الاتجار بالبشر.. حين يكسر الضحايا حاجز الخوف وتبدأ رحلة تطبيق القانون

بقلم هلا يوسف
يستعطف مشهد تسول طفل في الشوارع قلوب الكثير من الناس، وكذلك إعلانات الحاجة إلى متبرعين بكلية، أو حتى من يحتاج إلى سفر أو فرصة عمل، خصوصاً من النساء. لكن تحت الغطاء الإنساني للكثير من الإعلانات أو الأعمال، قد تقف شبكات خاصة بالاتجار بالبشر، مستغلين فقر الناس وحاجتهم للمال. وقد لا يعتمدوا في عمليات استدراجهم للضحايا على العنف، بل يكون عبارة عن عرض سفر أو عمل مغرٍ، أو اللعب على العاطفة الإنسانية لدى الأشخاص، وما هي إلا لحظة حتى يتحول الشخص إلى ضحية لهم. وقد لا يعلم كثيرون أن هناك طرقاً قانونية للخلاص من هذا الاستعباد البشري، وأن الدولة والقانون يكافحان مثل هذه الأعمال بطرق سنتحدث عنها في هذا المقال، خصوصاً بعد إلقاء القبض على شبكات يعمل تحتها مئات الأشخاص.
لذلك، استحدثت وزارة الداخلية “إدارة مكافحة الاتجار بالبشر” كإدارة مستقلة ضمن الهيكلية الجديدة للوزارة التي تم الإعلان عنها في أيار 2025. والهدف من وجود إدارة متخصصة هو التعامل مع هذه الجرائم بصورة منظمة تتجاوز مرحلة ملاحقة المتورطين لتصل إلى حماية الضحايا ومساعدتهم.
جرائم تبدأ بالحاجة وتنتهي بالاستغلال
لا يوجد للاتجار بالبشر شكل واحد، فهناك شبكات تستغل النساء في الدعارة، وأخرى تعمل في تهريب البشر، بينما تستغل شبكات أخرى الأطفال في التسول أو الاستغلال الجنسي، بالإضافة إلى جرائم الاتجار بالأعضاء البشرية.
وحجم الشبكات التي اكتشفتها إدارة مكافحة الاتجار بالبشر خلال الفترة الماضية مرعب، وذلك يضم الاتجار بأشكاله المختلفة. فقالت الإدارة إنه تم اكتشاف نحو 15 شبكة تدفع الأطفال إلى الشوارع للتسول، مع تأكيدها أن الواقع قد يشير إلى أعداد أكبر، غير أن الرقم السابق هو فقط ما تم التوصل إليه.
والمشكلة أن الطفل الذي يقف في الشارع قد يكون جزءاً من شبكة يحصل فيها شخص آخر على الأموال التي يجمعها. وفي بعض الحالات، يستغل المشغلون حاجة الأطفال، وخصوصاً الأيتام، بينما توجد حالات أخرى يدفع فيها الأب أو الأم أبناءهم إلى التسول حتى يصبح المال الذي يحصلون عليه مصدراً لدخل الأسرة.
غير أن المصيبة الأكبر هي ما كشفته التحقيقات عن وجود شبكات تستغل الأطفال جنسياً من خلال تصويرهم في أوضاع مشبوهة، ثم محاولة بيع هذه المواد لمواقع إباحية، وبالفعل تم إحالة نحو 300 متورط في هذه القضايا إلى القضاء. وهذا بحد ذاته من الجرائم التي تدفع الأهالي للخوف على أبنائهم خلال قيامهم بأعمالهم اليومية، مثل الذهاب إلى المدرسة أو إرسالهم لشراء بعض حاجيات المنزل.
أما النساء، فلهن حكاية أخرى في قضايا الاتجار بالبشر، لكونهن عنصراً جذاباً لشبكات الدعارة، مستغلين فقرهن وحاجتهن للمال، حيث يدفع لهم مبالغ زهيدة مقابل بيع أجسادهن، بينما يحصل الأشخاص الذين يديرون الشبكات على الجزء الأكبر من الأرباح.
وتشمل مهام الإدارة أيضاً مكافحة تهريب البشر، خصوصاً عندما تستغل الشبكات حاجة الأشخاص إلى السفر والعمل، وتقدم لهم وعوداً كاذبة قبل استغلالهم أو ابتزازهم.
حتى عمليات الاحتيال المرتبطة بادعاء ممارسة السحر والشعوذة أصبحت ضمن الملفات التي تعاملت معها الإدارة عندما يكون الهدف منها استغلال الضحايا وسلب أموالهم أو الاعتداء عليهم. وقد تم إيقاف ستة أشخاص في هذه القضايا، ومن الحالات التي تم الكشف عنها شخص استغل نساء لسنوات، قبل أن يستخدم المنوم مع إحدى ضحاياه ويسرق أموالها وذهبها ويعتدي عليها جنسياً.
اقرأ أيضاً: محمد غميرة.. استدعاء انتهى بقضية رأي عام
ماذا يقول القانون عن الاتجار بالبشر؟
من خلال الأشكال السابقة للاتجار بالبشر، كان لا بد من وجود قانون يعالج هذه القضايا ويحاكم المتورطين بها. لذلك جاء المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010 الخاص بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته، وعرّفه بأنه استدراج الشخص أو نقله أو إيواؤه أو استقباله أو اختطافه، بهدف استغلاله وتحقيق منفعة مادية أو معنوية.
والاستغلال لا يعني بالضرورة استخدام القوة فقط. فقد يحدث عن طريق التهديد أو العنف أو الخداع أو الاحتيال، أو من خلال استغلال فقر الشخص أو جهله أو ضعفه أو حاجته، وحتى استغلال السلطة أو المركز الوظيفي.
والأهم أن القانون لا يعتبر موافقة الضحية سبباً لإسقاط الجريمة، لأن الشخص قد يوافق في البداية على السفر أو العمل، لكنه لا يوافق على أن يتحول إلى ضحية للاستغلال.
وتكون العقوبات أشد في الحالات الخطيرة، فالعقوبة الأساسية يمكن أن تصل إلى الاعتقال المؤقت لمدة لا تقل عن سبع سنوات، بالإضافة إلى غرامة مالية، بينما قد تصل في الحالات المشددة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، خصوصاً إذا كان الضحية طفلاً أو امرأة أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو استُخدم السلاح، أو كان الجاني زوج الضحية أو أحد أصولها أو ممن يملكون سلطة عليها. كما تشمل الحالات المشددة أيضاً الجرائم التي ترتكبها جماعات منظمة أو شبكات عابرة للحدود.
والعقوبات لا تتوقف عند السجن، بل تشمل أيضاً مصادرة أموال المتورطين وممتلكاتهم والأدوات التي استُخدمت في ارتكاب الجريمة أو حصل عليها الجناة من عائداتها.
بينما تقدم الحكومة للضحية حقوق الحماية والرعاية، بما في ذلك الدعم الطبي والنفسي والمساعدة القانونية، مع توفير دور رعاية للأطفال بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
البلاغات.. الطريق إلى الوصول للشبكات
الكثير من قضايا الاتجار بالبشر تبقى طي الغياب نتيجة مخاوف الضحية من نتائج الشكوى على المستغل وتهديداته للضحايا. غير أن معظم الحالات التي يتم اكتشافها تبدأ من ضحية قرر كسر حاجز الخوف وقدم بلاغاً بما يحدث له.
ولهذا تعتمد إدارة مكافحة الاتجار بالبشر على البلاغات إلى جانب البحث والتحري وجمع المعلومات وتحليلها. وبعد التحقق من المعلومات، تعمل الجهات المختصة على جمع الأدلة وتحديد المتورطين، ثم إحالتهم إلى النيابة العامة والقضاء.
وتؤكد الإدارة أن هوية المبلغ والضحية تبقى سرية، وهي نقطة مهمة في هذا النوع من القضايا، لأن الخوف من الانتقام أو كشف هوية الضحية قد يمنع كثيرين من الإبلاغ.
كما يمكن تقديم الشكاوى عبر أكثر من قناة، بينها الرقم 108 الخاص بعمليات الأمن الجنائي، بالإضافة إلى القنوات التي خصصتها الإدارة لاستقبال البلاغات، والتوجه إلى الجهات القضائية أو المختصة مباشرة.
وبحسب ما تم الإعلان عنه نتيجة التحقيقات، تم إلقاء القبض على نحو 600 متورط في قضايا تهريب بشر، و100 متورط في شبكات دعارة، إلى جانب 300 شخص في قضايا الاستغلال الجنسي للأطفال، وثلاثة أشخاص في قضايا شراء أعضاء بشرية.
أما في ملف الأعضاء، فتتابع الإدارة حالات بيع الأعضاء تحت غطاء “التبرع”، عندما تدفع الحاجة المالية شخصاً إلى بيع عضو، مثل الكلية، مقابل مبلغ قليل، بينما يستفيد آخرون من العملية. كما أُشير إلى احتمال تورط بعض العاملين في القطاع الطبي في بعض الحالات، مع استمرار التحقيقات بحسب كل قضية.
ورغم القضايا السابقة، أكدت الإدارة أنه منذ التحرير لم يتم تسجيل حالة نزع أعضاء عن طريق خطف الضحايا، في حين تستمر ملاحقة الاتجار بالأعضاء بكل أشكاله.
كما اتجه الملف نحو مزيد من التعاون الدولي مع انضمام سوريا في حزيران 2026 إلى “مجموعة أصدقاء مكافحة جريمة الاتجار بالبشر التي تيسرها التكنولوجيا”، وهذه الخطوة تجعل من تبادل الخبرات والتعاون في مواجهة الجرائم طريقاً عابراً للحدود.
في النهاية، كسر حلقة الاستغلال يبدأ من الضحية نفسها التي ترفض أن يتم استغلالها تحت أي ذريعة أو مسمى. وهنا تصبح القضية بيد الدولة التي أفردت إدارة كاملة لمواجهة الاتجار بالبشر، بل ومساعدة الضحايا على التعافي وحمايتهم من أي أذى. والتبليغ لا يجب أن يقتصر على الضحايا، بل هو مسؤولية كل شخص يرى بعينه شخصاً يتعرض للاستغلال. لذلك، التعاون المحلي والحكومي في هذه القضايا هو مفتاح المعالجة.
اقرأ أيضاً: حملات تُلاحق المتسولين وواقع يعيدهم إلى الشوارع.. لماذا يستمر التسول في سوريا؟









