عن «الأيديولوجيا» ودورها في الحكم: وشاح وملابس جديدة.. وجيب واحد!
بين الأمس واليوم.. من «الحاكم الفعلي» في سوريا؟!

الكاتب: أحمد علي
تصدح اليوم شعارات جديدة في شوارع دمشق، وترفرف أعلام متعددة على السيارات، في مشهد يوحي بانتقال سياسي واضح وبداية مرحلة مختلفة. بعد زوال الحكم السابق، ساد اعتقاد واسع بأن سوريا تدخل فصلاً جديداً تُعاد فيه صياغة أولويات الحكم، وتُطوى عقود من القمع والاستئثار، ويُفتح المجال أمام إدارة مختلفة للدولة والمجتمع.
غير أن تفاصيل الحياة اليومية لا تعكس بالضرورة هذا التحول المعلن. فبين الخطاب السياسي المتغير وممارسات السلطة على الأرض، تظهر فجوة يصعب تجاهلها. الخدمات، فرص العمل، الوصول إلى الموارد الأساسية، ومسارات النفوذ الاقتصادي، جميعها ما زالت تخضع لمنطق غير معلن، لكنه شديد الفاعلية في تحديد من يستفيد ومن يُقصى.
في هذا السياق، يطرح هذا التقرير سؤالاً مركزياً: ما الذي يحكم فعلياً مصائر الناس في سوريا اليوم؟ هل هي الأيديولوجيات المعلنة والخطابات الصاخبة، أم أن هناك عاملاً أعمق وأكثر استقراراً يتجاوز تبدل الشعارات وقد يستمر في إنتاج الواقع ذاته إذا ما تُرك على هذه الحال؟
ينطلق هذا التحقيق من فرضية أن فهم ما جرى ويجري في سوريا لا يكتمل من خلال تتبع الصراعات الأيديولوجية وحدها، بل عبر تفكيك أنماط السيطرة على الموارد، وآليات توزيع الثروة، وشبكات النفوذ الاقتصادي التي تشكّل البنية الفعلية للسلطة، مهما تغيّرت واجهاتها السياسية.
قبل الخوض في المزيد من التفاصيل، ولتبسيط المصطلح، فالأيديولوجيا هنا تعني مجموعة الأفكار والشعارات والقيم التي تُقدَّم للناس لتفسير الواقع وتحديد “من نحن” و“مَن هو الخصم”، مثل القومية أو الدين أو الثورة أو الديمقراطية. ولا نستخدمها في هذا النص بوصفها شتيمة ولا كتحليل فلسفي، بل لأنها تظهر اليوم بقوة في المجال العام: شعارات جديدة، روايات جديدة، ووعود ببداية مختلفة. والأهم أن كثيرين باتوا يحدّدون موقفهم من السلطة – تأييداً أو رفضاً – انطلاقاً من “الوشاح” الأيديولوجي الذي ترتديه (إسلامي – غير إسلامي – علماني – اشتراكي – ديمقراطي – يساري.. إلخ). أي بمعنى آخر، من اللغة التي تتكلم بها والراية التي ترفعها، لا من أفعالها الفعلية ونتائج سياساتها على حياة الناس.
من هنا يأتي السؤال المركزي: هل تغيّر الواقع فعلاً بتغيّر اللغة والرايات، أم أن الأيديولوجيا قد تكون مجرد غطاء يرافق صراعاً أعمق؟
سلطة نمط التوزيع الخفية
على مدى عقود، لم تكن الأيديولوجيا في سوريا سوى إحدى أدوات الشرعنة السياسية، أكثر مما كانت محرّكاً فعلياً للسلطة. فخلف الخطابات المتبدّلة، كانت القرارات الجوهرية تُحسم في دوائر ضيقة تتحكم بالاقتصاد وبقنوات الوصول إلى الموارد. يشير باحثون في الاقتصاد السياسي السوري إلى أن الصراعات الأيديولوجية غالباً ما أدّت وظيفة التغطية الرمزية، بينما دار الصراع الحقيقي حول من يملك أدوات التوزيع ومن يسيطر على مفاصل الإنتاج والتدفق المالي.
بهذا المعنى، لا تُفهم السلطة بوصفها خطاباً أو هوية سياسية، بل كبنية مادية تقوم على التحكم في الموارد وتوجيهها. من يملك القدرة على المنح والمنع، على الإتاحة والحجب، هو الذي يصوغ الواقع الاجتماعي فعلياً، بغضّ النظر عن اللغة التي يستخدمها لتبرير موقعه. السياسة هنا لا تعمل كصراع أفكار بقدر ما تعمل كنظام إدارة مصالح.
وتنسجم هذه المقاربة مع ما يسميه منظّرو الاقتصاد السياسي «القراءة المادية للسلطة»، حيث تُفهم السياسة باعتبارها تنظيماً للعلاقات حول الثروة والنفوذ، لا مجرد تنافس بين مشاريع فكرية وعقائدية. فالمعركة لا تدور فقط حول من يحكم، بل حول أسلوب إدارة الاقتصاد، ولصالح من تُوزَّع موارده، ومن يُستبعد من دوائره.
الأيديولوجيا وصناعة الهوية
رغم محدودية الدور البنيوي للأيديولوجيا في تحديد أنماط الحكم والتوزيع، فإنها لعبت دوراً محورياً في تشكيل وعي الفاعلين ومنح الصراع معنىً وهوية. فالأيديولوجيا لا تُنتج السلطة بقدر ما تُضفي عليها سردية تبريرية، وتحوّل التنافس على الموارد والنفوذ إلى معركة قيم ومبادئ في وعي المشاركين فيها.
في هذا السياق، لا تُفهم الأيديولوجيا بوصفها منظومة فكرية تقود الصراع أو تحدد مآلاته، بل كإطار تفسيري يُستخدم لإضفاء المعنى والشرعية على ممارسات تُحسم مادياً في مستوى آخر. فهي تعمل كلغة سياسية وأخلاقية تُعاد من خلالها صياغة التنافس على السلطة والموارد في صورة معركة قيم وهوية، ما يمنح الفاعلين إحساساً بالغاية والانتماء ويُخفف من تعقيد الواقع.
تؤدي الأيديولوجيا هنا وظيفة مزدوجة: فهي من جهة أداة تعبئة تُنتج ثنائيات حادة من نوع «نحن/هم»، وتحشد الأفراد حول سردية جامعة، ومن جهة أخرى أداة تبرير تُحوّل احتكار الموارد أو القمع أو الإقصاء إلى أفعال مشروعة في وعي الأتباع، تحت مسميات وطنية أو دينية أو ثورية. بهذا المعنى، لا تصنع الأيديولوجيا بنية السلطة، لكنها تُسهم في تثبيتها واستدامتها عبر إعادة تأطير نتائجها بوصفها اختيارات أخلاقية أو تاريخية لا مصالح مادية.
وبينما تتبدّل الأيديولوجيات تبعاً للسياق والتحالفات، يبقى نمط السيطرة على الموارد أكثر ثباتاً، ما يفسّر كيف يمكن لخطابات متناقضة ظاهرياً أن تُنتج ممارسات متشابهة على الأرض. فالأيديولوجيا تُختار وتُكيَّف بما يخدم البنية القائمة، لا العكس، وتعمل كغلاف رمزي لواقع تُحدده شبكات النفوذ الاقتصادي وآليات التوزيع الفعلية.
خلال سنوات الحرب السورية، استخدمت مختلف الأطراف الخطاب الأيديولوجي – القومي، الديني، أو الديمقراطي – لإعادة تأطير الصراع بوصفه قضية وجودية. هذا التأطير منح الأفراد شعوراً بالانتماء والغاية، ورسّخ ثنائيات حادّة من نوع «نحن/هم»، حيث غدا الخصم تجسيداً للشر المطلق، لا منافساً سياسياً أو اقتصادياً. في هذا السياق، لم تعد المعركة تُخاض حول من يملك السلطة أو كيف تُدار، بل حول من يمثل «الحق» ومن يُجسّد «الانحراف».
بهذا المعنى، أدّت الأيديولوجيا وظيفة نفسية وسياسية بالغة الأهمية بالنسبة للمتلقين العاديين: فهي بسّطت واقعاً شديد التعقيد، وقدّمت تفسيراً أخلاقياً جاهزاً لمعاناة الأفراد وخساراتهم، وشرعنت العنف والتضحية باسم قضية كبرى تتجاوز المصالح المباشرة. فالمقاتل لم يرَ نفسه طرفاً في صراع نفوذ، بل فاعلاً في ملحمة تحرر أو جهاد أو دفاع عن الوطن.
غير أن هذا الدور التعبوي، على قوته، لم يكن كافياً لتفسير مسار الأحداث ولا لتبرير تشابه الممارسات بين قوى متعارضة خطابياً. فبينما اختلفت الرايات والشعارات، ظلّت أنماط السيطرة، وأساليب إدارة المناطق، ومنطق احتكار الموارد متقاربة إلى حد لافت. وهنا تظهر حدود الأيديولوجيا: فهي تصنع الهوية وتحرّك المشاعر، لكنها لا تفسّر وحدها كيف تُمارَس السلطة فعلياً ولا لماذا تتكرر البُنى نفسها تحت خطابات متناقضة.
اقرأ أيضاً: الطائفية في الحرب السورية: سبب أشعل الصراع أم نتيجة لمأساته؟
عندما تتشابه الممارسات
على أرض الواقع، تلاشت الفوارق الأيديولوجية أمام صراع النفوذ الخام. فبينما رفع طرف راية القومية وآخر الإسلام وثالث الديمقراطية، مارست جميعها أنماطاً متقاربة للحكم والسيطرة. في مختلف مناطق سوريا، تكررت المشاهد نفسها تقريباً: احتكار للموارد الأساسية، قمع لأي صوت معارض، وبناء شبكات زبائنية لتوزيع المنافع على الموالين. لم يمض وقت طويل حتى بات واضحاً أن ما يجمع أمراء الحرب وقادة الأجهزة الأمنية – على اختلاف خطابهم – أكثر مما يفرقهم. فقد سُجّلت مثلاً حالات باع فيها ضباط في جيش النظام السابق ذخائر وسلاح للذين يفترض أنهم خصومهم “الإرهابيون” إذا كان في ذلك مكسب مادي. وانشقت فصائل معارضة وتحاربت ليس بخلاف عقائدي، بل تبعاً لتضارب مصالح مموليها الخارجيين؛ حتى أن الائتلاف السياسي المعارض نفسه انقسم أجنحة بين داعميه من قطر والسعودية، وحُسمت خلافات قيادته بمقادير “المال السياسي” لا بأثقلية برامج أو رؤى.
على المستوى العسكري والمدني، برز نمط عام: من يملك التمويل هو الذي يمسك بزمام القيادة، بغض النظر عن شعاراته. يصف أحد المعارضين هذا الواقع بقوله إنّه صار من السهل “أن تصنع من أي شخص قائداً عسكرياً أو زعيماً سياسياً عبر مده بالمال فقط”. وهكذا رأينا كيف انقاد الكثيرون إلى أصحاب الثروات وممولي الفصائل، وكيف تحولت الولاءات بين ليلة وضحاها حين تبدّل مصدر الدعم.
في المحصلة، لم تستطع الأيديولوجيا وحدها تفسير كيف تبنّت سلطات متحاربة أساليب متطابقة؛ التفسير يكمن في شبكة المصالح المادية. فقد أفرز نمط التوزيع المختل نفسه طبقة متنفذة في كل معسكر، حرصت هذه الطبقة على حماية مصالحها بغض النظر عن الراية المرفوعة. وعندما تتشابه دوافع المستفيدين، فلا عجب أن تتشابه الممارسات وإن تنافرت الشعارات.
طبقة المنتفعين تحمي نفسها
سواء في ظل النظام السابق أو في مناطق نفوذ قوى المعارضة سابقاً، أو حتى الآن، نشأت على الدوام طبقة من المنتفعين تستفيد من نمط التوزيع القائم وتدافع عنه. هذه الطبقة ليست بالضرورة متجانسة أيديولوجياً؛ فقد تضمّ رجال أعمال مدنيين أو قادة ميليشيات أو مسؤولين محليين، لكنها تشترك في تمتعها بامتيازات خاصة ورغبتها في الإبقاء عليها.
في كل منطقة سيطرة، من يمتلك المورد الأساسي – معبر حدودي، حقل نفط، عقد استيراد، أو حتى منظمة إغاثة – يجتذب حوله دائرة من المستفيدين. ولاء هؤلاء الحقيقي ليس لشعارات “الثورة” أو “الممانعة” أو “الإسلام” أو غيرها، بل لاستمرار تدفق الموارد عبر قنواتهم الخاصة. وما يضمن بقاء نفوذ تلك الشبكات ليس بالضرورة القمع السياسي المباشر، بل وجود بنية اقتصادية مغلقة تحمي امتيازاتها وتمنع المنافسة.
في ظل هيكل كهذا، تصبح أي محاولة لفتح الأسواق أو فرض الشفافية بمثابة تهديد لبنية الحكم ذاتها، فتدافع الطبقة المنتفعة عن الوضع القائم بشراسة لأنه مصدر قوتها.
من المفارقات أن هذه الطبقة المستفيدة كثيراً ما تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية وتجد أرضية مشتركة مع نظرائها عبر خطوط الصراع. فالولاء السياسي عندها يتحول إلى عملة بحد ذاته – “رأس المال الحقيقي” كما وُصف – ويوظَّف لكسب الحظوة والوصول إلى الغنائم.
وخلال مرحلة ما بعد الحرب، يُخشى أن إعادة الإعمار لن تكون سوى إعادة توزيع جديدة للغنائم، حيث يصبح الولاء هو معيار الحصول على العقود والفرص.
حتى الخدمات العامة تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات ولاء واستقطاب. اتُهمت السلطات السورية مراراً بأنها تتحكم بمصادر الطاقة وتوزعها حسب الولاء السياسي، فتحابي المناطق الموالية بالكهرباء والوقود وتشدّد الحصار على مناطق المعارضة. خلال سنوات الحرب، عانت مدن بأكملها من الظلام والبرد كنوع من العقاب الجماعي لكسر إرادتها، في حين لم تكن الشعارات المعلنة – كالوحدة الوطنية أو محاربة الإرهاب – لتطعم جائعاً أو تدفئ طفلاً. لقد حلّت بطاقة الولاء محل بطاقة التموين، وصار الحصول على أسطوانة غاز أو وظيفة حكومية يتطلب واسطة من الشبكة النافذة.
وتبيّن هذه الصورة القاتمة كيف يتماهى الاقتصاد مع السياسة في سوريا، وكيف يُستخدم نمط التوزيع كسلاح خفي للإخضاع أو المكافأة. وبرز ذلك بوضوح في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، إذ أعادت النخبة الجديدة ترتيب أوراق الاقتصاد لصالحها: فحسب المعطيات المتوفرة وما تفيد به التقارير، فقد تولى حازم الشرع – شقيق الرئيس الحالي أحمد الشرع – قيادة عمليات استحواذ سرية على شركات وأصول كبار رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، فيما قيمته يتجاوز 1.6 مليار دولار، وأوكل ماهر الشرع – الشقيق الآخر – بموقع إداري يربط رئاسة الجمهورية بمفاصل الدولة. وبدلاً من تصحيح اختلالات التركز الاقتصادي والتفاوت الاجتماعي، عززت السياسات الجديدة هذه الاختلالات واستمر الفساد وغياب الشفافية بأساليب تكاد تطابق الحقبة الماضية لكن بواجهة مختلفة تخدم النخب الحاكمة الحالية.
في المحصّلة، ولّدت الحرب وما تبعها طبقة أوليغارشية (طبقة متنفذين – طبقة أصحاب نفوذ ومال) سورية جديدة تملك مفاتيح الاقتصاد وتكتب قواعد اللعبة السياسية على هواها. تحوّل النفوذ من مؤسسات الدولة إلى شبكات غير رسمية تعمل في الظل وتفرض مصالحها، وتحوّلت مؤسسات الدولة إلى مجرد واجهة قانونية لاقتصاد ظلّ. وليس المهم أي شعار يعلَن أو أي خطاب يُلقى على المنابر؛ المهم هو ما يجري خلف الكواليس، حيث تتفاوض تلك الشبكات على اقتسام الكعكة. وفي هذا المشهد، يغدو الوطن نفسه أشبه بغنيمة أو شركة خاصة، حدود السيادة فيه تُرسم ليس بالخرائط السياسية بل بخطوط أنابيب النفط ومعابر التهريب ومناطق النفوذ المالية.
الأيديولوجية تبرر فقط
تثبت التجربة السورية المريرة أن الأيديولوجيا تبرّر ولا تحكم؛ فهي رداء تتزين به السلطة، لكن جسد السلطة تحركه شرايين المصالح وتوازنات توزيع الثروة. ولعل أبلغ ما وُصف به الواقع السوري هو أنه إذا بقي نمط توزيع الثروة والنفوذ على حاله، ستتغير الأيديولوجيات والشعارات وتتبَدّل تبعاً له، دون أن تتغير نتائج المعادلة. فالثورة التي انطلقت ضد الظلم الاجتماعي انتهت بأن أفرزت بدورها نخباً جديدة مارست ظلماً مشابهاً، والشعارات التي رفعتها السلطة القديمة تبخرّت لتحل محلها شعارات أخرى، بينما بقي جوهر الحاكم الحقيقي واحداً: من يمتلك الاقتصاد يتحكم بالسياسة.
وإذا استمر نمط التوزيع المختل كما هو، ستتبدل الوجوه والرايات وتبقى المظالم والأزمات عصية على الحل. وسيظل السوريون يدفعون الثمن نفسه مهما تغيرت المسميات، ما لم يُكسر هذا الدوران العبثي ويُعاد بناء العقد الاجتماعي على أسس عادلة تضمن ألا يُقرر مصير الناس أي احتكار أو شبكة مصالح، بل إرادتهم الجمعية ومشاركتهم في الثروة والحكم.
اقرأ أيضاً: بعد سقوط الأسد: لماذا لم يسقط توزيع «الثروة» الجائر؟!









