الأمبيرات في سوريا بين إضاءة البيوت واستنزاف الجيوب .. هل أصبحنا لبنان؟

مع اشتداد أزمة الكهرباء غزت الأمبيرات شوارع سوريا. فقد تراجعت ساعات التغذية الحكومية إلى مستويات غير مسبوقة مما دفع المواطنين للبحث عن حلول. في البداية ظهرت المولدات كحل فردي لبعض المباني والمحلات، لكن سرعان ما غدت مشروعاً منظماً تديره مجموعات وأشخاص بمقابل اشتراكات شهرية وفي بعض المناطق أسبوعية.
مع غياب بدائل حقيقية من الدولة وتخلي مؤسسة الكهرباء عن مهامها، انتشرت هذه المولدات في الأحياء كالنار في الهشيم، ومثل شبكات ظلّ موازية لشركة الكهرباء، حتى أصبح من النادر أن تجد شارعاً يخلو من صوت المولدات أو رائحتها وانبعاثات دخانها. هكذا غزت الأمبيرات سوريا، لتفرض واقعاً جديداً على حياة الناس، يجمع بين الضرورة والعبء.
من أين جاءت الأمبيرات إلى سوريا.. وكيف تحولت بديلاً للكهرباء
الحكاية بدأت مع سنوات الحرب الأولى، حين انهارت منظومة الكهرباء بشكل تدريجي، وتقلّصت ساعات التغذية حتى وصلت في بعض المناطق إلى الصفر. في البداية، لجأ الناس إلى حلول بدائية تقليدية: شموع، بطاريات صغيرة، لمبات تعمل بالطاقة الشمسية المستوردة بشكل محدود. لكن مع استمرار الأزمة وتفاقمها وتحوّلها إلى واقع يومي معتم وخانق، بدأت المولدات بالظهور والتسلل إلى الأسواق كوسيلة إنقاذ مؤقتة.
أصحاب المحلات التجارية كانوا أول من أدخل “الأمبيرات” لتأمين إنارة لمتاجرهم وإنقاذ موادهم، لاسيما الغذائية منها التي تحتاج لتغذية كهربائية متواصلة، ثم انتقلت الفكرة إلى المباني السكنية، حيث جرى مدّ شبكات أسلاك لتزويد كل بيت بعدد من “الأمبيرات” مقابل اشتراك شهري. ليتحوّل هذا الحل الفردي إلى تجارة منظمة ومنجم من ذهب يعتاش على العتمة وجيوب الناس. يقود تلك التجارة أشخاص يمتلكون مولدات ضخمة وينصبونها في أحياء كاملة، ليتحوّلوا إلى ما يشبه “شركات كهرباء صغيرة” داخل المدن، وكل منهم “بتسعيره” مختلفة، فلا حسيب ولا رقيب.
هكذا، غزت الأمبيرات السوق السورية بشكل ناعم، من فكرة بسيطة لإنقاذ بضع ساعات من الإنارة، إلى شبكة موازية للكهرباء الحكومية بل وتنافسها، تمتد من دمشق إلى حلب، ومن اللاذقية إلى دير الزور، لتتحول المدن السورية إلى “مدن أمبيرات”.
الواقع السوري من قلب العتمة يتحدث ويطرح أسئلة نور إجابتها منقطع كما الكهرباء، فمع شبه اندثار الحلول الرسمية وغياب البدائل الحقيقية، لسان المواطنين لم يعد يطرح: هل تشترك بالأمبيرات؟ بل أصبح: كم أمبير تحتاج لتنجو من العتمة؟
اقرأ أيضاً: سرقة الكابلات الكهربائية: تحدٍ أمني واقتصادي يفاقم أزمة الكهرباء في سوريا
الأمبيرات أنارت المدن وأطفأت جيوب المواطنين
بعد انتهاء صفقات “اللدات والبطاريات” و”تنفيقها” في السوق السورية، ابتدع النظام السابق صفقة جديدة امتدت حتى بعد سقوطه، إنها صفقة “الطاقة البديلة”. أيدي النظام السابق هي من صنعت “مدن الامبيرات”، وهذه المولدات الضخمة لم تكن بعيده عن إدارة رجالاته. فدخولها للبلاد ومنح الرخص لها وتقاسم مدخولها مع مشغليها، كل ذلك تحت إشرافهم ومن ضمن إدارتهم وتخطيطهم.
في أحد مدن الساحل السوري كان مدخول المولدات يصب في جيب أحد رجالات “آل الأسد”، فهو من كان يتحكم بساعات عملها، وتسعيرتها وكان الاشتراك بها أسبوعياً وليس شهرياً كأغلب المدن والمناطق في سوريا.
الأمبيرات ظهرت أولاً في مدينة حلب، حيث تحولت المولدات الخاصة إلى بديل شبه رسمي، ثم امتدت التجربة لاحقاً إلى دمشق فحمص وغيرها من المحافظات.
في حلب، أصبح سعر الأمبير الواحد يتراوح بين 10–15 ألف ليرة سورية أسبوعياً حسب عدد ساعات التشغيل وفقاً لإحصائيات أجريت في العام 2024، ما جعلها عبئاً شهرياً ثقيلاً على الأسر ووضعتهم بين سندان العتمة ومطرقة الوضع الاقتصادي المتراجع.
أما دمشق، فالتجربة ظهرت بشكل أضيق وأغلى نسبياً، إذ وصل سعر الأمبير إلى نحو 25–30 ألف ليرة أسبوعياً، بسبب ارتفاع تكاليف الوقود وصعوبة التشغيل في العاصمة.
وراء هذا المشهد.. من خلف الستار وبعدها إلى العلن، برز اسم “القاطرجي” أحد رجالات النظام السابق وأعوانه، الذين سيطروا على تجارة المازوت وقطاع المولدات، فحوّلوا الأزمة إلى مصدر نفوذ وربح. عبر شبكاتهم، تم تنظيم توزيع الوقود على أصحاب المولدات وضبط الأسعار، ما جعل من “الأمبيرات” سوقاً مفروضة أكثر من كونها خياراً حراً للمواطن، فباتت “حاجة” لكن تحت الإجبار.
لتبقى هذه المولدات رمزاً لفشل المنظومة الحكومية في تأمين الكهرباء، ونجاح تجار الأزمة وأمراء الحرب في بناء إمبراطورياتهم على حساب معاناة السوريين وجيوبهم.
اقرأ أيضاً: الكهرباء في دير الزور…بين الواقع المؤلم والفرص الاستثمارية
المولدات بين الجدل والحلول.. كيف نتخلص من “متلازمة” تحولها إلى لبنان؟
رغم إيعاز السلطات الجديدة في البلاد بخفض أسعار المولدات والبحث عن حلول كهربائية وزيادة ساعات التغذية في بعض المحافظات، وإصدار البلديات لتعاميم وقرارات تفضي بخفض أسعار المولدات، لازالت تتفاوت تلك الأسعار حتى في قلب المدينة الواحدة ويرجع أصحاب المولدات ذلك لعدد ساعات التشغيل.
في مدينة جبلة في الساحل السوري يختلف سعر الاشتراك الشهري من شارع إلى آخر، شارع يسجل اشتراك شهري بقيمة 200 ألف، وشارع آخر بقيمة 175 ألف، وهكذا حسب مزاج مُشغل المولدة.. وكل مشغلي الأمبيرات يعزون هذا التفاوت إلى عدد ساعات التشغيل وسرعة “وصل الأمبير” بعد انقطاع التيار الكهربائي. على حد تعبيرهم.
رغم ظهور المولدات كخيط للخلاص من عتمة أطبقت على قلوب السوريين، لكنها مع مرور الوقت تحولت إلى قيد يلتف حول أعناقهم. لم تعد مجرد أسلاك ومولدات، بل أصبحت ميزاناً يحدد مستوى الحياة داخل كل بيت: من يملك القدرة على دفع الاشتراك يعيش تحت ضوء “مستعار”، ومن يعجز يبقى رهينه الظلام.
أحياء كاملة صوت المولدات فيها بات جزءاً من يوميات الناس، ورائحة الديزل تختلط بأنفاس الكبار والأطفال وتتشبع بها جدران المنازل. أما المحلات والورش الصغيرة لها حساباتها الخاصة، فتحسب ساعات عملها بقدر ما تدفع للمولدات.
لتجد المواطن في سوريا يستنزف دخله “المحدود” لتأمين الحد الأدنى من الإنارة، في حين تضخمت ثروات أصحاب المولدات ومن يقفون وراءهم من تجار الوقود، ليغدو الأمبير رمزاً وأيقونة لتجارة المعاناة فمن عتمة الأعين لعتمة الضمائر.. متى الخلاص؟
هذه الظاهرة في سوريا.. أعادت إنتاج مشهد مشابه لما عاشه لبنان، حيث تحولت الكهرباء من خدمة عامة إلى سلعة تباع وتشترى، ومن حق شرعي إلى رفاهية مدفوعة شهرياً.
كل يوم في سوريا نتنقل بين الأسئلة عن تدبير الحال، فلم يعد السؤال الآن: كم أمبير تحتاج؟ بل أصبح: متى تتخلص سوريا من الأمبيرات؟ والجواب الموجود حالياً، لا يكمن في استمرار “الترقيع” وتعويد الناس على واقع أعتم كل ما فيهم، فالخلاص يكمن في إرادة سياسية واقتصادية تعيد بناء قطاع الطاقة على أسس نظيفة وشفافة، تستثمر في المصادر التي لا تنضب مثل: الشمس والرياح مع السعي لإصلاح محطات التوليد المدمرة وإعادة ترميمها. عندها فقط يمكن أن يعود النور إلى البيوت بلا اشتراكات، وتغادر المولدات الضخمة القابعة على قلوب السوريين شوارعهم وحياتهم إلى غير رجعة، كمرحلة سوداء معتمة قاتمة تجاوزها الوطن.









