الإنفاق العام في مواجهة أنقاض الاقتصاد السوري: هل المال وحده يصنع الاستقرار؟

الكاتب: أحمد علي
في بلادٍ يئن فيها الإسفلت تحت وطأة الحرب، ويُحسب فيها الجوع بالكيلوغرامات، يصبح الحديث عن زيادة الرواتب خطوة لا تُقاس بالأرقام، بل بالأمل. كأن الحكومة المؤقتة في سوريا قررت أن تمسح الغبار عن جيوب المواطنين، علّها تستعيد من خلال «الإنفاق العام» بعضاً من الثقة المفقودة بين السلطة والشارع. لكنها مهمة شاقة، كمن يحاول بث الحياة في جسد أنهكته السنين، وأتعبته النزاعات، ومرّغته في أوحال الانقسام السياسي والخراب الاقتصادي.
وبينما أتصفّح ورقة بحثية للدكتور نبيل مرزوق حول «الإنفاق العام وتحفيز النشاط الاقتصادي» نُشرت مؤخراً ضمن إصدار لمركز حرمون، وجدتُ نفسي أمام نص ليس فقط غنياً بالتحليل والأرقام، بل يحمل طابعاً ملحّاً ينبغي التأكيد عليه، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال..
البداية من الحطام: اقتصاد متهالك ومجتمع ممزق
ليست الأرقام في سوريا مجرد إحصاءات بيروقراطية، بل مرايا لواقع موجع. فخلال أكثر من 13 عاماً من الحرب، غادر أكثر من نصف السوريين منازلهم. دُمرت مئات آلاف المساكن، وتراجعت البنية التحتية إلى ما دون خط الحياة. إنتاج النفط انخفض من 386 ألف برميل يومياً عام 2010 إلى نحو 40 ألفاً، والزراعة أُفرغت من مضمونها بفعل الألغام، وقلة الموارد، وغياب الدعم المؤسسي.
وإذا كانت الحرب قد مزقت التراب، فإنها فعلت الأسوأ برأس المال البشري. أكثر من 6 ملايين شخص أُجبروا على الهجرة، وآلاف الشباب صاروا بلا تعليم ولا أمل. في هذا المشهد، لا يكون «رفع الرواتب» مجرد بندٍ في الموازنة، بل ورقة اختبار للنية السياسية في إعادة الاعتبار للإنسان قبل أي شيء آخر.
الرواتب التي أعلنت الحكومة نيتها زيادتها بنسبة قد تصل إلى 400%، والتي تبعها زيادة 200% لا تبدو ترفاً. بل هي محاولة لإسعاف الطلب المحلي، لتحريك السوق، وربما لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، بعد أن شوهتها سنوات الاستبداد والدمار.
رواتب تتآكل، وأجور لا تسمن ولا تغني من فقر
منذ أواسط الثمانينيات، بدأت القيمة الحقيقية للأجور في التراجع. الليرة التي كانت تساوي 4.1 مقابل الدولار أصبحت تُحسب بعشرات الآلاف. وفي الوقت الذي كان الموظف الجامعي يتقاضى أجراً لا يغطي سوى 10% من خط الفقر المدقع، كانت الدولة تنفق بسخاء على آلة الحرب.
والسياسات الاقتصادية السابقة، التي حوّلت الوظائف العامة إلى مكافآت سياسية، دمرت مهنية الدولة وأفرغت مؤسساتها من الكفاءة. فلم تكن الأجور مرتبطة بالإنتاجية أو الاحتياجات، بل بولاء حزبي وحسابات أمنية. ومع غياب الشفافية والرقابة، تحولت الإدارة إلى غابة من الفساد المقونن. ومن الجدير بالذكر هنا أن الحكومة كانت أكبر ربّ عمل في البلاد، حيث يشكل العاملون في الدولة والقطاع العام ما يزيد على 28% من إجمالي المشتغلين، ما يجعل أي تعديل في سياسات الأجور ذا تأثير واسع النطاق لا يمكن تجاهله.
اليوم، تحاول الحكومة أن تعيد النظر، لكن المهمة معقدة. فهناك موظفون وهميون، ورواتب متعددة لشخص واحد، وإدارات مترهلة لا تميز بين الكفاءة والمحسوبية. وحتى الإعلان عن زيادة الرواتب لم يكن مصحوباً باستراتيجية واضحة، بل أتى كخبر عاجل يحمل كثيراً من التساؤلات، وقليلاً من الأجوبة.
الإنفاق العام كأداة سياسية واجتماعية
لا يخفى على أحد أن الإنفاق العام في الحالة السورية لم يعد مجرد سياسة اقتصادية، بل بات ضرورة اجتماعية وطنية. ففي بلدٍ يعيش فيه 90% من السكان تحت خط الفقر، فإن ضخ الأموال في الرواتب والدعم الاجتماعي قد يكون طوق النجاة الوحيد لمن تبقى من الطبقة الوسطى إذا كان من الممكن الحدث عنها في الواقع السوري الحالي شديد الاستقطاب.
تدرك الحكومة أن زيادة الأجور وحدها لا تكفي. فالمطلوب هو تحفيز الطلب الداخلي، وربط ذلك بإنتاج محلي لا يذهب ريعه إلى المستوردين وتجار الأزمات. ولذا، تقترح الورقة البحثية إصلاحات موازية: إصلاح القطاع الزراعي، ضبط عمليات الاستيراد، دعم المؤسسات الصغيرة، وتقديم تسهيلات مالية مقننة.
لكن التحدي الأكبر ليس مالياً فحسب، بل نفسي أيضاً. إذ إن الثقة بين المجتمع والسلطة انهارت بفعل سنوات من الخذلان. ولذلك، فإن أي سياسة اقتصادية لا تحمل في طياتها تضامناً وطنياً وعدالة اجتماعية ستُقابل بالشك والتردد.
الإنفاق العام، كما تُصوّره الحكومة السورية، ليس رشاً للمال على أزمة مزمنة، بل محاولة لإعادة بناء جسور الثقة عبر بوابة الاقتصاد. وهو ما يتطلب شراكة حقيقية مع المواطنين، وشفافية في التوزيع، وآليات رقابة تضمن أن تصل الأموال إلى مستحقيها، لا إلى جيوب المحاسيب الجدد.
من الراتب إلى الكرامة: استعادة الإنسان السوري كمهمة وطنية
في قلب كل سياسة اقتصادية ناجحة، يقف الإنسان. ليس كأداة إنتاج، بل كغاية ووسيلة لأي نهوض حقيقي. ومن هنا، لا يمكن الحديث عن زيادة الرواتب في سوريا بمعزل عن الأثر الاجتماعي العميق الذي يمكن أن تتركه، لا سيما في مجتمع محطّم الأعصاب، هش العلاقات، مفقود الثقة بنفسه وبمن حوله.
تسعى الحكومة، ولو على استحياء، إلى تجاوز إرث النظام السابق الذي كان يرى في الموظف رقماً في جداول الولاء، لا فرداً منتجاً جديراً بالاحترام. لكن المهمة شاقة، لأن ما فُقد خلال سنوات القمع والدمار ليس فقط الدخل، بل الشعور بالانتماء. الناس لم تعانِ الفقر فقط، بل الإهمال، والإهانة، والتهميش المنظم. ولذلك فإن الإنفاق العام، بما فيه من رفع للرواتب ودعم للفئات المهمشة، هو أحد مفاتيح استعادة رأس المال الاجتماعي.
وما تقترحه الورقة البحثية للدكتور مرزوق في هذا الإطار ليس مجرد دعم مالي، بل إعادة بناء الإنسان السوري كأولوية تنموية. فهي تدعو إلى إعادة الاعتبار للأسر المنكوبة، للأطفال الذين فقدوا ذويهم، وللنازحين الذين ما زالوا يسكنون الخيام، وتشدد على ضرورة الكفّ عن السياسات الانتقامية والإقصائية التي تزيد الشرخ بين مكونات المجتمع.
وتذهب الورقة إلى ما هو أبعد من النقد، إذ تضع يدها على مفتاح بالغ الأهمية: التضامن الوطني كأداة اقتصادية. نعم، فكما أن العملة تحتاج إلى غطاء نقدي، يحتاج الاقتصاد إلى غطاء اجتماعي قائم على الثقة والتآزر والعدالة. ولذلك، فإن زيادة الأجور ليست فقط حقاً مستحقاً، بل خطوة في طريق طويل نحو ترميم الروح السورية التي مزقتها الحروب والانقسامات.
وفي النهاية، لعل أكبر استثمار يمكن أن تقوم به الدولة السورية في هذه المرحلة، ليس في النفط ولا في الزراعة فقط، بل في الإنسان. فراتب كريم قد لا يغيّر الواقع بين ليلة وضحاها، لكنه قد يوقظ في قلوب السوريين إحساساً منسياً: أنهم يستحقون حياة أفضل.
اقرأ أيضاً: ما الآثار الاقتصادية للحرب الإيرانية «الإسرائيلية» على سوريا؟!









