الإخوان السوريون وبيان البقاء: هل تكفي الوسطية المعلنة؟

بقلم: ضياء الدين صلاح – الإخوان السوريون وبيان البقاء: هل تكفي الوسطية المعلنة؟
في السياسة السورية، لا يخرج بيان طويل هذه الأيام من دون أن يحمل أكثر من رسالة. أحياناً يكون موجهاً إلى السلطة، وأحياناً إلى الجمهور، وغالباً إلى أبناء التنظيم نفسه.
بيان مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سورية، الصادر في 27 أيلول، ينتمي إلى هذا النوع من البيانات. فهو يشيد بالتحركات الدبلوماسية للحكومة، ويرحّب بانطلاق أعمال مجلس الشعب، ويدعو إلى دستور دائم واستفتاء شعبي وتعددية سياسية وعدالة انتقالية. وفي الوقت نفسه، يثبت للجماعة موقعاً مستقلاً، ويعرضها بوصفها قوة وطنية «وسطية» تتمسك بوحدة سورية والمواطنة والسلم الأهلي.
أما الحدث الأبرز الذي رافق البيان، فهو ما قيل عن قرار الجماعة عدم حل نفسها. فالتغطيات المنشورة تحدثت عن تمسّكها باستمرار وجودها التنظيمي، في وقت لم يرد فيه في نص البيان الرسمي بند صريح يعلن رفض الحل. ووفق رواية نقلها «تلفزيون سوريا»، فإن الحديث عن حل الجماعة لم يصدر في صورة طلب رسمي من السلطة، بل طُرح عبر مستشار للرئيس، بينما لم ترد الجماعة بتفاصيل علنية عن طبيعة المشاورات التي جرت.
وهنا تبدأ المسألة الفعلية.
برنامج الأخطاء
من حق الإخوان، مثل غيرهم من السوريين، أن يعملوا في السياسة، وأن ينظموا أنفسهم، وأن يعرضوا أفكارهم على الناس. لا يصح أن تكون المشاركة السياسية امتيازاً لجماعة دون أخرى، ولا يصح أن تتحول مرحلة انتقالية مضطربة إلى مناسبة لإقصاء تيار كامل بقرار إداري أو أمني.
لكن الاعتراف بهذا الحق لا يعفي الجماعة من سؤال آخر: ماذا تريد أن تفعل بهذا الحق؟
الحكومة الحالية تمنح خصومها مادة أكثر من وفيرة للنقد: ارتفاع أسعار الوقود أطلق أوسع احتجاجات شهدتها البلاد منذ سقوط بشار الأسد، في وقت يعيش فيه السوريون أزمة معيشية قاسية. وفي الشمال الشرقي، ما تزال ترتيبات دمج المؤسسات والقوات الكردية بالدولة تثير توترات اجتماعية وسياسية واضحة. انفلات السلاح ووجود عناصر مثيرة للفتن والشغب لا يزال يهدد السلم الأهلي، وبشكل جدي في الكثير من الأحيان.
لكن لا مشكلة في أن تنتقد الجماعة أخطاء الحكومة. تظهر المشكلة عندما يتحول نقد أخطاء السلطة إلى برنامج سياسي كامل، أو عندما يجري العمل بشكل ضمني على تقديم الجماعة كأنها الطرف الوحيد الذي لم يخطئ في تاريخ سورية الطويل.
لا تحتاج جماعة الإخوان إلى أن تتصرف كأنها لم تخطئ يوماً كي تنتقد الحكومة. تحتاج فقط إلى قدر من الصراحة يجعل خطابها قابلاً للتصديق. فصيد أخطاء السلطة سهل، خصوصاً عندما تكون الأخطاء كثيرة ومكلفة. أما إقناع السوريين بأن الجماعة تملك وصفة مختلفة، فهذا يحتاج إلى ما هو أكثر من تكرار كلمات مثل «الوسطية» و«الوحدة» و«العيش المشترك».
الأفكار والنظرية
لا يقدم البيان الأخير جديداً كبيراً على مستوى الأفكار العامة. وهذا لا يعني أن ما ورد فيه بلا قيمة، لكنه يعني أن معظم عناوينه سبق أن ظهرت في وثائق سابقة للجماعة.
في «المشروع السياسي لسورية المستقبل» الصادر عام 2004، تحدث الإخوان عن دولة حديثة ذات مرجعية عربية إسلامية، تقوم في الوقت نفسه على المواطنة والتعددية والتداول والمؤسسات والقانون. كما أعلنت الجماعة آنذاك أنها لا تدعي احتكار الإسلام، ولا تعتبر نفسها وصية على الناس، وأنها تقدم مشروعاً قابلاً للنقاش.
وفي وثيقة «العيش المشترك في سورية» عام 2025، ظهرت عناوين قريبة من تلك الواردة في البيان الجديد: دولة ديمقراطية، حرية الاعتقاد، المساواة، فصل السلطات، منع تدخل الجيش في السياسة، حصر السلاح بيد الدولة، التنمية المتوازنة، وتمكين المرأة والشباب.
وفي الجانب الاقتصادي، لا يبدو أن الإخوان المسلمين يقدّمون، في ما ظهر من وثائقهم، مساراً يختلف كثيراً عن النهج الذي تتبعه الحكومة اليوم. فالعناوين متقاربة: إعادة الإعمار، جذب الدعم والاستثمار، تحسين الظروف المعيشية، التنمية، العدالة الاجتماعية، وتوفير فرص العمل. وقد تكون الخلافات أكبر في شكل الدولة وطريقة إدارة السياسة، لكنها لا تظهر حتى الآن كخلافات اقتصادية عميقة يمكن أن تمنح السوريين بديلاً واضحاً. وهذا يصعّب على الناس أن ينظروا إلى الأمر بوصفه انتقالاً من وصفة إلى أخرى؛ إذ قد لا يرون أكثر من جهة سياسية جديدة تستخدم المفردات الاقتصادية نفسها، وتعد بالنتائج نفسها، من دون شرحٍ كافٍ للوسائل التي ستقود إليها.
لا تكفي الإحالة إلى النيات الحسنة. السوريون اختبروا طوال عقود عبارات كبيرة عن العدالة والحرية والوحدة، ثم رأوا كيف يمكن للعبارات نفسها أن تتحول إلى أدوات للسيطرة.
أما المفاوضات التي قيل إنها جرت بين الجماعة والحكومة، فهي تحتاج إلى توضيح من الطرفين إن هي حقاً حصلت. لماذا بدأت؟ ما الذي طلبته السلطة تحديداً؟ هل كان حل الجماعة شرطاً للمشاركة السياسية، أم أن الأمر كان مجرد نقاش حول شكل العمل الحزبي؟ وماذا عرض الإخوان في المقابل؟ هل طالبوا بالاعتراف بهم كجماعة قائمة، أم اقترحوا التحول إلى حزب سياسي، أم أرادوا الاحتفاظ بالإطار الدعوي والتنظيمي مع دخول الحياة العامة عبر واجهة جديدة؟
أزمة الحكومة
ربما قرأ الإخوان توقيتهم جيداً، وهذا ما ستثبته أو تنكره الأيام. فالحكومة تمر بمرحلة دقيقة، تواجه فيها ضغطاً اقتصادياً، وتحديات أمنية، وأسئلة حول شكل الدولة، وحدود المشاركة السياسية، وطريقة إدارة التعدد السوري. وفي الوقت نفسه، تحاول تثبيت إنجازات خارجية، من رفع العقوبات إلى استعادة العلاقات الإقليمية والدولية، وتحتاج إلى شرعية داخلية أوسع. وقد أشار بيان الجماعة نفسه إلى هذه التحديات، مع إشادته بالخطوات الدبلوماسية الحكومية.
لكن استشعار أزمة التي تمر بها الحكومة، لا يعني امتلاك حل لها، بل ربما يجد الإخوان أنفسهم يراهنون على غرقهم.
قد تكون الجماعة محقة في تقدير أن السلطة تحتاج إلى قوى سياسية منظمة، وأن إدارة البلاد لا يمكن أن تبقى قائمة على شرعية اللحظة الأولى وحدها. وقد تكون مخطئة إذا اعتقدت أن كل خطأ ترتكبه الحكومة يتحول تلقائياً إلى رصيد شعبي للإخوان.
في وثيقتها القديمة، تحدثت الجماعة عن الازدهار الاقتصادي، وعدالة توزيع الثروة، والتعليم والسكن والصحة والعمل والضمان الاجتماعي. وهي عناوين مشروعة، بل ضرورية. لكن أين الخطة؟ ما شكل الاقتصاد الذي تقترحه؟ كيف ستدار إعادة الإعمار؟ ماذا عن الضرائب والملكية والاستثمار؟ كيف ستخلق فرص العمل؟ ما الذي ستفعله في التعليم والصحة غير الدعوة إلى تحسينهما؟ وكيف ستضمن ألا تتحول مؤسسات الدولة والمجتمع المدني إلى امتدادات تنظيمية لأي حزب، إخوانياً كان أو غير إخواني؟
هذه ليست أسئلة عدائية. إنها الحد الأدنى الذي يفترض أن يواجهه أي تيار يطلب ثقة الناس.
حتى الآن، يبدو أن الجماعة حدّثت لغتها السياسية أكثر مما حدّثت برنامجها العملي. وربما يصدق من قال بأن جماعة الإخوان اليوم هي مجموعة صغيرة تبحث عن موقع أكبر ممّا يسمح به حجمها الفعلي في الواقع.
ربّما السؤال الذي يجب أن يتحلى الشخص بالشجاعة ليطرحه، ولو كان ذلك فجّاً: هل تمتلك الجماعة شيئاً جديداً تقدمه، أم أنها تنتظر فقط أن تتراكم أخطاء السلطة حتى يصبح خصمها أقل شعبية، لتظهر بمظهر اللاعب المعتدل القادر على تمثيل المسلمين الوسطيين المنهكين؟
—————————————————————————
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.








