المجتمع السوري

الأطباء السوريون بين البقاء والرحيل: هل ما زالت ألمانيا الوجهة الأولى؟

بقلم هلا يوسف

كان للحرب السورية دورٌ كبيرٌ في هجرة الأطباء منها، فمنذ عام 2011 بدأ طلاب كليات الطب يواجهون واقعاً مختلفاً عما عرفته الأجيال السابقة، واقع جعلهم يفكرون بمستقبلهم في وقت مبكر جداً. حيث بدؤوا البحث عن المستقبل المستقر منذ السنوات الجامعية الأولى، مدفوعين بالإمكانيات الحقيقية لممارسة المهنة بعد التخرج في سوريا. وهنا بدأت تظهر اللغة الألمانية كخطوة أساسية في تخطيط المستقبل المهني بعد أن تحولت ألمانيا لوجهة رئيسية للأطباء السوريين اللاجئين. لكن السؤال الذي يظهر اليوم: هل ما زال نزيف القطاع الطبي جارياً؟ وهل ما زال الأطباء السوريون مرحب بهم في ألمانيا بعد التحرير؟

عند العودة إلى ما قبل الثورة السورية لم يكن في دمشق سوى معهد واحد لتدريس اللغة الألمانية وهو “معهد غوته”، إذ كان اهتمام الطلاب قبل عام 2013 ينحصر بالإنجليزية والفرنسية بحسب مدير المركز العربي في دمشق عبد الله صالح. إلا أن سنوات الحرب التي تلت الحراك الثوري شهدت افتتاح عشرات المعاهد الجديدة التي تدرس الألمانية، مدفوعة بإقبال طلاب الطب بشكل خاص.

ففي عام 2022، سجل أكثر من ألف طالب لتعلم الألمانية في معهد صالح وحده، سبعون في المئة منهم من طلاب الطب أو العاملين في القطاع الصحي، مما عكس تحول اللغة إلى استثمار طويل الأمد يبدأ خلال الدراسة الجامعية.

ويؤكد نبوغ العوا، العميد السابق لكلية الطب في جامعة دمشق، أن هذا التوجه أصبح شبه قاعدة، إذ بات كثير من الطلاب يبدؤون تعلم الألمانية في سنواتهم الأولى، إدراكاً منهم أن إتقان اللغة يحتاج وقتاً طويلاً لا يمكن تعويضه بعد التخرج.

لماذا ألمانيا؟ الهجرة الطبية كخيار مهني لا كحل مؤقت

في ظل القيود الصارمة على التأشيرات التي يواجهها السوريون، برز القطاع الصحي كاستثناء نسبي، حيث أبدت دول تعاني نقصاً في الكوادر الطبية وعلى رأسها ألمانيا، استعداداً أكبر لاستقبال الأطباء المؤهلين. غير أن الطريق لم يكن سهلاً، إذ تشترط ألمانيا مستوى لغوياً متقدماً لا يقل عن B2، إلى جانب اجتياز امتحان اللغة الطبية التخصصي ومعادلة الشهادات والتقدم بطلب ترخيص رسمي لدى سلطات الولاية.

وكان التوجه نحو ألمانياً حصراً بسبب وضوح خطوات اللجوء، ومتطلبات المهنة قياساً بدول أوروبية أخرى، ومن خلال تجارب الكثير من الأطباء السوريين في ألمانيا، شكلت لدى طلاب الطب في سوريا قناعة بأن ألمانيا ليست مجرد ملاذ مؤقت، بل مسار مهني واضح المعالم، يتطلب تخطيطاً مبكراً وجهداً طويل النفس، وهو ما يفسر إقبالهم على تعلم اللغة خلال سنوات الجامعة بدل انتظار ما بعد التخرج.

ما بعد التحرير: هل تغيّر الاتجاه؟

على الرغم من سقوط النظام السوري في كانون الأول 2024 وإلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية التي فر منها الكثيرين، لم يتغير المشهد جذرياً بالنسبة للأطباء داخل سوريا. فالرواتب الشهرية التي لا تتجاوز في كثير من الحالات ما يعادل مليون ليرة سورية لم تعد تكفي لتغطية أبسط الاحتياجات، ويعتمد أطباء الاختصاص بشكل كبير على دعم عائلاتهم.

إلى جانب ذلك ما تزال فرص التخصص والدراسات العليا محدودة، وتكاليف الدورات العلمية مرتفعة، مما يجعل خيار البقاء محفوفاً بخسائر مادية ومهنية. أحد الأطباء لخص هذه المعضلة بالقول إن الطبيب بات أمام خيارين قاسيين: إما تخفيض الأسعار مراعاةً لظروف المرضى فيخسر مادياً، أو رفعها فيخسر مرضاه وقيمه الإنسانية.

والجدير بالذكر أن سوريا تعاني من نقص حاد في اختصاصات مثل التخدير والإنعاش والطب الشرعي وطب الأسرة، حيث تجاوزت نسبة العجز 75%، وحتى مع التغييرات السياسية ما زالت دوافع الهجرة قائمة.

في المقابل، يواصل الأطباء السوريون لعب دور محوري في النظام الصحي الألماني. فبحسب الجمعية الطبية الألمانية بلغ عدد الأطباء السوريين العاملين في ألمانيا نحو 5400 طبيب عام 2021، وارتفع في السنوات الأخيرة إلى قرابة 6000، دون احتساب غير المجنسين، ما يعني أن العدد الفعلي قد يصل إلى عشرة آلاف.

يشكل السوريون اليوم أكبر مجموعة من الأطباء الأجانب في ألمانيا بنسبة تقارب 16%، ويتركز وجودهم في المستشفيات التي تعاني نقصاً في الكوادر، خاصة في المناطق الريفية. ورغم الجدل السياسي الذي أثارته تصريحات المستشار فريدريش ميرتس حول مستقبل اللاجئين السوريين، وضرورة عودتهم إلى بلادهم، حذرت مؤسسات صحية ألمانية نقلتها صحيفة فاينانشيال تايمز، من أن فقدان الأطباء السوريين سيؤدي إلى اختناقات حادة في المستشفيات ودور الرعاية، في وقت يحتاج فيه القطاع الصحي الألماني إلى مئات آلاف العاملين خلال العقود المقبلة بسبب شيخوخة السكان.

ومن أسباب هجرة الأطباء إلى ألمانيا وجود مستوى عالي من التدريب المتاح في مختلف التخصصات، بالإضافة إلى جودة وقوة نظام الرعاية الصحية، عدا عن النقص الكبير في عدد الأطباء الذي واجهته ألمانيا في السنوات الأخيرة، دون وجود أي مؤشرات على التحسن في السنوات المقبلة. حيث يواجه قطاع الرعاية الصحية نقصاً حاداً في العمالة الماهرة، وسيحتاج إلى توظيف ما لا يقل عن 280 ألف موظف إضافي بحلول عام 2049. بينما من المتوقع أن تصل نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم عن 67 عاماً إلى ربع السكان بحلول عام 2035.

في النهاية يمكن القول إن تعلم اللغة الألمانية خلال الدراسة الجامعية لم يكن ظاهرة عابرة، بل استجابة منطقية لواقع مهني واقتصادي ضاغط. ورغم التحولات السياسية الأخيرة، ما زال هذا التوجه قائماً، ومحكوماً بمعادلة لم تتغير بعد: نظام صحي سوري عاجز عن استيعاب كوادره، ونظام صحي ألماني لا يستطيع الاستغناء عنها.

اقرأ أيضاً: بين الواجب الإنساني والواقع القاسي: احتجاجات الأطباء في ريف دمشق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى