سياسة

«إسرائيل» وموارد سوريا المائية والزراعية.. ما العمل؟!

الكاتب: أحمد علي

تتشابك قصة الماء مع قصة الخبز في سوريا حتى يصعب فصل الزراعة عن السياسة أو الاقتصاد. فحين يتراجع منسوب نهر أو تتعطل محطة ضخ، لا يبقى الأثر في الحقل وحده، بل يصل إلى السوق وإلى قدرة الأسر على شراء الغذاء. وبعد سنوات من النزاع وتضرر البنية التحتية وتبدل أنماط الإدارة، أصبح الأمن الغذائي مرتبطاً بمن يملك أدوات تنظيم المياه وبمن يملك القدرة على حماية الأرض من التدهور والاستنزاف. لذلك لا يمكن التعامل مع هذا الملف بوصفه مسألة فنية محضة، لأنه يمس الاستقرار الاجتماعي وسبل العيش.

الأمن المائي والزراعي في سوريا

في البداية ما الذي يعنيه الأمن المائي والزراعي؟ ببسيط العبارة يمكن القول إن الأمن المائي والزراعي في سوريا يعني توافر مياه كافية ونظيفة للشرب والري، مع إدارة تمنع الهدر وتضبط السحب من المياه الجوفية، وتؤمن للمزارع شروط إنتاج مستقرة قدر الإمكان.

وفي سوريا، يعتمد هذا الأمن على مصادر سطحية مثل الفرات والعاصي واليرموك، وعلى المياه الجوفية التي تحولت في سنوات الجفاف إلى خيار شبه دائم في كثير من المناطق.

ومع ارتفاع الحرارة وتذبذب الأمطار، تتراجع القدرة على الاعتماد على موسم مطري ثابت، فتزداد أهمية التخطيط المائي وصيانة القنوات وتسعير الطاقة اللازمة للري، لأن كلفة الضخ قد تحدد ما إذا كان المزارع سيزرع أصلاً.

الجنوب والكيان ومعادلة النفوذ المائي

يتقاطع سؤال ما الذي تفعله “إسرائيل” في الجنوب على صعيد الزراعة والمياه مع واقع الجولان المحتل ومع الأحواض المشتركة في جنوب غرب سوريا. في الجولان تُدار الأراضي والمياه ضمن منظومة “إسرائيلية” تمنح تراخيص للآبار وتبني خزانات وبركاً، وتدعم نمطاً زراعياً سوقياً يعتمد على البساتين والمراعي وتقنيات ري حديثة. وتقارب بعض الدراسات الحقوقية هذا الواقع من زاوية إدارة موارد منطقة تحت الاحتلال، بينما تركز دراسات بيئية على آثار تحويل استخدام الأرض وتوسيع الزراعة المكثفة على التربة والينابيع.

خارج الجولان، تظهر الحساسية الأكبر في حوض اليرموك الذي يربط سوريا والأردن ويصب في منظومة نهر الأردن. أي تغيير في تشغيل السدود أو حجم الضخ أو في معدلات الهطول ينعكس على الأطراف الأخرى، ومع ضعف تبادل البيانات يصبح تفسير التراجع في الجريان موضع جدل سياسي وإعلامي.

في النقاش العام تظهر اتهامات متبادلة عن حرمان أو استغلال، لكن الصورة الأقرب للواقع أن الأزمة تتغذى من تداخل تغير المناخ مع تعدد المشاريع المائية عبر الحدود ومع غياب آليات تعاون ملزمة وشفافة. وهذا التداخل يجعل الجنوب ساحة حساسة لاختبار الأمن المائي والزراعي في سوريا.

حراسة المياه بين القانون والواقع

وفي الحديث عن حماية الموارد المائية السورية من الاستنزاف والسرقة، نقول: نظرياً تتولى مؤسسات الدولة المعنية بالمياه والبيئة والزراعة تنظيم حفر الآبار ومنح التراخيص ومراقبة السحب، وتفترض القوانين وجود عقوبات على التعدي على الشبكات العامة. لكن عملياً أضعفت الحرب القدرة على الرقابة، وتضررت محطات الضخ والمعالجة، وظهرت أسواق نقل المياه بالصهاريج في مناطق واسعة، وتزايد الحفر غير المرخص للآبار.

وفي مناطق شهدت تعدد سلطات محلية، تشتتت قواعد الحماية بين أجهزة مختلفة، فغابت معايير موحدة للتوزيع والمحاسبة.

الحماية الأكثر فعالية لا تقوم على العقوبة وحدها، بل على القياس والحوافز، فالعدادات على الآبار الكبيرة، ورصد مناسيب المياه الجوفية بصورة دورية، وربط الدعم الزراعي بخطط ري قابلة للتطبيق، أدوات تقلل السحب العشوائي دون أن تدفع المزارع الصغير إلى ترك أرضه.

كما أن التعامل مع ما يُسمى سرقة المياه يحتاج إلى بدائل خدمية، لأن تحسين الشبكات وتوفير مياه آمنة يقللان تلقائياً من التعديات ومن الحاجة إلى حلول فردية غير منظمة.

الزراعة أمام الجفاف وتوحيد الأرض

هل سيكون ذلك بلا أثر؟ بالتأكيد لا، فالجفاف يفرض انتقالاً من منطق التوسع إلى منطق الكفاءة. وهذا يعني في مناطق الحبوب زيادة الاعتماد على أصناف تتحمل الحرارة ونقص المياه، وتعديل مواعيد الزراعة وفق توقعات الموسم، وتقليل فقد الرطوبة في التربة بطرق زراعية محافظة.

ويعني في المناطق المروية إعادة تقييم المحاصيل ذات البصمة المائية العالية، لأن استمرارها قد يرفع كلفة الري ويضغط على المياه الجوفية. وفي البساتين والخضار يتزايد الاعتماد على الري بالتنقيط وصيانة الشبكات، وعلى إدارة أفضل للأسمدة لتخفيف تملح التربة.

أما توحيد الأراضي السورية فيظهر بوجهين. الأول إداري يتعلق بتوحيد قواعد التسعير والتوريد والدعم بين مناطق كانت تُدار بأنظمة مختلفة، ما يربك السوق ويعطل التخطيط. والثاني تنظيمي يتعلق بتجميع الحيازات الصغيرة ضمن تعاونيات أو خدمات مشتركة، لأن الآلات وشبكات الري الحديثة والتخزين البارد تحتاج إلى حجم اقتصادي لا تتيحه القطع الصغيرة. نجاح هذا المسار يتوقف على العدالة وحماية حقوق المالكين والمستأجرين، لأن أي توحيد قسري قد يعمق الفقر الريفي ويضعف الأمن المائي والزراعي في سوريا بدل أن يقويه.

سياسات السوق وحماية الغذاء

هل تتجه البلاد إلى سياسات تحمي الإنتاج الزراعي أم إلى تحرير اقتصادي قد يهدد سلة سوريا الغذائية. أنصار التحرير يرون أن فتح المنافسة وتخفيف القيود قد يخفض بعض التكاليف ويجذب استثماراً في النقل والتخزين والتصنيع. لكن منتقدي التحرير يحذرون من أن رفع الدعم عن الوقود والسماد والبذار في بيئة هشّة قد يرفع كلفة الإنتاج بسرعة، فيقلص المزارعون المساحات أو يتركون الزراعة، فتزداد الفجوة الغذائية ويزداد الاعتماد على الاستيراد.

المقاربة الأكثر توازناً هي حماية ذكية لا تعزل السوق ولا تتركه بلا ضوابط. يمكن للدولة أن تضمن سعراً تأمينياً لمحاصيل استراتيجية مثل القمح عبر شراء منظم، وأن توجه الدعم إلى صغار المنتجين وإلى المناطق الأشد تعرضاً للجفاف، وأن تستثمر في إصلاح السدود والقنوات والطاقة اللازمة للري. كما أن تقليل خسائر ما بعد الحصاد عبر تحسين التخزين والنقل يساوي عملياً زيادة في المعروض من دون زيادة في استهلاك الماء، وهو مكسب مباشر للأمن المائي والزراعي في سوريا.

في المحصلة، لا توجد إجابة واحدة تكفي عن الماء أو عن الزراعة، لأن الملفين مترابطان مع الحوكمة ومع المناخ ومع الجغرافيا السياسية. الجنوب يوضح كيف تتحول إدارة الحوض إلى مساحة تنافس إذا غابت الشفافية والتعاون، والجفاف يفرض إعادة تصميم أنماط الإنتاج، وتوحيد الإدارة الزراعية قد يكون فرصة إذا احترم الحقوق وقلل التشتت. عندما تُبنى السياسات على بيانات، وتُدار الموارد بمعايير عادلة، ويُستثمر في البنية التحتية، يصبح الأمن المائي والزراعي في سوريا هدفاً عملياً ينعكس على رغيف الخبز وعلى بقاء الريف منتجاً.

لكن وفي ختام هذا الحديث، لا بد من القول إن استمرار الاحتلال في أي جزء من الجغرافيا السورية كان عاملاً مفاقماً للأزمات المائية والزراعية، لأنه يكرس واقعاً غير متكافئ في التحكم بالأرض وبالمصادر ويحول المياه من مورد طبيعي مشترك إلى أداة نفوذ وصراع، ما ينعكس على خطط الري وعلى استقرار المجتمعات الزراعية القريبة من خطوط التماس ويزيد هشاشة الأمن المائي والزراعي في سوريا.

ومن هذا المنطلق فإن إنهاء وجود الاحتلال اليوم هو شرط سياسي وأخلاقي لاستعادة إدارة عادلة للموارد، إذ إن ماء سوريا وأرضها حق لأبنائها، ولا يستقيم الحديث عن تعافٍ طويل الأمد أو تنمية زراعية مستدامة ما لم يعد هذا الحق إلى أصحابه ضمن عملية تضمن السيادة وتحمي الموارد وتمنع تحويلها إلى ورقة ضغط دائمة.

اقرأ أيضاً: الثروة السمكية في سوريا: يمكن الرهان على السمك في الماء!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى