سياسة

الإعلام والسياسة في سوريا الجديدة: من يصنع الرأي العام فعلاً

بقلم: علي مصلح

الإعلام ليس مجرد مرآة تعكس الواقع، بل هو أداة فعالة تشكل هذا الواقع وتتحكم في مفاصله. يستعرض هذا المقال دور الإعلام كآلية سلطوية لإدارة الرأي العام، بدايةً من الإعلام التقليدي وصولاً إلى منصات التواصل الاجتماعي، مع تسليط الضوء على حالة الإعلام والسياسة في سوريا الجديدة التي تتأرجح بين قيود الماضي وطموحات المستقبل، وتحليل دور الجمهور في المشهد الإعلامي بين الماضي والحاضر.

الإعلام كأداة سلطة

لا يمكن فهم ديناميكيات القوة في العالم المعاصر دون تحليل الإعلام كأداة رئيسية في يد السلطة، وليس المقصود هنا أنها تقتصر على الحكومات فقط، بل تمتد لتشمل نفوذ الشركات الكبرى والمؤسسات المالية، كما يتجلى بوضوح في النموذج الأمريكي. حيث أنه على عكس الصورة البديهية للإعلام كمنبر حر ومستقل، في الحقيقة يتم استخدامه كآلية متطورة لإدارة الرأي العام وتوجيهه بما يخدم مصالح النخب.

من خلال السيطرة على السردية العامة، يصبح الإعلام قادراً على تحويل المواقف الشعبية بشكل جذري، ولعل أبرز مثال تاريخي على ذلك، هو ما أشار إليه المفكر نعوم تشومسكي، حين تحدث عن نجاح هيئة كريل للدعاية والتي تضم كبار الشخصيات الأمريكية في عهد الرئيس ويلسون في تحويل الرأي العام الأمريكي من موقف رافض للحرب ضد ألمانيا، إلى مؤيد بشكل كامل لدخول الحرب العالمية الأولى.

هذا وتعمل وسائل الإعلام على تحقيق الهيمنة من خلق صدمات إعلامية مدروسة، يتم من خلالها الترويج لأخبار كاذبة أو مضللة تجعل المتلقي في حالة استعداد لتصديق أي شيء يُعرض عليه. وبذلك، يسير الإعلام جنباً إلى جنب مع الأجندات السياسية والاقتصادية، فيقدم المبررات اللازمة لشن الحروب أو تغيير الأنظمة، كما حدث مع صدام حسين الذي حولته وسائل الإعلام في فترة وجيزة من حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية إلى ديكتاتور يجب التخلص منه.

وبهذه الطريقة، يتم قيادة “القطيع الضال”، بحسب وصف تشومسكي، حيث تتحول الشعوب إلى مجرد مشاهدين على العملية الديمقراطية، بعد أن قامت الحكومات بإيجاد الحلول لخطر ليس موجوداً أساساً وإنما تم التحضير له خلف الكواليس وقامت وسائل الإعلام بترسيخه في العقول. هكذا يصبح الشعب مستهلك للواقع الذي تصنعه له السلطة، دون أن يكونوا مشارك فاعل فيه.

قوة وسائل التواصل الاجتماعي

تُمثل وسائل التواصل الاجتماعي الساحة الجديدة للإعلام العالمي، لكنها حملت معها تحدياً أساسياً يتمثل في طبيعة القوة التي يمتلكها مستخدميها. فهل باتت وسائل التواصل الاجتماعي فعلاً مساحة واسعة من الحرية، أم تحولت إلى أداة هيمنة أكثر تعقيداً من وسائل الإعلام التقليدي؟

لقد كسرت هذه المنصات احتكار السلطات والمؤسسات الإعلامية التقليدية للمعلومة، وأفسحت المجال لولادة ما يعرف بـ صحافة المواطن. فقد أصبح الفرد العادي قادراً على نقل الخبر وصناعته، وممارسة دور رقابي على أداء الحكومات وكشف الفساد، متحرراً من كافة قواعد الإعلام المفروضة في الوسائل التقليدية التابعة للحكومة أو بعض رجال الأعمال. وقد تجلى هذا الدور بشكل واضح في أحداث الربيع العربي، حيث تحولت هذه الوسائل إلى أداة فعالة للحشد والتعبئة ودفع حركات التغيير.

ولكن، على الجانب الآخر، تحولت هذه الأدوات ذاتها إلى منصات بالغة الخطورة تستخدم بهدف التضليل الإعلامي المنظم، حيث تُستخدم لتوجيه الرأي العام عبر حسابات وهمية وأخبار زائفة، بما يخدم أجنداتها، والسلطات التابعة لها.

والأخطر من ذلك هو الهيمنة غير المباشرة التي تفرضها هذه الوسائل على حرية الرأي، فعلى الرغم من أنها تبدو مساحة مفتوحة للجميع، إلا أنها غالباً ما تخلق ما يشبه صوت القطيع، حيث أن أبرز ما تتميز به وسائل التواصل الاجتماعي هو القدرة على التأثير الكمي من خلال التكرار، حيث تقوم بتقديم رسائل إعلامية متشابهة ومتكررة حول قضية ما، بحيث يؤدي هذا العرض التراكمي إلى اقتناع أفراد المجتمع بها على المدى البعيد.

ونتيجة ذلك، يتعرض كل رأي مخالف للتيار السائد لحالة من التنمر اللفظي والنفي من وسائل التواصل الاجتماعي من خلال مجموعة من الخوارزميات لدى الشركات المالكة لهذه المنصات. وهذا الضغط يدفع الكثيرين إلى تجنب التعبير عن آرائهم الحقيقية طلباً للسلامة، مما يقلص مساحة النقاش الجاد ويترك الساحة لصوت واحد شعبوي، فتتحول الحرية المزعومة إلى وهم، ويصبح الفرد سجينًا في فلك القالب الفكري السائد.

ومن هنا نجد أن الاعتقاد السائد بأن وسائل التواصل الاجتماعي هي منابر تدعم حرية التعبير بشكل حيادي، ما هو إلا معتقد خاطئ، حيث أن هذه الوسائل ليست سوى وجه آخر لوسائل الإعلام التقليدية، ويتم التعامل معها من قبل الحكومات ورجال الأعمال والشركات بذات الطريقة التي كان يتم التعامل فيها مع وسائل الإعلام التقليدية.

المشهد في سوريا

قبل سقوط النظام البائد، كان الإعلام السوري أداة أيديولوجية خالصة، مُصممة لخدمة بقاء السلطة واستمراريتها. فقد احتكر النظام كافة المنابر الإعلامية، وحوّلها إلى آلة دعائية ضخمة تفتقر لأبسط المعايير المهنية، حيث اقتصر دور الصحفي على ترديد الرواية الرسمية وتلميع صورة الحاكم، وتحولت النقابات الصحفية إلى سيف مسلّط على رقاب كل من يحاول الخروج عن هذا المسار. وفي هذه البيئة القمعية، كان الخوض في ملفات حساسة كالفساد أو انتهاكات الأجهزة الأمنية ضرباً من المستحيل، مما خلق حالة انفصال تام بين الإعلام والواقع المعاش، وفقداناً كلياً لثقة الجمهور.

بعد السقوط، لم يدخل الإعلام السوري حقبة من الحرية المطلقة، بل انتقل إلى مشهد أكثر تعقيداً تسوده الفوضى وتتصارع فيه الإرادات. فمن جهة، انهار الإعلام الرسمي القديم وظهرت عشرات المنصات الجديدة، معظمها رقمي، تتناول قضايا المساءلة والشفافية التي كانت من المحرمات، وبدأ الصحفيون يتنفسون هواء الحرية لأول مرة.

ولكن من جهة أخرى، برز سقف جديد، وهو ليس سقفاً صلباً وواضحاً كما كان في السابق، بل سقف متحرك وغير معلن، يتحدد وفق توازنات القوى الناشئة والمناطق المحظورة. والدليل الأبرز على وجود هذا السقف هو استمرار الغموض الذي يلف الانتهاكات والمجازر التي وقعت في الساحل، والتي لم يتمكن الإعلام من تغطيتها بحرية، وسط اتهامات للسلطة الانتقالية بالتورط فيها.

ومع ذلك، فإن هذا السقف الجديد ليس منيعاً ويتم تجاوزه وتحديه باستمرار. فحرية الصحافة في سوريا الجديدة لا تُمنح كهدية، بل تُنتزع انتزاعاً، ويتجلى ذلك في قيام صحفيين بنشر تحقيقات استقصائية حول الفساد أو المحسوبية، ورغم تعرضهم لضغوط واستدعاءات من جهات أمنية إلا أنها أقل حدة مما كان يحدث سابقاً، فإن الدعم الشعبي والتفاعل الرقمي يجبران السلطات أحياناً على التراجع وفتح تحقيقات بالحادثة.

هكذا، يعيش الإعلام السوري اليوم في مرحلة انتقالية متناقضة، بين إرادة حقيقية للانفتاح، ومقاومة شرسة من بقايا الدولة العميقة، وغياب الإطار القانوني الذي يحمي الصحفيين، مما يجعل المشهد الإعلامي ساحة صراع مفتوحة تُختبر فيها يومياً حدود الحرية الممكنة.

الجمهور السوري بين الفاعل والمفعول به

يحتل الجمهور السوري اليوم موقعاً جدلياً ومعقداً، فهو ليس مجرد مفعول به يتلقى الأحداث بشكل سلبي، ولا فاعل مطلق يتحكم في مسارها، بل هو كيان يتأرجح بين الدورين في آن واحد. لعقود طويلة تحت حكم النظام البائد، تم قولبة الجمهور ليكون في موقع المتلقي حصراً، حيث صُمم الإعلام الرسمي كأداة توجيه فوقية تستخف بوعيه وتفرض عليه رواية واحدة، مما رسّخ لديه شعوراً عميقاً بانعدام الثقة والعزوف عن المشاركة.

لكن بعد تحرير سوريا، تحول جزء كبير من هذا الجمهور إلى فاعل بشكل غير مسبوق. فمن خلال ظهور ثقافة صحافة المواطن ومنصات التواصل الاجتماعي، لم يعد السوريون مجرد مستهلكين للأخبار، بل أصبحوا صانعين ومنتجين لها، يوثقون واقعهم، ويفضحون الانتهاكات، ويناقشون سرديات بديلة.

والأهم من ذلك، أن الجمهور هو من يمنح الشرعية أو ينزعها عن المنصات الجديدة، فمن خلال غياب الإعلام الرسمي وإقبال الجمهور على مصادر بديلة، بات يرسم خريطة الإعلام الجديدة ويفرض قواعدها. كما أثبت الجمهور قدرته على ممارسة الضغط، فحين يدعم قضية صحفي يكشف فساداً، فإنه يجبر السلطات على الاستجابة، ليتحول من مجرد رأي عام إلى قوة تأثير حقيقية.

وفي المقابل، لا يزال الجمهور في موقع المفعول به، حيث أن الفوضى العارمة وغياب إعلام وطني موثوق جعلاه عرضة للتضليل الإعلامي وحروب السرديات التي تشنها جهات متعددة، داخلية وخارجية، تسعى لتوجيهه بما يخدم أجنداتها. إذ إن الفراغ الذي تركه الإعلام الرسمي ملأته خطابات شعبوية وإقصائية وطائفية، تجد في حالة انعدام اليقين تربة خصبة للتأثير على وعي الناس وتوجيه سلوكهم.

وهكذا، فإن الجمهور السوري فاعل لأنه يشارك ويقاوم ويصنع مساحات جديدة للحرية، ولكنه في الوقت ذاته مفعول به لأن هذا الفعل يتم في خضم فوضى تجعله هدفاً سهلاً للتلاعب.

اقرأ أيضاً: وزارة الإعلام تطلق شروط ترخيص موقع إلكتروني

خلاصة القول: نحو إعلام مهني ومستقل

إنّ السعي نحو إعلام سوري مهني ومستقل لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحّة تفرضها المرحلة الراهنة بكل تعقيداتها. فالإعلام الذي يكتفي بكونه ناطقٌ باسم السلطة أو منصة للتحريض، هو إعلام مضلِّل يساهم في تزكية الانقسامات وتكريس الجهل. ومن هنا نجد أن خارطة الطريق لإعادة بناء الثقة بين الإعلام والجمهور، يجب أن ترتكز على تأسيس هيئة إعلامية مستقلة، وإعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية، وتأهيل الكوادر، وسن قوانين صارمة لمكافحة التضليل.

وهذه الخطوات ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل هي أسس لبناء بيئة إعلامية حرة، قادرة على التعبير عن تطلعات المجتمع السوري بكل مكوناته، وتوفير مساحة آمنة للصحفيين المستقلين ليقدموا رسالتهم المهنية بعيداً عن الإقصاء والتهميش. ففي نهاية المطاف، لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون إعلام مسؤول يخدم الحقيقة، ويحتضن التنوع، ويُسهم في صناعة الوعي بدلاً من تزييفه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى