الأموال المنهوبة ورفعت الأسد: هل يصبح استرداد الأصول ملفاً سياسياً في العلاقة مع فرنسا؟

الكاتب: أحمد علي
إعلان باريس ودمشق بدأ مساراً لإعادة 51 مليون يورو من أصول رفعت الأسد المصادرة وضع ملفاً قديماً في قلب العلاقة الجديدة بين البلدين. وجاء الإعلان خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، وهي الزيارة التي حملت رسائل سياسية واقتصادية واضحة بعد سقوط حكم بشار الأسد. لكن المال المصادَر هنا لا يدخل في باب المجاملة الدبلوماسية، وراءه حكم قضائي فرنسي نهائي، وشبكة أملاك أوروبية، وسؤال سوري حساس عن معنى العدالة عندما تموت الشخصيات المتهمة قبل أن تواجه محاكمة كاملة عن سجلها السياسي والأمني.
السؤال العملي الآن لا يدور حول رفعت الأسد وحده، فالرجل توفي في كانون الثاني 2026، لكن الأملاك التي صودرت بسبب إدانته بقيت قائمة كملف قانوني ومالي. لذلك يصبح استرداد الأصول السورية اختباراً مبكراً للعلاقة مع فرنسا. فهل تكون إعادة الأموال خطوة محدودة ضمن مسار دبلوماسي جديد، أم مدخلاً لفتح ملف أوسع عن أموال شخصيات من النظام السابق جرى تثبيتها في أوروبا عبر شركات ووسطاء ومحامين ومنازل فاخرة؟
استرداد الأصول السورية بعد الحكم الفرنسي
القضية بدأت قبل سنوات طويلة في المحاكم الفرنسية، منظمة شيربا الحقوقية تقدمت بشكوى عام 2013، ثم انتقل الملف إلى تحقيقات قضائية انتهت بإدانة رفعت الأسد في فرنسا. وفي حزيران 2020، حكمت محكمة باريس عليه بالسجن أربع سنوات بتهم تتعلق بغسل أموال واختلاس أموال عامة سورية، وأمرت بمصادرة ممتلكاته في فرنسا. أيدت محكمة الاستئناف الحكم في أيلول 2021، ثم ثبتت محكمة النقض الفرنسية الإدانة والمصادرة في أيلول 2022.
اختلفت تقديرات قيمة الممتلكات بحسب المرحلة والمصدر، ذكرت رويترز عند وفاة رفعت الأسد أن المحكمة الفرنسية أمرت بمصادرة أملاكه في فرنسا، وكانت مقدرة بنحو 100 مليون يورو في ذلك الوقت، إضافة إلى عقار في لندن بقيمة 29 مليون يورو. ومصادر أخرى تحدثت عن أملاك في فرنسا بقيمة قريبة من 90 مليون يورو، وعن إجراءات أوسع في إسبانيا يمكن أن تطال مئات الملايين من اليوروهات.
الفارق بين هذه الأرقام مهم، لأنه يبيّن أن مبلغ 51 مليون يورو الذي أعلنت باريس ودمشق بدء مسار إعادته لا يغلق كل الملف، بل يمثل الجزء الذي دخل عملياً في مسار قابل للتحويل.
حينها، أنكر رفعت الأسد الاتهامات خلال المسار القضائي، وهذه نقطة يجب تثبيتها، لكنها لا تغير حقيقة أن الحكم الفرنسي أصبح نهائياً بعد قرار محكمة النقض. وبذلك خرج الملف من دائرة الاتهام الإعلامي إلى دائرة الأثر القضائي. والأصول لم تعد مجرد أملاك عائلية متنازعاً عليها، بل ممتلكات قضت محكمة فرنسية بأنها مرتبطة بأموال عامة سورية اختلست أو غُسلت عبر السوق العقارية الأوروبية.
وفاة رفعت الأسد جعلت جانباً من العدالة الجنائية غير ممكن عملياً، فقد كان ملاحقاً أيضاً في سويسرا بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بمجزرة حماة عام 1982، لكن وفاته أغلقت مسار محاكمته الشخصية هناك. وفي المقابل، لا تنهي الوفاة مسألة الأموال، فالأصول المصادرة تبقى قابلة للإدارة والبيع والإعادة وفق القواعد القانونية في الدول التي تحتفظ بها. لذلك يتحول الملف من محاكمة شخص إلى اختبار أوسع لشبكات المال التي أحاطت به.
فرنسا بين القانون والسياسة
إعلان إعادة 51 مليون يورو لم يأت في فراغ، وزيارة ماكرون إلى دمشق تضمنت حديثاً فرنسياً عن دعم إعادة اندماج سوريا دولياً، وعن تعاون اقتصادي وأمني، وعن نية البلدين تبادل السفراء. في اليوم نفسه، قالت رويترز إن فرنسا وسوريا بدأتا مسار إعادة أصول مصادرة من رفعت الأسد. وهذا التزام سياسي بقدر ما هو إجراء إداري، لأن توقيت الإعلان يضع استرداد الأموال ضمن حزمة أوسع من إعادة ترتيب العلاقة بين باريس ودمشق.
القانون الفرنسي يوفر أساساً لهذا المسار، فمنذ قانون آب 2021، باتت فرنسا تعتمد مبدأ إعادة الأصول غير المشروعة إلى السكان في الدولة الأجنبية المعنية، بدلاً من إدخالها في الموازنة العامة الفرنسية. وكالة إدارة واسترداد الأصول المصادرة في فرنسا تشير إلى هذا المبدأ بوضوح. ومنظمات الشفافية رحبت بالفكرة، لكنها حذرت منذ البداية من خطر أن تعود الأموال عبر قنوات معتمة أو من دون مشاركة ورقابة كافيتين.
هذا هو جوهر المسألة بالنسبة لسوريا، فاسترداد المال لا يحقق أثره بمجرد وصوله إلى جهة حكومية. يحتاج إلى مسار معلن يوضح مصدر الأموال، والمبلغ النهائي، والجهة التي ستتولى إدارتها، والمشاريع التي ستمولها، وآلية المراقبة. إذا وُضع المبلغ في برنامج محدد، مثل دعم العدالة الانتقالية أو ترميم خدمات عامة واضحة أو تعويضات مرتبطة بالضحايا، فسيكون له معنى سياسي واجتماعي أكبر من قيمته المالية، أما الغموض فسيضعف الأثر، حتى لو تم التحويل فعلاً.
فرنسا بدورها ستتعامل مع الملف بحسابات دقيقة، فهي تريد فتح صفحة جديدة مع دمشق، لكنها لا تستطيع تجاهل حساسية الأموال المنهوبة وملفات الانتهاكات. لذلك قد تفضّل مساراً مشروطاً أو موجهاً عبر برامج تعاون وتنمية، لا تحويلاً عاماً بلا ضمانات. وهذه الصيغة قد تكون مقبولة إذا حافظت على حق السوريين في معرفة أين ذهبت الأموال، ومن قرر استخدامها، وما النتائج التي تحققت منها.
ما الذي يمكن أن يتوسع؟
مبلغ 51 مليون يورو محدود إذا قورن بحجم خسائر سوريا وكلفة إعادة الإعمار، لكنه يكتسب أهمية لأنه قد يفتح الباب أمام ملفات أخرى. هناك أصول مرتبطة برفعت الأسد في بريطانيا وإسبانيا، وهناك أموال وشبكات ملكية تخص شخصيات أخرى من دائرة النظام السابق. استرداد هذه الأموال يحتاج إلى عمل قانوني طويل، وإلى تعاون بين الحكومات، وإلى ملفات موثقة لا تعتمد على العموميات أو الرغبة السياسية وحدها.
الطريق لن يكون سريعاً بطبيعة الحال، فالأصول غالباً تكون مسجلة عبر شركات وواجهات وأفراد من العائلة أو مقربين، وقد تخضع لنزاعات وراثة أو طعون أو إجراءات بيع طويلة. كما أن الدول الأوروبية لا تتحرك عادة على أساس الطلب السياسي فقط، بل تحتاج إلى أحكام نهائية أو مسارات قضائية واضحة. لذلك سيكون نجاح سوريا في هذا الملف مرتبطاً بقدرتها على بناء جهاز قانوني متخصص، يعمل مع مكاتب دولية ومنظمات حقوقية، ويقدّم ملفات متماسكة أمام القضاء الأجنبي.
يطرح الملف أيضاً سؤالاً داخلياً عن الأولويات. السوريون الذين عاشوا سنوات الحرب والانهيار لا يريدون أن يتحول استرداد الأصول إلى شعار إضافي. يريدون نتائج قابلة للقياس. لذلك يجب أن يكون الحديث عن الأموال المنهوبة مرتبطاً بقاعدة بسيطة: كل مبلغ يستعاد يجب أن يذهب إلى وجهة معلنة، وكل مشروع يمول من هذه الأموال يجب أن يخضع لمراجعة عامة. الشفافية هنا ليست مطلباً أخلاقياً فقط، بل شرط يمنع تكرار المشكلة التي ولّدت هذه الأموال في الأصل.
فرنسا تستطيع أن تجعل الملف جزءاً من سياسة أوسع تجاه سوريا، لكنها لن تكون وحدها صاحبة القرار. العلاقة مع باريس مهمة لأنها تمسك اليوم بجزء من الأصول المصادرة، ولأنها عضو مؤثر في الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن. غير أن استرداد الأصول السورية سيحتاج إلى شبكة أوسع تشمل بريطانيا وإسبانيا وسويسرا ودولاً أخرى استخدمت فيها عائلات ومسؤولون سابقون النظام المالي والعقاري لتثبيت الثروة خارج سوريا.
الخلاصة أن ملف رفعت الأسد لا ينتهي بإعادة 51 مليون يورو، حتى لو اكتمل هذا المسار. الأهمية الحقيقية تظهر إذا تحول إلى سابقة قانونية وسياسية. وسوريا تستطيع أن تضع استرداد الأصول على جدول علاقتها مع فرنسا، لكن نجاحها سيقاس بطريقة إدارة المال المستعاد، وبقدرتها على ملاحقة ملفات أخرى، وبمدى إشراك المجتمع والضحايا في تحديد أوجه الصرف. من دون ذلك، سيبقى الخبر مهماً في السياسة، ومحدود الأثر في حياة السوريين.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: الإهمال والفساد وواقع الرياضة السورية









