أعمال واستثمار

مثيرة للجدل.. الإجراءات العقارية الجديدة في سوريا إصلاحات حقيقية أم تغييرات شكلية؟

يواجه سوق العقارات في سوريا حلقة مفرغة من التعقيدات حتى بعد الإعلان عن الإجراءات العقارية الجديدة، ففي ظلّ تداخل العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لا يبدو أن هناك أي أفق لحل جذري يوقف نزيف هذا القطاع.

فبعد أن كان النظام البائد يضع قيوداً وضرائب خانقة على حركة البيع والشراء ترهق كاهل المواطنين، جاءت اليوم حلول مؤقتة إيجابية في ظاهرها، إلا أنها تثير مجموعة من التساؤلات حول طبيعة الإجراءات العقارية في سوريا وفعاليتها؟ هذا ما يحاول مقالنا البحث فيه.

التعديلات الحكومية على المعاملات العقارية: حلول حقيقية أم مسكّنات مؤقتة؟

أعلنت الحكومة السورية الجديدة، خلال الفترة الماضية، عن مجموعة من التعديلات على الإجراءات العقارية المتعلقة بشكل أساسي بنقل الملكية، في محاولة منها لإعادة الحياة لسوق العقارات المنهك. وبحسب تصريحات مسؤولين، جاءت هذه التعديلات بهدف تبسيط المعاملات العقارية وتخفيف الأعباء على المواطنين.

ويُشار إلى أن أبرز ما شملته هذه التعديلات هو شرط الإيداع البنكي لجزء من ثمن العقار، حيث بات اختياراً بعدما كان إلزامياً، بالإضافة إلى منح البائع حق التصرف بالمبلغ الذي يودعه في المصرف وسحبه متى يشاء. هذا وقد جرى تخفيض القيمة الرائجة للعقارات السكنية بنسبة 30%، وهو ما يُفترض أن يؤدي إلى انخفاض الضريبة المترتبة على عملية البيع لهذه العقارات.

ومن أبرز ما تمّ الإعلان عنه أيضاً هذه التعديلات هو إلغاء شرط “الموافقة الأمنية”، الذي كان يؤخر إتمام المعاملات العقارية لأسابيع طويلة، واستبداله بوثيقة “لا مانع من إتمام عملية البيع”، التي يُفترض بأنّها تُمنح مباشرة عند إصدار براءة الذمة المالية من قبل مديرية المالية.

ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من أن هذه الإجراءات تبدو إيجابية إلا أنها تحمل معها مجموعة من التساؤلات حول مدى فعاليتها وقدرتها على تحقيق التسهيلات المرجوة، فكيف يمكن لاستبدال وثيقة قديمة بأخرى جديدة مع تغيير الاسم فقط والحفاظ على الآلية أن يسهل الإجراءات ويخفف العبء عن المواطنين؟

الإجراءات العقارية الجديدة: تغيرت المسميات والمضمون واحد

في محاولة لتقديم صورة إيجابية عن الإجراءات الجديدة المعتمدة في المعاملات العقارية، تم الإعلان عن إلغاء وثيقة “الموافقة الأمنية” واستبدالها بوثيقة “لا مانع من إتمام عملية البيع”، إلا أن هذا التغيير لا يعدو كونه تغييراً في المسمى مع بقاء الجوهر ثابت.

حيث أنه بحسب تصريح إعلامي للحقوقي السوري، عارف الشعال، فإن هذه وثيقة “لا مانع من إتمام عملية البيع” الجديدة ما هي سوى إعادة إنتاج لوثيقة “الموافقة الأمنية”، وذلك كونها تحمل معها ذات القيود السابقة. مشيراً إلى أن هذا الإجراء، لا يستند إلى أي أصل قانوني أو دستوري، وذلك كونه يمنح الدوائر المالية – أو الدوائر التي تعطيها الموافقة – صلاحيات واسعة لتقييد حق الملكية، ليتحول من كونه أداة تنظيمية إلى وسيلة للضغط والاستغلال.

ومن الجدير بالذكر، أن الأمر لم يقتصر على استبدال وثيقة بأخرى فقط، بل أن الإجراءات الجديدة فرضت الحصول على وثائق أخرى لم تكن مطلوبة سابقاً، الأمر الذي زاد من روتين المعاملات العقارية بدلاً من تخفيفها. فبحسب ما صرح به مدير التشريع والتسجيل في المديرية العامة لنقل الملكية، طاهر شحادة، فإن إتمام عملية البيع العقاري بالإضافة إلى وثيقة “لا مانع” تحتاج الحصول أيضاً على شرح من سجل الممنوعين من التصرف، ومنظومة الحجوزات، بما يضمن أن البائع غير مطلوب للعدالة أو ممنوع من التصرف بأملاكه.

كيف بررت الحكومة الإجراءات العقارية الجديدة؟

نتيجة الاحتجاجات الكبيرة على إصرار الحكومة على شرط الحصول على وثيقة “لا مانع من إتمام المعاملة العقارية”، قام وزير المالية السوري، يسر برنية، بتوضيح الأسباب الكامنة وراء هذا الإجراء من خلال تصريحات نقلها عنه المحامي السوري، عارف الشعال.

حيث كشف برنية خلال تصريحاته، أن الهدف من وثيقة “لا مانع من إتمام البيع” هو منع المتورطين بجرائم النظام البائد من التصرف بأملاكهم، مؤكداً أن وزارة الداخلية أعدت قوائم سرية بأسماء هؤلاء الأشخاص وأقاربهم من الدرجة الأولى، وهم ممنوعون حالياً من التصرف بأملاكهم حتى يتم البت في أوضاعهم.

هذا وقد أوضح الوزير أن موظفي الدوائر المالية ليس لديهم صلاحية للاطلاع على هذه القوائم، بل يتم تمرير أسماء أطراف المعاملة عبر تقنية إلكترونية خاصة إلى وزارة الداخلية، التي بدورها توافق أو ترفض المعاملة.

ولكن من الجدير بالذكر، أن هذه الآلية ذاتها كانت معتمدة في عهد النظام البائد وكانت أيضاً المبررات هي ذاتها، وبالتالي الاختلاف فقط هو اسم الوثيقة الصادرة. ويُشار إلى أن الأشخاص الذين تستهدفهم هذه الخطوة، يمكنهم اللجوء لإتمام معاملاتهم العقارية من خلال وسطاء، أو أشخاص يعلمون أنهم ليس لديهم مشكلة من هذه الناحية، وبذلك تصبح هذه الوثيقة عبارة عن روتين يُثقل كاهل المواطنين دون أن يتمكن من تحقيق الغاية المنشودة منه.

روتين الإيجارات في سوريا.. بيروقراطية بدون فوائد

باتت قضية استئجار منزل في سوريا رحلة مضنية ومليئة بالتعقيدات البيروقراطية التي لا طائل منها، فبدلاً من أن تكون عملية بسيطة تقتصر على إجراء عقد بين المؤجر والمستأجر وتسجيله في البلدية، يجد المستأجر نفسه أمام سلسلة طويلة من الإجراءات التي تفرضها الجهات الحكومية.

حيث تبدأ هذه الإجراءات الروتينية القاتلة في الحصول على بيان تخمين من المالية، ثم توثيق عقد في البلدية، بعد ذلك الحصول على معرّف من المختار الذي لا يضيف أي قيمة حقيقية للعملية، وصولاً إلى أكثر الخطوات إثارة للجدل، وهي مراجعة الأجهزة الأمنية للحصول على موافقة أو ما يُسمى “لا مانع”، والتي تبرر بأن الهدف منها هو منع الأشخاص المتورطين في جرائم النظام البائد من ممارسة نشاطاتهم، الأمر الذي يمكن التغلب عليه ببساطة من خلال استئجار منزل باسم أشخاص آخرين.

وبعد هذه الرحلة الطويلة يجد المستأجر نفسه أمام باب البلدية مرة أخرى لدفع الضريبة، وهو ما يؤكد أن هذه الإجراءات ليست سوى روتين عقيم، كان من الممكن منذ البداية اختصاره من خلال عقد موثق بالبلدية واستيفاء الرسوم المترتبة عليه. وبدلاً من وضع كل هذه العراقيل أمام المواطنين كان من الأجدر العمل على وضع قوانين أو على الأقل إجراءات توفر الحماية لكل من المؤجر والمستأجر.

اقرأ أيضاً: وزارة المالية السورية تعيد منح براءات الذمة المالية لأغراض نقل الملكيات العقارية

في الختام، على الرغم من التعديلات الحكومية التي تبدو إيجابية، يظل سوق العقارات في سوريا أسيراً للبيروقراطية المفرغة والقيود غير المجدية. حيث أن هذه التعديلات الجديدة على إجراءات المعاملات العقارية، لم تغير في جوهرها شيء، على العكس تفاقم الروتين في بعض المعاملات، مما يُشير إلى المشكلة ليست في الإجراءات المتبعة بحد ذاتها، إنما في طريقة استخدامها لتقييد حرية المواطنين، ما يجعل أي إصلاحات حقيقية مجرد أمل بعيد المنال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى