية في حماية موارد الغابات واستخدامها المستدام، وتعزيز برامج إعادة التشجير، والاستفادة من التجارب الدولية في إدارة الغابات.

ويتضح أن المعركة طويلة لحماية الغطاء الحراجي، إذ يظهر ارتفاع حالات انتهاكات قطع الأشجار غير القانوني من 102 حالة في النصف الأول من عام 2025 إلى 314 حالة في الفترة نفسها من عام 2026 أن قطع الأشجار غير القانوني لم يعد مجرد مخالفة فردية، بل أصبح تحدياً بيئياً واقتصادياً حقيقياً. ولا تزال غابات اللاذقية، التي تقع بين الحاجة إلى سبل العيش والأرباح غير المشروعة، الخاسر الأكبر.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى