الأغنية الساحلية: نغمات الحزن والشجن تغفو على مقام البيات

بقلم هلا يوسف
“الميجانا” و”الدلعونا” لا بد أنك سمعتها في الكثير من الأغاني، فهذه الكلمات رافقت معظم أغاني الساحل السوري، حتى غفا لحنها بين أنغام العود والربابة. تلك الأغاني التي عبر بها السكان البسطاء عن الفرح والحزن والشجن بكلمات بسيطة دخلت ذاكرة كل من سمعها، وحنَّ على ألحانها قلب كل محب. فكلمات الأغنية وألحانها خرجت من عتبات البيوت وحكايات الصيادين، وتعب الفلاح في الحقل، ونسجت من قلب نساء انتظرن أحبتهن. لذلك كانت الأغنية الساحلية مزيجًا من العتب والحزن والفرح الهادئ.
الأغنية الساحلية… إرث يتنقل بين الناس
لا يمكن أن نجرد الأغنية الساحلية من جذورها، فهي ذاكرة شفوية نقلتها الحناجر لحناً وغناءً، ويقول هنا الباحث في التراث الشعبي الأستاذ حيدر نعيسة إن الأغاني التراثية هي جزء من التراث الشفوي الذي تناقلته الأجيال، مثل القصص والحكايات الشعبية، إلا أن أكثر ما يميزها هو أن مؤلفها الحقيقي غير معروف، لذلك لا يمكن نسبها إلى شخص أو حتى إلى منطقة واحدة، فهي أصبحت ملكاً لكل من يرددها ويحفظها.
ويكمل نعيسة حديثه بالقول إن الأغاني الشعبية ما زالت حاضرة في كثير من القرى حتى اليوم، فهي تُغنى في الأعراس، والمناسبات الاجتماعية، وحتى في لحظات الحزن والوداع. وقد تختلف الكلمات أو طريقة الغناء من منطقة إلى أخرى، لكن روح الأغنية تبقى واحدة.
ويرى نعيسة أن الأغنية تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: الكلمة، واللحن، والأداء. فالكلمات تنقل الفكرة، واللحن يمنحها الإحساس، أما الأداء فهو الذي يجعلها تصل إلى قلوب الناس. وبعض الأغاني لا تحتاج إلى موسيقى، لأن كلماتها فيها إيقاع خاص يجعلها جميلة حتى عند ترديدها بصوت واحد.
ولعل السبب في بقاء هذه الأغاني حتى اليوم أنها تحدثت عن كل ما يمر به الإنسان في حياته من مشاعر الفرح والحزن، واللقاء والفراق، والصحة والمرض، والغنى والفقر، لذلك بقيت قريبة من الناس رغم تبدل الزمان.
كيف صنع البحر شخصية الأغنية الساحلية؟
عندما نقول أغنية ساحلية، يعني البحر ورائحته، والموج الهادئ والهائج في الوقت نفسه، وهذا الانطباع حول المشهد ظهر في أغاني الأهالي، وحتى طُبع في كلماتهم ولحنهم. وهنا يوضح الباحث وخبير التراث الدكتور غسان القيم، أن الأغنية الساحلية ولدت من طبيعة الحياة في الساحل السوري، الممتد من جزيرة أرواد حتى رأس البسيط. فالناس هناك عاشوا لسنوات طويلة بين البحر والجبل، وكان البحر بالنسبة لهم مصدر رزق، لكنه كان أيضاً مصدر قلق وخوف، لأن رحلة الصيد لم تكن مضمونة دائماً.
ومن هنا بدأت الأغاني تظهر، حيث كان الصيادون يغنون وهم يجدفون أو يسحبون الشباك لتخفيف التعب وتنظيم العمل، كما كانت الأهازيج وسيلة للتواصل بين المراكب في عرض البحر قبل وجود وسائل الاتصال الحديثة.
وكان البحر جزءاً من تراث الأغنية الساحلية، بينما الجزء الآخر من نصيب القرى، حيث كان الفلاحون يرددون الأغاني أثناء قطاف الزيتون أو جمع التبغ، بينما كانت النساء يغنين خلال العجن والغزل، أو وهن ينتظرن عودة الأزواج والأبناء من البحر. وهكذا أصبحت الأغنية جزءاً من يومهم العادي، تعبر عن التعب والأمل والحنين في الوقت نفسه.
ومع مرور الزمن، انتقلت هذه الأغاني إلى الأعراس والمناسبات الشعبية، واختلطت بالدبكة وإيقاعات الطبل والمجوز، قبل أن يبدأ الباحثون بتوثيقها وحفظها من الضياع في منتصف القرن الماضي.
لكل منطقة نغمتها الخاصة
تختلف الأغنية الساحلية الشعبية من منطقة لأخرى، والكلمات المستخدمة أيضاً، وكان بعضها مأخوذاً من لهجات أخرى، لكنها استخدمت في معانٍ مختلفة. وفي هذا الخصوص قال حيدر نعيسة إن الأغاني الشعبية لا تعرف الحدود، فهي تنتقل مع الناس من قرية إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، ولذلك يصعب القول إن أغنية معينة تعود إلى مكان واحد فقط.
ويعطي مثالاً على ذلك باستخدام كلمة “بو” في إحدى الأغاني الساحلية، وهي كلمة يستخدمها البدو أكثر من أهل الساحل، بينما يستعمل أبناء الساحل عادة كلمات مثل “ما في” أو “أفي”. وهذا يدل على أن الأغاني كانت تنتقل بين البيئات المختلفة، فتأخذ من لهجاتها وكلماتها دون أن تفقد هويتها.
ومع ذلك، لكل منطقة بصمتها الخاصة. فالأغنية الساحلية تتميز بالهدوء والتناغم، ويعلو الصوت فيها وينخفض بانسيابية تشبه حركة الأمواج وتضاريس الساحل. أما أغاني البادية فتبدو أكثر قوة وحدة، لأنها خرجت من بيئة تختلف بطبيعتها وظروفها. وكأن المكان يترك أثراً واضحاً في اللحن وطريقة الأداء.
ألحان بسيطة على مقام البيات
يصف الدكتور غسان القيم الأغنية الساحلية بأنها “أغنية الناس”، لأنها لم تُكتب للنخبة أو للمسارح، بل خرجت من الحياة اليومية. كلماتها بسيطة وسهلة، لكنها مليئة بالصور التي تستحضر البحر والمراكب والنوارس والغياب والانتظار والحب.
وترتبط معظم هذه الأغاني بمقام البيات، لأنه يجمع بين الدفء والشجن، ويمنح المغني مساحةً للتعبير عن المشاعر. لذلك نجده في العتابا الساحلية والميجانا، كما يظهر في كثير من أغاني الصيادين والدلعونا التي ترافق الدبكة الساحلية.
أما الآلات التي رافقت هذا التراث فهي الربابة والبزق والطبل والمجوز، وهي آلات ما زالت حاضرة في كثير من الاحتفالات الشعبية حتى اليوم، وتحافظ على الطابع الأصيل للأغنية الساحلية.
في النهاية، عبرت الأغنية الساحلية عن هوية شعب نسج من حياته أغنيةً رقص وحزن عليها، ونقلها إلى أجيال أتت بعده، لنكتشف أن أغنيةً بسيطةً استطاعت الحفاظ على تاريخ مكانٍ بكامله، ورسخت وجودها لدى الجيل الحديث عبر عدد من الفنانين السوريين الذين أعادوا تقديمها بأساليب جديدة، مع الحفاظ على روحها الأصلية رغم تغير الأذواق.
اقرأ أيضاً: كيف يرتبط عيد أكيتو بجميع السوريين؟









