الإفصاح عن الأقارب حتى الدرجة الرابعة في وزارة المالية… ما الذي سيتغيّر؟

أحمد علي
أسبوعان حددهما وزير المالية السوري محمد يسر برنية لمديري الوزارة والجهات التابعة أو المرتبطة بها كي يفصحوا عن أي صلة قرابة تربطهم بموظفين يعملون لديهم حتى الدرجة الرابعة. التعميم الصادر في 3 آب 2026 يشمل مؤسسات تتعامل يومياً مع الضرائب والائتمان والتأمين والمعاشات، ويضع حالات القرابة القائمة أمام لجنة يفترض أن تقرر كيفية معالجتها تحت طائلة المساءلة. ماذا يمكن أن يغيّر هذا الإجراء بعد انتهاء المهلة؟
الإجابة تتوقف على ما سيجري بالتصاريح بعد وصولها. معرفة صلات القرابة تسمح بكشف مواقع يمكن أن يتأثر فيها التعيين أو الإشراف أو الترقية بعلاقة عائلية، لكنها لا تثبت أن محاباة وقعت، كما أنها لا تعالج الحالة من تلقاء نفسها. تكون للبيانات فائدة حين تُراجع، ويُنحّى صاحب الصلة عن القرار عند الحاجة، وتُنقل التبعية الإدارية أو تُلغى نتيجة ثبت أنها خالفت القواعد، ثم تُعلن حصيلة يمكن قياسها من دون انتهاك خصوصية الموظفين.
ماذا يغيّر الإفصاح عن الأقارب؟
يقدَّم التعميم بوصفه خطوة جديدة في عمل وزارة المالية، بينما يستند بحسب البيان الرسمي إلى القرار الحكومي رقم 5/م.و الصادر في 3 شباط 2022 لتنظيم إشغال الوظيفة العامة بين الأقارب. القرار يحظر، في الحالات التي حددها، إشغال الوظيفة لمن تربطه قرابة بالرئيس الإداري الأعلى للجهة، أو بالرئيس المباشر داخل الوحدة التنظيمية نفسها، أو بعامل آخر فيها. كما يمنع العامل من المشاركة في قرار يتعلق بتقييم قريب أو ترقيته، ويلزم طالب الوظيفة بتقديم تصريح عن القرابة.
يعني ذلك أن وزارة المالية بدأت تفعيل قاعدة عمرها أكثر من أربعة أعوام، ولم تستحدث مبدأ منع المحاباة في آب 2026. الجديد هو توجيه المديرين الحاليين إلى كشف الحالات خلال مدة محددة، وإحالة ما يظهر منها إلى لجنة المعالجة. ويغطي الإجراء الهيئة العامة للضرائب والرسوم ومديريات المالية في المحافظات، كما يمتد إلى الجهات المشرفة على التأمين والأسواق المالية والتمويل العقاري، وإلى مؤسسة التأمين والمعاشات والمصارف العامة الستة ومديريات الإدارة المركزية والمطبعة والجريدة الرسمية.
يظهر هنا فرق يحتاج إلى توضيح رسمي. النص المنشور لقرار 2022 يعرّف رابطة القرابة بالقرابة أو المصاهرة حتى الدرجة الثانية، بينما يطلب تعميم الوزارة الإفصاح عن الأقارب حتى الدرجة الرابعة. قد يكون طلب المعلومات الأوسع ذا غرض وقائي وتدقيقي، لكن الخبر الرسمي لم يوضح ما إذا كانت صلات الدرجة الثالثة والرابعة ستخضع للمعالجة المقررة في قرار 2022، أم ستبقى بيانات تساعد على اكتشاف تضارب محتمل في المصالح. وضوح هذا الحد يحمي الموظف من قرار غير متوقع، ويمنح اللجنة معياراً واحداً عند النظر في الحالات.
المستفيد المباشر هو المتقدم الذي ينافس على أساس الكفاءة، والموظف الذي يريد تقييماً لا يتأثر بعلاقة أسرية. وتستفيد الخزينة حين تنخفض مخاطر تضارب المصالح في جهات تتخذ قرارات مالية. الموظف الذي تربطه صلة قرابة بزميل لا ينبغي اعتباره مخالفاً لمجرد الصلة، لأن المساءلة ترتبط بالتأثير في القرار وبالحدود التي رسمها النص النافذ، كما أن اتساع دائرة البيانات إلى الدرجة الرابعة يقتضي جمع القدر الضروري منها وحمايتها من الاستخدام خارج غرض التعميم.
المعلن أيضاً لا يحدد شكل المساءلة عند إخفاء القرابة، ولا طريقة التحقق من صحة التصريح، ولا موعد صدور قرارات اللجنة. ولم يرد فيه ما يفيد بأن أسماء الأقارب ستُنشر، وهو أمر مفهوم بسبب حساسية البيانات الشخصية. يمكن تعويض غياب النشر الفردي بإعلان أرقام مجمعة بعد انتهاء العمل، تتضمن عدد التصاريح المستلمة والحالات المكتشفة وكيفية معالجتها وعدد الاعتراضات. من دون هذه الحصيلة سيصعب معرفة إن كان التعميم قد غيّر واقعاً وظيفياً أم أضاف وثيقة إلى ملف كل مدير.
ماذا حققت التجارب الأخرى؟
تستخدم إدارات عامة كثيرة قواعد القرابة، لكن أدواتها تختلف. القانون الاتحادي الأميركي المعمول به منذ 1967 لا يكتفي بطلب المعرفة بالعلاقة العائلية، إذ يمنع المسؤول العام من تعيين قريبه أو توظيفه أو ترقيته أو الدفع في اتجاه ذلك داخل الجهة التي يعمل فيها أو يملك سلطة عليها. ويحرم النص من عُيّن خلافاً لهذه القاعدة من الأجر العام، بينما تلزم قواعد الحياد الموظف بالتنحي عن ملف يتعلق بشخص تربطه به علاقة عائلية وثيقة عندما يثير اشتراكه شكاً معقولاً في نزاهة القرار.
إيطاليا تقدم مقارنة أقرب إلى نطاق الدرجة الرابعة. قانون إصلاح الجامعات رقم 240 لعام 2010 يمنع المشاركة في إجراءات التعيين الجامعي لمن تربطه قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة بأستاذ في القسم الذي يجري التعيين، أو برئيس الجامعة أو المدير العام أو عضو في مجلس إدارتها. دراسة نشرها الباحثان جاكوبو غريلي (Jacopo Grilli) وستيفانو أليسينا (Stefano Allesina) عام 2017، واعتمدت بيانات الأكاديميين الإيطاليين في أعوام 2000 و2005 و2010 و2015، رصدت تراجعاً في العلامات الإحصائية المرتبطة بالتوظيف العائلي بعد دخول الحظر حيز التطبيق.
أظهرت الدراسة أن عدد المجالات التي ظهرت فيها تلك العلامات انخفض من سبعة بين أربعة عشر مجالاً عام 2000 إلى خمسة عام 2010 ثم إلى مجالين عام 2015. النتيجة تدعم احتمال أن القاعدة ساعدت، لكنها لا تعطي دليلاً منفرداً على مقدار أثرها، فقد تزامنت الفترة نفسها مع تقاعد أعداد من الأساتذة وتراجع التعيينات وانخفاض إجمالي عدد أعضاء الهيئة التدريسية. هذه الحدود مهمة في الحالة السورية أيضاً، لأن انخفاض عدد الأقارب في وحدة ما قد ينتج من نقل الموظفين، بينما يستمر تأثير العلاقات على لجان التوظيف أو التعاقد من خارج الوحدة.
الصورة الأوسع أقل حسماً. وجد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الصادر عام 2026 أن الدول المشمولة بمؤشرات النزاهة حققت في المتوسط 85 بالمئة من معايير قوة قواعد تضارب المصالح خلال 2025، مقابل 42 بالمئة فقط من معايير التطبيق. ولم تتحقق مراجعة ما لا يقل عن 60 بالمئة من التصاريح إلا في 21 بالمئة من الدول، كما أصدرت الجهات المختصة توصيات لمعالجة الحالات المكتشفة خلال اثني عشر شهراً في 31 بالمئة منها. وتفيد هذه البيانات بأن وجود واجب للإفصاح يحتاج إلى قدرة فعلية على التدقيق واتخاذ القرار ومتابعة تنفيذه.
من الوزارة إلى بقية الإدارة
قرار عام 2022 موجه إلى الوظيفة العامة، ولهذا لا تحتاج كل وزارة إلى اختراع قاعدة مستقلة. المطلوب أن تعلن الجهات الأخرى كيف نفذت القرار، وأن تراجع الحالات القائمة كما فعلت وزارة المالية. الأولوية تكون للمؤسسات التي يملك موظفوها سلطة مباشرة على التعيين أو المشتريات أو التراخيص أو منح العقود، لأن صلة القرابة في هذه المواقع قد تؤثر في حق شخص بالعمل أو في إنفاق مال عام. الجامعات والشركات العامة والإدارات المحلية تدخل ضمن النقاش نفسه، مع مراعاة اختلاف حجم كل جهة وتوافر الاختصاصات فيها.
التوسع يحتاج إلى صياغة أدق من منع الأقارب من العمل في المكان نفسه بصورة مطلقة. القرابة لا تعني فساداً، وقد يؤدي الحظر الواسع إلى إبعاد موظف كفء لم يشارك قريبه في اختياره ولا يخضع لإشرافه، وتزداد هذه المشكلة في الوحدات الصغيرة أو المناطق التي يصعب فيها العثور على اختصاصيين. المعالجة الأنسب تفصل بين وجود قريب في المؤسسة وبين قدرة أحد الطرفين على التأثير في تعيين الآخر أو أجره أو تقييمه. عند وجود هذه القدرة يمكن تغيير خط الإشراف، أو تشكيل لجنة مستقلة، أو منع المشاركة في القرار، ويُستخدم النقل حين لا تكفي التدابير الأخف.
تحتاج التجربة السورية أيضاً إلى تصريح دوري، لا إلى حملة تنتهي بعد أسبوعين. تتغير العلاقات الوظيفية مع التعيين والترقية والنقل والزواج، ولذلك ينبغي تحديث البيانات عند كل تغيير جوهري، وربطها بسجلات الموارد البشرية ضمن ضوابط واضحة لحماية الخصوصية. وتزيد صدقية النظام عندما تراجع جهة رقابية مركزية عينة من التصاريح، وتستقبل الاعتراضات، وتنشر سنوياً نتائج مجمعة تبين المخالفات والإجراءات المتخذة.
يمكن قياس أثر تعميم وزارة المالية، لكنه لم يقدم بعد نتيجة يُحكم بها على تراجع المحاباة. يبدأ التقييم بعد انتهاء المهلة، حين تعلن الوزارة عدد الحالات التي ظهرت وما فعلته اللجنة بشأنها، وتشرح الأساس المستخدم لمعالجة قرابة الدرجة الثالثة والرابعة. وتطبيق القرار الحكومي في بقية الجهات ضروري لأن الخطر لا يقتصر على القطاع المالي، على أن يكون التنفيذ موحداً وقابلاً للمراجعة. ويتوقف الحكم على التعميم على التدقيق الفعلي في التصاريح وعلى القرارات التي تتخذها الإدارة بناءً عليها.
اقرأ أيضاً: من المنزل إلى السوق.. معارض المرأة الريفية تحاول تعزيز الإنتاج









