المجتمع السوري

رفع أجرة المعاينة: بين حق الطبيب ووجع المواطن وحلول الترقيع

بقلم: ديانا الصالح

أثارت الأنباء المتداولة حول مُقترح نقابة الأطباء في سوريا لوزارة الصحة برفع أسعار المعاينات الطبية وأجور المشافي الخاصة، موجة جدل واسعة، في وقت يترنّح فيه السوريون تحت وطأة فوضى عارمة في التسعيرة وغياب الرقابة الفعلية.

وعلى الرغم من مسارعة النقابة لنفي وجود أي نقاش حول رفع الكشفية في الوقت الحالي، مؤكدة أن المقترح يدور حول توحيد التسعيرة فقط للحد من الفوضى الحالية، إلا أن ذلك فتح باباً للجدل حول احتمالية اعتماد تسعيرة أعلى لتكون مناسبة لمختلف الأطباء لا سيما بعد تداول عدة مصادر محلية تصريحات لنقيب الأطباء برفع توصيات للزيادة.

أي قرار يصب في جعبة المصلحة المهنية والحد من هجرة الأطباء هو حق مشروع لا يمكن الجدال فيه، ولكن ذلك لا ينفي اتساع الفجوة بين تكاليف العلاجات الطبية والكشفيات ودخل المواطن الذي يُعتبر هو الآخر صاحب حق في الحصول على صحة وكرامة محفوظة دون مكابرة على أوجاعه، بالتالي جوهر المشكلة لا يزال مفقوداً ولم يأخذ حقه في الدراسات الرسمية، التي تتبع سياسة الترقيع وفقاً لما يراه ناشطون محليون.

وما بين حقوق المهنة المشروعة والواقع المعيشي المتردي، تبرز عدة تساؤلات ملحّة: هل توحيد التسعيرة حلّ كافٍ لاقتلاع مشكلة التفاوت السعري الصارخ من جذورها؟ وكيف سيتحمل السوريون أجور معاينات تحولت من حاجة طبية إلى عبء معيشي خانق؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

كشفية الأطباء في سوريا تلوّح بالجديد

تداولت عدة تقارير إعلامية تصريحات منسوبة لنقيب الأطباء في سوريا مالك العطوي، حول رفع توصيات لوزارة الصحة بهدف زيادة التعرفة الطبية وأجور المشافي الخاصة، كمحاولة للموازنة بين الأسعار الرسمية والوضع الاقتصادي الحالي.

ليعود العطوي وينفي تلك الأنباء التي تتحدث عن وجود رفع حالي لتعرفة الكشفيات، موضحاً أن المقترح يهدف إلى إعداد تسعيرة موحدة، تنظم التفاوت الملحوظ في التسعيرة بين الأطباء في سوريا حالياً، وتعمل على تحسين الخدمة الصحية المقدمة، مشيراً إلى أن أي تسعيرة قادمة ستراعي عدة معايير منها سنوات خبرة الطبيب ونوع اختصاصه إلى جانب موقع عيادته أو المشفى، مع وجود فارق بين الأرياف والمدن.

كما يؤكد العطوي تفاوت قيمة التعرفة الحالية التي تتراوح بين 50 إلى 250 ألف ليرة، كما يمكن أن تبلغ في بعض الحالات 500 ألف ليرة، وذلك يتوقف على خبرة الطبيب والأجهزة الطبية المستخدمة إضافة إلى نوعية الخدمات المقدمة، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير مستوى الطلب ومدى ازدحام العيادة.

تلك التعرفة لا تنتهي عند التشخيص، فلها مراحل لاحقة تتعلق بشراء الأدوية والفحوصات والتحاليل المخبرية، أي أن المواطن وحده في ميدان معركة صحية كاملة الأركان دون سلاح فعال قادر على حمايته أو الدفاع عنه، مما يجعله يعيد التفكير ألف مرة قبل اتخاذ قرار مراجعة الطبيب.

وعلى الرغم من نفي الدراسة الحالية لرفع التعرفة الطبية، إلا أن التصريحات الرسمية الجديدة تلوّح ببوادر ارتفاع مستقبلي، وهذا ما يضع عدة علامات استفهام حول السياسات المُعتمدة في حل مشكلة التسعيرة المتباينة بشكل لافت بين عيادة وأخرى، حسبما يرى مراقبون.

ضعف النظام الصحي

كما يؤكد الخبراء أن جوهر المشكلة لا يتعلق بإجراءات إصلاحية إسعافية تتماشى مع الواقع المرهون، وإنما يكمن في ضعف كينونة النظام الصحي ككل من نقص الكوادر الناجم عن الهجرة وضعف التمويل اللازم، وليس انتهاءً بتدهور البنية التحتية والأنظمة الرقابية الفعالة، بالتالي عدم الوقوف عند السبب الحقيقي واقتلاعه من جذوره سيُخفق أي إجراءات ترقيعية (مثل تعديل التسعيرة أو توحيدها على سبيل المثال).

أي أن تلك الإجراءات لن تكون فعالة ما لم تُرافقها مجموعة من الإصلاحات الهيكلية الشاملة للمنظومة الصحية في سوريا، وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية توسيع غطاء التأمين الصحي ليشمل شرائح أكبر من المجتمع، مع مراعاة تقديم برامج دعم كفيلة بضمان صحة وكرامة الفقراء.

واقع اجتماعي صحي هشّ

لم تعد تسعيرة كشفيات الأطباء في سوريا مجرد تكلفة علاجية اعتيادية، بل باتت حملاً ثقيلاً يرهق كاهل السوريين، المنهكين أصلاً من تصاعد الضغوطات الاقتصادية والمعيشية، لا سيما في ظل التفاوت السعري الذي اعتمده العديد من الأطباء، والذي يراه مراقبون محاولة للقفز فوق سياج التكاليف المعيشية، بينما يعتقد آخرون أنه إعلان صريح بتحول تلك المهنة الإنسانية إلى باب من أبواب السوق الحر التي تتماشى مع جشع بعض ضعاف النفوس.

كما يدفع عدم الالتزام بالتسعيرة الطبية المُعتمدة، الناس إلى بدائل أخرى قسرية، مثل طب الأعشاب ووصفات الإنترنت إلى جانب الاكتفاء باستشارة الصيدلاني، هرباً من تكلفة الكشفية التي باتت تفوق قدراتهم المعيشية، وهذا ما قد يوقع الكثيرين منهم في مشاكل صحية كان من الممكن تلافيها.

تنقل المواطنة كندا العلي لسوريا اليوم 24 تجربتها، قائلة: “بعيداً عن الجدل حول الدراسات المقترحة، فإن تسعيرة الكشفية خرجت عن السيطرة منذ زمن، لقد أجبرتني موجة الغلاء المعيشي على استشارة صيدلاني بخصوص حالة طفلتي، لكن تلك الاستشارة أدت إلى إصابتها بحالة جفاف شديدة استدعت دخولها المستشفى ثلاثة أيام”.

أما المواطن مالك السالم فيروي رحلته مع مرض السكري والقلب لسوريا اليوم 24، قائلاً: “أدويتي غالية الثمن وبالكاد أستطيع تأمينها، وأعتبر مجرد شراء حقن الأنسولين إنجازاً عظيماً”، مضيفاً أن ارتفاع أجور الأطباء والمشافي جعله “يكابر” على أوجاعه، مما أدى إلى إصابته بأزمة قلبية أثناء قيادته لدراجته النارية، نجا منها بأعجوبة لكنه اضطر إلى بيع قطعة أرضه الوحيدة ليتمكن من دفع تكاليف عمليته الجراحية

الاعتبارات الواجب مراعاتها

وفي هذا الصدد، يؤكد محللون أن الاعتبارات الأساسية التي يجب مراعاتها في دراسة أي قرار يتعلق بتوحيد التعرفة أو تعديلها، يجب أن تتمحور حول خبرة الطبيب الطويلة وموقع عيادته ونتائج خدماته الصحية، إلى جانب التأكيد على أهمية الاختصاصات النادرة لا سيما في ظل الهجرة المتواصلة للكادر الطبي، الناجمة عن مطبات السياسات الصحية في سوريا، فضلاً عن تسليط الضوء على الواقع المعيشي للمواطنين فهم الضحية الأولى والأخيرة لتلك الإجراءات غير المدروسة وفقاً لما يراه خبراء اقتصاديون.

إن مسألة تحقيق الموازنة الفعالة بين حق الطبيب المشروع في الحصول على عيشة كريمة تتماشى مع معدل التضخم وغلاء المعيشة، واستحقاق المواطن في الحفاظ على صحته وكرامته، مرهونة بالإدارة السياسية التي تقع على عاتق وزارة الصحة والجهات المعنية، فالعمل المؤسساتي الجماعي الذي يعتمد رؤى استراتيجية واضحة وخططاً تنموية للنهوض بالواقع الصحي، قادر على انتشال المواطن والطبيب من هاوية المفارقات السعرية وصراع المصالح، كما يفضي إلى تحقيق توازن صحي مستدام.

اقرأ أيضاً: الأطباء المقيمون في مشافي وزارة الصحة..عشرة أشهر بلا رواتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى