اختراق وتعدّي حدود .. ما حال الأمن السيبراني السوري؟

بقلم: ديانا الصالح
أثار تعطيل المواقع الحكومية في سوريا موجة جدل واسعة لدى الشارع السوري، كونها ليست المرة الأولى، ما يكشف عن هشاشة البنية التحتية الرقمية وضعف الإمكانيات التقنية، وسط مخاوف أمنية حساسة تمتد إلى سلامة بيانات المواطنين الحساسة والأمن الوطني، دون ورود أي تعليق حكومي حتى اللحظة، ما يطرح عدة تساؤلات حول فعالية منظومة الأمن السيبراني السوري ومدى قدرتها على التعافي السريع قبل إلحاق الضرر بمحتويات المواقع الرسمية الحساسة، فهل هناك رسائل سياسية تديرها أجهزة اختراق متطورة كما يروّج لها البعض أم أن المشكلة ببنية الأمن الرقمي وعدم مواكبته للتحديثات اللازمة؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
ما حال الأمن السيبراني السوري؟
في هجمة تعترض أمن المواطن وسيادة الدولة على حدٍّ سواء، تعطلت عدة مواقع رسمية كموقع التربية والتعليم ووزارة الإعلام إضافة إلى جامعة دمشق، حيث تصدرت صفحاتها صور لأعلام قوات قسد وإقليم كردستان وغيرها من الصور التي توحي باستهداف كردي لتلك المواقع عقب التصعيد العسكري الأخير وفقاً للتقارير المحلية.
وتفتح هذه الحادثة أبواباً واسعة للجدل، حيث يرى مراقبون أنها رسائل سياسية تؤكد القدرة على تخطي السيادة الرقمية للدولة السورية عبر أحدث أنظمة الاختراق، في ظل التصاعد الأمني الأخير، بصورة شبيهة لما حدث في أوكرانيا التي سنتحدث عنها ضمن سطور مقالنا.
وفي هذا السياق يوضح مستشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامر طباش عبر تصريح إعلامي سابق، أن تكرار مثل هذا النوع من عمليات الاختراق يستهدف بشكل رئيسي بيانات لها أهمية تاريخية حساسة، مشيراً إلى أنها مستودع هائل من المعطيات والمعلومات المجموعة في عهد حافظ الأسد وابنه بشار.
ويعود ارتفاع وتيرة الهجمات الإلكترونية على المواقع الحكومية، إلى عدم مواكبتها للتحديثات التقنية العالمية، وفقاً لما أكده طباش، مرجحاً ارتباط الاختراق باستخبارات أجنبية تعتمد أجهزة متطورة، ما يعكش هشاشة الأمن السيبراني السوري أمام الأدوات الحديثة.
وفي وقت سابق، أشار مدير مركز أمن المعلومات في وزارة الاتصالات جهاد ألالا، إلى تعدد الأسباب المحتملة وراء تزايد حوادث الاختراق خلال الفترة الأخيرة، فيمكن أن تكون تقنية أو سياسية أو حتى محاولات لزعزعة ثقة المواطن بالجهات العليا، مؤكداً أن مهمة تحديد الأبعاد تعود إلى الجهات المختصة بالأمن الإعلامي والوطني على حدٍّ سواء.
بينما يرى خبراء تقنيون أن الأمر لا يتعدى كونه مسألة تقنية بحتةً، تتعلق بضعف البنية التحتية الرقمية في سوريا، تمكّن أي مخترق بقدرات متوسطة من العبث بأي موقع يريد متى شاء.
ويعزو هؤلاء الخبراء تلك الهشاشة الرقمية لعدة أسباب تدور حول عدم تكافل الجهود والتنسيق بين مؤسسات الدولة، فضلاً عن غياب فريق طوارئ قادر على صدّ الهجوم أو إحباط مساعي التخريب عبر التصرف السريع قبل وصوله للبيانات الحساسة، إضافة إلى عدم وجود جهة رسمية موحّدة تُوكَل إليها مسؤولية حماية أمن المواقع الإلكترونية، كما تُضاف إليها الأنظمة التقنية القديمة التي تعتمدها الجهات الرسمية، وبرامج الحماية الضعيفة، أو الاعتماد على استضافات غير آمنة.
فيما يبرهن الصمت الحكومي دون ورود أي تعليق رسمي على الحادثة، إلى جانب النفي المتكرر في الفترات السابقة، على غياب مبدأ الشفافية، فمحاولات الإنكار بحدِّ ذاتها ضعف إداري وتقني ينعكس على ثقة المواطنين ويوحي بعدم القدرة على فهم المشاكل الرقمية وضعف الإدارة الواجبة لمنظومة الأمن السيبراني السوري، بالتالي تكون الغاية المرجوة من الاختراق قد وصلت وهي إثبات تفكيك الدولة رقمياً كما هي مشتتة إدارياً، وفقاً لما يراه محللون.
التصدي الرقمي الأوكراني
في مثال مشابه للهجمات السيبرانية على المواقع الحكومية السورية، تبرز حالة أوكرانيا التي تعرضت لاختراق إلكتروني واسع خاصة بعد عام 2022، أي في ذروة الصراع الروسي الأوكراني، كتجسيد لاستراتيجية عسكرية سيبرانية متكاملة اعتمدتها روسيا لإضعاف الجانب الأوكراني وتهديد فضائه الرقمي بحرب نفسية واسعة النطاق، وفقاً لما أكدته ورقة بحثية تحليلية صادرة عن مركز رع للدراسات الاستراتيجية بعنوان “توظيف التهديدات السيبرانية في الحرب الروسية الأوكرانية”.
وخلُص البحث التحليلي إلى إمكانية الاستفادة من التجربة الأوكرانية بما حققته من تصدٍّ رقمي ملموس، من خلال تحديث أنظمة دفاعية سيبرانية مستدامة، وذلك عبر تدريب وتأهيل الكوادر بشكل متواصل، وترسيخ أطر الحوكمة الجدية الصارمة، إلى جانب الاستثمار الفعّال في مجال الابتكار التقني، وهذا ما يمكن تطبيقه لتعزيز الأمن السيبراني السوري، منعاً من تكرار تلك الهجمات التي تقوّض أمن المواطن المعلوماتي.
تبقى مسألة التصدي الرقمي وتطوير القدرات الدفاعية السورية رهينةً للتحرك الجدي نحو اعتماد أنظمة تقنية حديثة واستثمار فعلي قادر على تحصين الفضاء الرقمي السوري، فحماية أمن المعلومات اليوم امتداد لحماية الأرواح، لما فيها من حرب نفسية ليس بمقدور السوريين تحملها مع زيادة أعبائهم المادية، بالتالي يمكن اعتبار تكرار الهجمات السيبرانية اختبار ثقة يجب على الجهات المعنية اجتيازه بنجاح.
اقرأ أيضاً: الحمضيات في اللاذقية بين التهميش والتراجع .. ما علاقة تركيا؟









