هل أعاد الاجتماع الروسي السوري ترتيب أوراق موسكو ودمشق؟!
الاجتماع الروسي السوري بين القواعد والإعمار وخرائط الشمال...

الكاتب: أحمد علي
تفتح زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو يوم 28 كانون الثاني 2026 نافذة على سياسة تُدار تحت ضغط الخرائط المتحركة، فالزيارة جاءت فوق أسئلة ثقيلة، من مصير القواعد الروسية على الساحل، إلى شراكات الطاقة وإعادة الإعمار، وصولاً إلى معنى تقليص حضور روسي في الشمال الشرقي بالتزامن مع تمدد سلطة الدولة هناك.
خلفيات الاجتماع الروسي السوري
يرى متابعون أن الاجتماع الروسي السوري جاء على تقاطع سياقين. الأول سياسي يرتبط بسعي دمشق لإدارة علاقاتها مع القوى الكبرى بقدر أكبر من التوازن، وقد ربطت بعض التغطيات الإعلامية للحدث الزيارة بتغيرات في المناخ الدولي مثل إزالة الرئيس الشرع ومسؤولين آخرين من بعض قوائم العقوبات، وتخفيف قيود اقتصادية كانت تعيق الاستثمار.
والثاني ميداني يرتبط بتقدم القوات الحكومية في مناطق كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، واستعادة مناطق وموارد حيوية في الجزيرة السورية.
وفيما أُعلن عن اللقاء، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على دعم وحدة الأراضي السورية وربط ذلك بإعادة الإعمار، وقال بوتين: «هناك الكثير مما يلزم ترميمه في سوريا، والفاعلون الاقتصاديون لدينا، ومنهم قطاع البناء، جاهزون للعمل المشترك».
بالمقابل، قدّم الشرع شكراً لروسيا على ما عده دوراً في الاستقرار، مع تأكيد اهتمامه بعلاقة تُبنى على احتياجات ملموسة في الاقتصاد والطاقة والدعم التقني.
بين قواعد الساحل ومطار القامشلي
كما يبدو فإن الشق العسكري كان الأكثر حساسية في الاجتماع الروسي السوري الأخير، وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قبل اللقاء إن “كل القضايا المتعلقة بوجود الجيش الروسي في سوريا” ستُناقش.
لكن لم تُعرض على الإعلام تفاصيل اتفاق نهائي، لكن التغطيات أوضحت أن موسكو تعتبر بقاء قاعدتيها الأساسيتين على الساحل (حميميم وطرطوس) أمرًا “أساسيًا” لنفوذها العسكري في المتوسط، وأنها تريد التفاوض على ترتيبات الإبقاء عليهما.
وكانت قد نقلت «الجزيرة نت» عن مصادر عسكرية سورية أن روسيا نقلت أجزاء من وجودها في القامشلي باتجاه قاعدة حميميم مع تقليص عدد العناصر والعتاد في الشمال الشرقي. وفي مسار مواز، نقلت تقارير دولية استندت إلى مصادر سورية في تغطية رويترز أن روسيا تسحب قواتها من مطار القامشلي ضمن خطوة لإنهاء وجودها العسكري هناك.
ضمن هذا السياق برزت تصريحات رامي الشاعر القريب من دوائر القرار في موسكو. للجزيرة نت، قال الشاعر إن موسكو تتفهم إجراءات الحكومة السورية لبسط السيادة والحفاظ على وحدة البلاد وتدعمها، واعتبر أن الدولة السورية باتت تملك إمكانيات أكبر لبسط الأمن.
ووفق ما نُشر في وسائل إعلام، تحدث الشاعر عن نقل معدات وإخلاء عناصر وعودة جزء من القوات إلى روسيا، مع احتمال أن يقتصر الحضور على عناصر تشغّل المطار وتؤمن حمايته، كما قال إن العلاقات العسكرية قد تتركز على تدريب الجيش السوري وصيانة السلاح الروسي المنشأ.
ومن جانبه، رأى الكاتب طه عبد الواحد أن انسحاب القامشلي كان متوقعاً مع تبدل البيئة السورية والإقليمية، وأن التركيز قد يتجه إلى حميميم. أما المحلل فواز المفلح فربط توقيت الانسحاب بزيارة الشرع نفسها بوصفها إشارة إلى توافقات سياسية حول الوجود العسكري.
وهنا من المفيد الإشارة إلى أن مطار القامشلي كان قد تحول إلى نقطة روسية منذ 2019 بعد عملية “نبع السلام” التركية، قبل أن يتراجع دوره مع تغير السيطرة.
في المقابل، يرجّح الباحث في الشأن العسكري رشيد حوراني بقاء قاعدتي حميميم وطرطوس، انطلاقاً من حاجة الجيش السوري إلى صيانة وحدات جوية وبحرية روسية الصنع ما زالت قائمة. وأن النقاش ليس سياسياً فقط، بل تقني أيضاً، بين رغبة سورية في سيادة كاملة، وحاجة عملية إلى قنوات صيانة وتدريب.
الاقتصاد وإعادة الإعمار المحتملة
في الاجتماع الروسي السوري تحدث بوتين عن استعداد شركات روسية للمشاركة في ترميم ما دمرته الحرب. لكن حديث إعادة الإعمار يصطدم بعقبة التمويل وبمناخ العقوبات وبمستوى الثقة. لذلك رجّح البعض أن يكون التعاون في البداية تقنياً وعقوداً محدودة، بينما تراهن دمشق على أن أي تحسن في الكهرباء والوقود سيمنحها مساحة أوسع لجذب استثمارات لاحقة.
وتقول مصادر دبلوماسية سورية إن النقاش يمتد إلى الشكل النهائي للوجود الروسي، ونوعية التجهيزات التي يمكن أن تحتفظ بها موسكو داخل قواعد متبقية، على أن يتركز الدور على الدعم اللوجستي والدور الاستشاري.
ومثل هذا التصور يتيح لدمشق الاستفادة من الخبرة الروسية، ويمنح موسكو حضوراً أقل كلفة على المدى القريب.
واشنطن وأنقرة على الخط أيضاً
لا يتحرك الملف السوري خارج تأثير واشنطن وأنقرة، وقد أشارت بعض التغطيات الإعلامية إلى إعلان أعضاء في الكونغرس موعد جلسة في 3 فبراير لمناقشة إزالة القواعد الروسية من سوريا، ونقلت تصريحات لعضو الكونغرس جو ويلسون تربط إزالة القواعد بأمن المنطقة وتقليص قدرة روسيا على التأثير في المتوسط وأفريقيا.
ومثل هذه الإشارات تضع دمشق أمام اختبار، فهي تحتاج إلى تعاون تقني مع موسكو، لكنها لا تريد أن يتحول ذلك إلى نقطة اشتباك مع الغرب.
في الشمال الشرقي، يتقاطع تقليص الوجود الروسي مع ترتيبات جديدة بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية وسط صمود نسبي لوقف إطلاق نار جرى تمديده. وفي تصريحات رامي الشاعر التي نُشرت، يظهر حديث عن وساطة أميركية وتركية لحل ملف الأكراد، مع طرح روسي يدعم حقوقهم ضمن إطار الدولة السورية.
وكان يلوح ملف الجنوب السوري في خلفية الاجتماع الروسي السوري، وتوقعت بعض وسائل الإعلام والتغطيات المتعلقة بالحدث أن يكون حاضراً على رأس جدول الأعمال المشترك للبلدين في ظل التوترات المرتبطة بالتوغلات الإسرائيلية ونقاط الانتشار الجديدة، مستندين إلى أن لروسيا خبرة سابقة عندما نشرت نقاطاً عام 2018 وفتحت قنوات اتصال محلية في السويداء.
لكن لدى متابعة هذه النقطة تحديداً، لم يظهر أنها احتلت جزءاً من النقاش وفق ما تسّرب لوسائل الإعلام، وهذا لا ينفي تداولها بطبيعة الحال، فما يجري خلف العدسات في مثل هذه اللقاءات أكثر بكثير مما يجري أمامها. على أية حال، ووفق المعلن، فلا شيء جديد في ملف الجنوب السوري.
اقرأ أيضاً: هل هناك خلاف روسي تركي حول سوريا؟!
سيناريوهات مفتوحة وأسئلة قادمة
بعد الاجتماع الروسي السوري، تبدو المخرجات أقرب إلى تثبيت اتجاهات عامة من اتفاقات مفصلة معلنة. اتجاه يلمح إلى إعادة تموضع روسي يركز على الساحل، واتجاه سوري يطلب دعماً اقتصادياً وتقنياً من دون دور قتالي واسع. وبينهما تظل أسئلة مفتوحة حول الشكل النهائي للقواعد، وكيف ستنعكس العلاقة على ملف القامشلي، وهل سيبقى التعاون العسكري محصوراً في التدريب والصيانة أم سيتسع لاحقاً.
ختاماً، فإن ما يمكن قوله أن الاجتماع الروسي السوري أعاد تعريف العلاقة بين البلدين في إطار براغماتي شديد الوضوح، ونجاح هذا الإطار سيُقاس بما يحدث لا بما يقال، وفي جميع المجالات، بما فيها الاقتصادية والعسكرية، على أمل أن تدار «لعبة التوازن» ما بين قوى الخارج الكبرى، والمعلنة من قبل دمشق؛ بأفضل ما يمكن لسوريا وللشعب السوري…
اقرأ أيضاً: ما الذي تستفيده روسيا من قاعدتها الجوية في سوريا؟









