الإنترنت في سوريا.. رافد خفي للاقتصاد تحت وطأة الأسعار والقيود

يواجه الإنترنت في سوريا معوّقات كبيرة، على الرغم من كونه ضرورة ملحّة للأفراد والمؤسسات على حدٍ سواء. في هذا المقال سوف نستعرض واقع الإنترنت في سوريا، وكيف يمكن أن يلعب دوراً هاماً في النهوض بالاقتصاد الوطني، بالإضافة للتطلعات المستقبلية لإيجاد حلول مستدامة للتحديات التي تواجه الإنترنت في سوريا.
الإنترنت في سوريا: ضرورة وتحديات
تجاوز الإنترنت في سوريا كونه مجرد أداة للتواصل، إنما بات رافد أساسي للاقتصاد في الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد وخصوصاً مع الارتفاع الكبير في عدد الباحثين عن عمل. حيث أن الإنترنت بات فرصة كبيرة أمام الأفراد وأصحاب المشاريع الناشئة من أجل الوصول إلى أسواق أوسع، بالإضافة إلى أن واقع العمل عن بعد أصبح يُشكل مصدر دخل لشريحة واسعة من المجتمع السوري من خلال خلق فرص عمل جديدة تُخفف من حدة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد.
وعلى الرغم من ذلك، لا يزال واقع الإنترنت في سوريا متردياً، ويواجه العديد من العقبات والتحديات. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تدني مستوى البنية التحتية والتجهيزات القديمة التي لا تواكب التطورات العالمية في هذا القطاع، وبالتالي يواجه المستخدمون بطء شديد في سرعات الإنترنت مما يعوق الاعتماد عليه في أعمالهم التي ربما باتت مصدر دخلهم الرئيسي.
كما أن الارتفاع الكبير في أسعار تجهيزات الإنترنت المنزلية، بالإضافة إلى غلاء سعر خدمة باقات الإنترنت الخليوية، بات تحدياً كبيراً أمام المواطنين في الاستفادة من خدمات الإنترنت التي تسمح لهم في تحسين أوضاعهم المعيشية.
الإنترنت في سوريا: من وسيلة تواصل إلى شريان اقتصادي حيوي
تحول الإنترنت في سوريا إلى وسيلة هامة تساعد الكثير من أصحاب المهارات في النفاذ إلى أسواق واسعة بهدف تأمين مصدر دخل يتلاءم مع واقع المعيشة في البلاد وخصوصاً في ظل التدهور الاقتصادي، وغياب فرص الاستثمار على أرض الواقع.
وفي هذا الصدد أشار خبير الاستثمار سامي إسماعيل، في مقابلة له مع سوريا اليوم 24، إلى أن الشباب السوري يعتبر كنزاً من المهارات الناعمة التي لا تتطلب بنى تحتية ضخمة بقدر ما تحتاج إلى اتصال فعال بشبكة الإنترنت، وهو ما يعتبر فرصة كبيرة للاستثمار في الأشخاص من خلال تأمين ما يحتاجونه من بنية تحتية تقترب من أن تكون بسيطة، بدلاً من الدفع بهم نحو الخارج وتقديمهم إلى مجتمعات أخرى لتستفيد من خدماتهم.
ومن هنا نجد أن الإنترنت في سوريا تجاوز مرحلة كونه وسيلة للرفاهية، ليصبح وسيلة للمساهمة في تجاوز الأزمات الاقتصادية، حيث أن آلاف الشباب في سوريا يمتلكون خبرة واسعة في العديد من المجالات وهو ما يسمى “المهارات الناعمة”. إلا أن واقع الإنترنت في البلاد يعتبر من أكبر التحديات لهم، ويمنعهم من الاستثمار في هذه المهارات وتقديم هذه الخدمات على مستوى عالمي من خلال العمل عن بعد.
ومن الجدير بالذكر أن الأنشطة التي يمكن للشباب السوري أن يقوموا بها لا تمثل فقط مصدر دخل على مستوى الفرد، إنما أيضاً لها دور كبير في ضخ العملات الأجنبية في الاقتصاد المحلي. حيث يمكن أن يعمل شاب سوري، عبر منصات العمل الحر العالمية، في مجال الترجمة لصالح عميل يتواجد في إحدى الدول الأوروبية، كما يمكن للمصمم السوري أن يصنع شعاراً لشركة عالمية.
وبالتالي نجد أن الإنترنت ليس مجرد شبكة عادية، بل هو سوق عمل مفتوح، ينتظر فقط من يستغله، كما أنه الجسر الذي يربط المواهب السورية بالعالم الخارجي، ويحول المهارات الفردية إلى محرك حقيقي للتنمية الاقتصادية.
اقرأ أيضاً: هل يمكن للسوري الربح من غوغل في سوريا الآن؟
شبكات الاتصالات المحلية.. أسعار مرتفعة وباقات محدودة
باتت خدمات الإنترنت التي تقدمها شبكات الاتصالات المحلية في سوريا أشبه بالحلم، وذلك نتيجة ارتفاع أسعار هذه الخدمات بشكل كبير. ففي الوقت الذي كان فيه متوسط الرواتب في القطاع الحكومي يبلغ 300 ألف ليرة سورية، كان متوسط سعر باقة الإنترنت المقدمة من شركتي “سيرياتل” و”إم تي إن” يتراوح بين 150 ألفاً و200 ألف ليرة، أي ما يعادل نصف متوسط الدخل الشهري. ومع الزيادة الجديدة التي لم تشمل الجميع، ظل عبء أسعار الإنترنت كبيراً، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الخدمات بشكل متسارع.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المشكلة تُلقي بظلالها على شريحة واسعة من المجتمع، ويضرب صميم الحاجات اليومية للناس. حيث أشار أحمد، طالب جامعي، لوسيلة إعلامية، إلى أن ضعف السرعة وارتفاع التكلفة يعيقان التعليم بشكل مباشر، حيث أنه كان يبحث عن إشارة إنترنت في الشوارع لإكمال دراسته عن بُعد.
أما سمر، التي تعمل عن بُعد، أشارت في حديثها لإحدى وسائل الإعلام، إلى أن أي انقطاع في الشبكة أو ضعف في أدائها يؤثر على عملها ويسبب لها خسائر مالية، ما أن حجم الباقة لا تناسب أبداً مع احتياجات العمل لديها، مما يؤكد أن الإنترنت في سوريا أصبح موجوداً بالاسم فقط، وبتكاليف باهظة جداً.
أثر العوامل الخارجية والسياسية على واقع الإنترنت في سوريا
يواجه واقع الإنترنت في سوريا تفاعلاً معقداً بين الحاجة الماسة لتحسين الخدمات المتردية في هذا القطاع، وبين القرارات الحكومية التي تتأثر بشدة بعوامل خارجية وسياسية. ففي ظل التراجع الكبير في خدمة الإنترنت التي تقدمها الشبكات المحلية، قام العديد من السوريين بالبحث عن حلول بديلة مثل الإنترنت الفضائي “ستارلينك”، ليجدوا أنفسهم أمام قرار رسمي يحظر استخدامه. وبينما لاقى هذا القرار انتقادات واسعة بين المواطنين، وخصوصاً بعد سنوات طويلة من قمع الحرية الرقمية، كان التبرير بأن هذا القرار يعود لأسباب أمنية وتنظيمية.
وفي محاولة لتخفيف وطأة هذا القرار، كان لابد من إيجاد حلول بديلة تعمل على تقديم خدمة إنترنت، لاسيما في ظل التحول الرقمي في البلاد، ومن هنا عملت الحكومة السورية على إبرام اتفاق مع شركة الأقمار الصناعية التركية “تركسات” لتقديم خدمات إنترنت فضائي للمؤسسات الحكومية ومشاريع التحول الرقمي.
وبذلك تم ضمان إمكانية الوصول إلى الخدمات العامة الرقمية في سوريا في المناطق التي تعاني من نقص في البنية التحتية عبر اتصالات إنترنت الأقمار الصناعية باستخدام القمر الصناعي تركسات.
استيراد الإنترنت من الأردن
في خطوة مهمة لتحسين سرعة الإنترنت في سوريا، أعلن وزير الاتصالات السوري، عبد السلام هيكل، عن توقيع اتفاق مع الأردن لاستيراد سعات إنترنت إضافية.
ويُشار إلى أن استيراد السعات الجديدة سيبدأ خلال أسابيع قليلة بعد إصلاح الكابل الضوئي الواصل بين معبر “نصيب/جابر” ودمشق. حيث من المتوقع أن يكون هناك تحسن ملحوظ في جودة وسرعة الإنترنت ريثما يتم الانتهاء من المشاريع الكبرى لتطوير البنية التحتية، وذلك بحسب ما صرح به الوزير هيكل.
اقرأ أيضاً: هل يغير مشروع “أوغاريت 2” واقع الاتصالات في سوريا؟
التطلعات المستقبلية للإنترنت في سوريا
– مشروع “سيلك لينك”
رغم التحديات الراهنة التي يواجهها قطاع الإنترنت في سوريا، تتجه الأنظار نحو إطلاق مشاريع طموحة، من أبرزها مشروع “سيلك لينك” الذي يهدف إلى تحويل سوريا إلى ممر استراتيجي للبيانات بين آسيا وأوروبا من خلال شبكة واسعة من الألياف الضوئية، كخطوة لاستعادة مكانة سوريا كمركز للتواصل.
ويُشار إلى أن هذا المشروع يسعى إلى توفير بنية تحتية رقمية بسعة تصل إلى 100 تيرابت في الثانية، مما سيؤدي إلى تحسين جذري في سرعة الإنترنت داخل البلاد.
– الإنترنت الفضائي
بينما يتم العمل على مشاريع كبيرة وواعدة تضمن تقديم خدمة إنترنت مستقرة وآمنة في البلاد، يُنظر إلى خدمة الإنترنت الفضائي كبديل مؤقت وسريع. ولكن على الرغم من الإيجابيات الكبيرة التي يُقدمها هذا الحل، فإنه يواجه تحديات عديدة متمثلة بالتكاليف الباهظة، والضوابط القانونية المشددة التي تفرضها الحكومة.
في الختام، على الرغم من أن هناك توجه لتنظيم استخدام الإنترنت الفضائي في حالات الطوارئ، إلا أن الأولوية تبقى للمشاريع طويلة الأجل مثل “سيلك لينك” التي تُعتبر الحل المستدام لتأمين اتصال مستقر وبأسعار معقولة، مما ينهي العزلة الرقمية للبلاد ويفتح آفاقاً جديدة للمواطنين.
اقرأ أيضاً: مشروع «برق نت»: هل ينجح في تحسين واقع الإنترنت في سوريا؟









