مقابلات

الاجتماعات في شركات المحاماة: لماذا لا تتحول كثرة الاجتماعات إلى زيادة في الإنجاز؟

د. بشر ياقتي – الاجتماعات في شركات المحاماة: لماذا لا تتحول كثرة الاجتماعات إلى زيادة في الإنجاز؟

تكاد لا تخلو شركة محاماة من الاجتماعات، حتى أصبحت جزءاً ثابتاً من المشهد الإداري، لكن السؤال الذي يندر طرحه هو: هل كثرة الاجتماعات تعني وجود إدارة جيدة؟ أم أنها قد تكون دليلاً على وجود خلل إداري يحاول الجميع معالجته بالكلام بدلاً من النظام؟

ولعل من أكثر المفارقات غرابة أن بعض الشركات كلما واجهت مشكلة سارعت إلى تحديد موعد اجتماع جديد، حتى أصبح الاجتماع هو الحل الأول لكل أزمة. تتأخر القضايا فيُعقد اجتماع، ويزداد تذمر العملاء فيُعقد اجتماع، ويستقيل أحد الموظفين فيُعقد اجتماع، ثم يخرج الجميع بشعور مؤقت بأن شيئاً قد أُنجز، بينما الواقع أن المشكلة ما زالت في مكانها لأنها لم تكن تحتاج إلى اجتماع بقدر ما كانت تحتاج إلى قرار.

ولهذا فإن الاجتماع ليس دليلاً على وجود إدارة، بل هو أحد أدواتها فقط، شأنه شأن التقرير أو البريد الإلكتروني أو النظام الداخلي. فإذا تحول إلى غاية بحد ذاته فقد وظيفته الأساسية، وأصبح يستهلك وقت الشركة أكثر مما يضيف إليها.

ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن تُعقد الاجتماعات لنقل المعلومات لا لاتخاذ القرارات، فيجلس عشرة أشخاص ليستمعوا إلى معلومات كان يمكن إرسالها في رسالة لا تستغرق قراءتها دقائق معدودة، ثم ينتهي الاجتماع دون أن يُحسم موضوع واحد. وهنا لا تكون المشكلة في الاجتماع نفسه، بل في عدم التمييز بين ما يحتاج إلى نقاش وما يحتاج فقط إلى إبلاغ.

وقد شهدت بعض الكيانات القانونية حالة لافتة؛ إذ كان الاجتماع الأسبوعي يمتد ثلاث ساعات بحضور جميع مديري الإدارات، ومع ذلك كانت الموضوعات نفسها تتكرر كل أسبوع تقريباً، وبعد مراجعة أسباب ذلك تبين أن معظم القرارات لم يكن يُنفذ منها شيء، لأن أحداً لم يحدد من المسؤول عنها ولا متى يجب إنجازها. فأصبح الاجتماع يناقش ما ناقشه الاجتماع السابق، وتحول الوقت إلى دائرة مغلقة من المراجعة بدلاً من التقدم.

وفي المقابل قد تعقد شركة أخرى اجتماعاً لا يتجاوز ثلاثين دقيقة، لكنه ينتهي بقائمة واضحة من القرارات، ولكل قرار مسؤول محدد ومدة زمنية وآلية متابعة. وبعد أسبوع لا يُعاد النقاش في الموضوع نفسه، لأن الاجتماع لم يكن مساحة لتبادل الآراء فحسب، بل محطة للانتقال من الفكرة إلى التنفيذ.

ومن الظواهر التي تستحق التأمل أن بعض المديرين يقيس نجاحه بعدد الاجتماعات التي يعقدها؛ فكلما ازدحم جدول أعماله شعر أنه أكثر سيطرة على الشركة، بينما قد يكون الواقع معكوساً تماماً، لأن كثرة الاجتمااعات قد تعني أن الهيكل غير واضح، أو أن الصلاحيات لم تُوزع كما ينبغي، أو أن الموظفين لا يستطيعون اتخاذ أبسط قرار دون الرجوع إلى الإدارة العليا.

ولو تأملنا قليلاً لوجدنا أن كثيراً من الاجتماعات ما هي إلا نتيجة مباشرة لخلل ناقشناه في الحلقات السابقة؛ ضعف التفويض، وغموض المسؤوليات، ومركزية القرار. فحين لا يعرف كل شخص حدود صلاحياته يصبح الاجتماع وسيلة للبحث الجماعي عن إجابة كان يفترض أن يحسمها النظام منذ البداية.

ومن الأخطاء التي تُرهق شركات المحاماة أيضاً دعوة أشخاص لا علاقة لهم بموضوع الاجتماع، فيجلس المحامي الذي كان يستطيع إنجاز مذكرة أو مراجعة عقد ليستمع إلى نقاش إداري لا يمس عمله، ويحضر مدير القضايا اجتماعاً استراتيجياً لا يملك إضافة حقيقية فيه، ومع مرور الوقت لا تخسر الشركة وقت الأفراد فحسب، بل تخسر تركيزهم أيضاً، لأن كثرة المقاطعات تُفقد العمل عمقه.

ولا يقل خطورة عن ذلك الاجتماع الذي يسيطر عليه شخص واحد. فبعض الاجتماعات تُعقد ظاهرياً للاستماع إلى الجميع، لكنها عملياً تتحول إلى محاضرة يلقيها المدير، أو إلى مساحة يدافع فيها كل طرف عن رأيه دون أن يصغي للآخرين. وعندها يغادر الحاضرون وقد استُهلك وقتهم دون أن يشعروا أنهم شاركوا في صناعة القرار.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل اجتماع هو: ماذا سيحدث إذا لم نعقد هذا الاجتماع؟ فإذا كانت الإجابة أن العمل سيستمر بصورة طبيعية، فربما لا يكون الاجتماع ضرورياً أصلاً. أما إذا كان الهدف اتخاذ قرار لا يمكن الوصول إليه بوسيلة أخرى، أو تنسيقاً مباشراً، أو معالجة مسألة تتطلب حواراً بين أكثر من إدارة، فهنا يصبح الاجتماع أداة لا غنى عنها.

وفي المحصلة، فإن الاجتماع الناجح لا يُقاس بعدد الحاضرين ولا بطول مدته ولا بعدد الملفات التي نوقشت فيه، بل بعدد القرارات التي خرج بها، وما إذا كانت تلك القرارات قد انتقلت فعلاً إلى أرض الواقع. فالإدارة لا تُبنى بكثرة الاجتماعات، وإنما تُبنى حين يصبح كل اجتماع خطوة تقرّب الشركة من أهدافها، لا ساعة إضافية تُضاف إلى جدول أعمالها.

اقرأ أيضاً: التفويض في شركات المحاماة: لماذا يصبح القائد أكبر عائق أمام نمو شركته؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى