الأصول المجمدة في الخارج: رحلة شاقة بين شفافية الحكومة وإرادة المجتمع الدولي

بقلم هلا يوسف
يشكل ملف متابعة الأصول المجمدة أحد الملفات الشائكة التي تعبر عن مدى تداخل الحكم بالثروة. وكيفية تحويل الأموال العامة إلى منافذ للاستفادة الشخصية وبناء امبراطوريات مالية على حساب الشعب. إلا أن هذه الأصول تعدت حدود الوطن لتشمل عدد من دول العالم. حيث كانت دول مثل بريطانيا وفرنسا وأمريكا وسويسرا موطناً لأموال العديد من قادة النظام السابق وعلى رأسهم بشار الأسد وأفراد أسرته. في هذا المقال سنتحدث عن الأصول المستردة من رفعت الأسد، والإجراءات القانونية الدولية الواجب اتباعها لاستعادة هذه الأصول.
في سياق تتبع أصول عائلة الأسد في الخارج، يبرز ملف رفعت الأسد بوصفه أوضح مثال على تراكم الثروة عبر شبكات الفساد المنظمة. فبحسب مازن درويش مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، تستعد فرنسا لتحويل نحو 32 مليون يورو من الأصول المصادرة من رفعت الأسد إلى الحكومة السورية، على أن تستكمل العملية تدريجياً لتشمل أصولاً قد تتجاوز قيمتها 80 مليون يورو، وربما تصل إلى نحو 90 مليون، وتشمل عقارات فاخرة في فرنسا. ويأتي ذلك بعد حكم قضائي فرنسي سابق أدان رفعت الأسد عم بشار الأسد، بالسجن أربع سنوات بتهم غسل الأموال واختلاس المال العام، في قضية وُصفت بالتاريخية من قبل منظمة “شيربا” التي تابعت الملف منذ عام 2013.
تشير التحقيقات الأوروبية إلى أن إمبراطورية رفعت العقارية، الممتدة بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا، والتي تضم مئات العقارات وتقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات، بنيت على أموال منهوبة من الدولة السورية منذ فترة الثمانينيات. بينما لا ينفصل هذا الملف عن الثروة الأكبر لعائلة الأسد، إذ تقدر صافي ثروة بشار الأسد بمليارات الدولارات، فيما تشير تقارير أمريكية وأوروبية إلى أن الأصول المرتبطة بالعائلة قد تصل إلى نحو 12 مليار دولار، موزعة بين شركات وحسابات مصرفية وأصول مجمدة في بريطانيا وسويسرا ودول أخرى.
يرى درويش أن هذه القضايا تثبت أن الفساد في النظام السوري كان متجذراً في السلطة لا حالات فردية، وأن استعادة الأصول يجب أن ترافقها شفافية حقيقية وضمانات لعدم إعادة إنتاج شبكات المحسوبية، مع توجيه الأموال نحو العدالة، والكشف عن مصير المفقودين، وتعويض الضحايا، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي مسار سياسي أو اقتصادي جديد في سوريا.
اقرأ أيضاً: تقرير رويترز حول تحركات شخصيات مرتبطة بالأسد: بين الواقع وتشكيك المحللين
الفرق بين الأصول السيادية وأموال الشخصيات المرتبطة بالنظام
يميز الخبراء في ملفات استرداد الأموال بين نوعين أساسيين من الثروات: الأصول السيادية العائدة للدولة، وأموال النخب الحاكمة التي تسجل غالباً بأسماء شخصية أو عبر شركات واجهة أو وهمية. ويعد هذا التمييز جوهرياً، لأن مسارات التتبع والاسترداد تختلف جذرياً بين الحالتين، إذ إن أموال النخب تمثل التحدي الأكبر بسبب الأساليب المعقدة التي تُستخدم لإخفائها وتمويه مصدرها. في حين الأموال التابعة للجهات الحكومية يكفي إلغاء تجميدها لتتحول إلى الدولة السورية.
يوضح الباحث والاستشاري في القانون الدولي محمد حربلية أن تجميد الأصول يمكن أن يتم بقرار من مجلس الأمن الدولي، أو بإجراء أحادي من دولة ما بحق أفراد أو كيانات أو حتى دول أخرى، لأسباب تتعلق بتهديد السلم والأمن الدوليين، أو بدعم الإرهاب، أو بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وقد يشمل هذا التجميد أصولاً سيادية تابعة للدولة، أو أموالاً شخصية لمسؤولين نافذين.
من جانبه يشير المستشار الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة الشفافية الدولية مانويل بيرينو، إلى أن الجزء الأكبر من ثروة عائلة الأسد كانت موزعة في حسابات شخصية متعددة، في حين وجد جزء محدود من الثروة داخل مؤسسات رسمية مثل المصرف المركزي السوري، ما يعكس تداخلاً معقداً بين المال العام والخاص.
ويشرح مدير قسم الأبحاث والسياسات في منتدى المجتمع المدني لاسترداد الأصول (CIFAR) جاكسون أولدفيلد، أن الأصول السيادية هي تلك المسجلة مباشرة باسم الدولة، كالحسابات الحكومية أو الحصص المملوكة رسمياً لها في الخارج، بينما تبقى الثروات الخاصة أموالاً شخصية إلى أن يثبت القضاء أنه تم جمعها عن طريق فساد أو اختلاس. ولهذا السبب فإن فك تجميد الأصول الحكومية يكون عادة أسهل وأسرع، كونه قراراً سياسياً أو طريقاً قانونياً محدود التعقيد، بعكس أموال الأفراد والشركات التي تتطلب مسارات قضائية طويلة لإثبات مصدرها غير المشروع، وغالباً عبر أحكام نهائية غير قابلة للطعن.
وتؤكد الحكومة السورية الجديدة أن الأموال المجمدة في الخارج، وإن لم تكن ضخمة، تعود ملكيتها للشعب السوري، وستوظف وفق أولويات اقتصادية وطنية. ويرى بيرينو أن تركيز المصرف المركزي على استعادة أصوله السيادية يعود إلى سهولة استرجاعها مقارنة بأموال عائلة الأسد الخاصة، التي ما زالت تخضع لتعقيدات قانونية أكبر.
ويتفق الخبراء على أن ملاحقة أموال النخب الحاكمة عملية شاقة تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً، وجمع أدلة دقيقة تثبت أن هذه الثروات ناتجة عن الفساد. كما يشددون على ضرورة بناء مؤسسات سورية مستقلة وقوية قادرة على إدارة هذا الملف بشفافية واستمرارية، والاستفادة من أدوات قانونية مثل المصادرة المدنية، وآليات التعاون القضائي الدولي، ومذكرات التفاهم الثنائية.
وفي حال صادقت سوريا على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، فإن فرص استرداد الأصول ستتعزز بشكل كبير، بسبب اعتماد هذه العملية على التعاون الدولي وتبادل المعلومات. وفي هذا الخصوص تبرز أدوار جهات دولية متخصصة، مثل مبادرة StAR التابعة للبنك الدولي والأمم المتحدة، ومكاتب تنفيذ العقوبات في الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب فرق قانونية ومالية قادرة على تتبع الشركات الوهمية والحسابات السرية.
الطريقة التي تم فيها إخفاء ثروة الأسد وتحديات استعادتها
تكشف تقارير دولية أن عائلة الأسد اعتمدت على شبكة معقدة من الأدوات المالية والقانونية للالتفاف على العقوبات وإخفاء مصادر ثرواتها. وبحسب تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية صدر عام 2022، استخدمت العائلة أسماء مستعارة ووسطاء وشخصيات واجهة لإخفاء المالك الحقيقي للأموال، إلى جانب منظومة رعاية اقتصادية تضم شركات وهمية ومؤسسات تبدو قانونية، بعضها اتخذ شكل منظمات غير ربحية، تم استخدامها للوصول إلى الموارد المالية وغسل الأموال التي تم جمعها من أنشطة غير مشروعة.
يوضح الباحث والاستشاري في القانون الدولي محمد حربلية أن الشركات المسجلة خارج الحدود (Offshore) لعبت دوراً أساسياً في هذه المنظومة، إذ تتيح بعض الدول إنشاء كيانات مالية وحسابات مصرفية دون الكشف عن المستفيد الحقيقي، مما سهل على نظام الأسد وأفراد عائلته إخفاء ثرواتهم وتعقيد عملية تتبعها. هذه الهياكل القانونية، إلى جانب الحسابات السرية، جعلت تحديد حجم الأصول ومواقعها مهمة بالغة الصعوبة.
من جهته يشير مدير قسم الأبحاث والسياسات في منتدى المجتمع المدني لاسترداد الأصول (CIFAR)، جاكسون أولدفيلد، إلى أن أحد أبرز التحديات لا يكمن فقط في تعقب الأموال، بل في قلق الدول الحاضنة للأصول من مصيرها بعد إعادتها، خشية أن تعجز المؤسسات السورية عن إدارتها أو حمايتها من الفساد مجدداً. ولهذا السبب غالباً يمكن أن تتم إدارة هذه الأموال في حال استعادتها، عبر آليات دولية أو تحت إشراف الأمم المتحدة كما في العراق بعد سقوط صدام حسين، أو أن تخصص لمشاريع تنموية محددة ضمن اتفاقات واضحة مع الحكومة السورية.
ويؤكد المستشار في منظمة الشفافية الدولية، مانويل بيرينو، أن إعادة الأصول تطرح أسئلة حساسة تتعلق بالحوكمة: أي من الجهة التي ستدير الأموال؟ من يحدد طرق إنفاقها؟ ومن يتولى إدارة العوائد المتراكمة خلال فترة التجميد؟ وهنا تتم معالجة هذه الإشكالات عادة عبر اتفاقيات دولية وإقليمية تنظم دور المؤسسات المعنية، بما فيها المصرف المركزي السوري ووحدة الاستخبارات المالية (FIU)، رغم غياب توضيحات رسمية حول تفعيل هذه الوحدة بشكل منهجي حتى الآن.
ويرى الباحث في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية زكي محشي أن تعقيد الملف يعود إلى اعتماد الأسد وعائلته على شبكة واسعة من الآليات، شملت الملاذات الضريبية، وشركات الأوفشور، إضافة إلى الاستثمار في دول حليفة مثل روسيا والإمارات، حيث تقل فرص المصادرة أو التجميد. بالإضافة إلى أن الأمر لا يقتصر على الأدوات التقليدية، بل يمتد إلى استخدام العملات الرقمية، التي توفر درجة عالية من إخفاء الهوية وصعوبة التتبع.
ويضيف محشي أن فعالية التجميد ترتبط بالإطار القانوني للدول الحاضنة للأصول، فبينما تمتلك دول مثل سويسرا تشريعات خاصة بحجز أموال الحكام الفاسدين، تفتقر دول أخرى إلى الإرادة أو الأسس القانونية اللازمة، ما يجعل ملاحقة الأصول شبه مستحيلة. وتزداد الصعوبة عندما تسجل الأموال بأسماء أقارب أو مقربين، إذ يتطلب الأمر إثباتاً قضائياً دقيقاً بأن هذه الثروات ليست شخصية بل ناتجة عن فساد، رغم محاولات إضفاء شرعية شكلية عليها عبر واجهات اقتصادية.
وكنا قد ذكرنا معلومات حول دور المجتمع الدولي في تحقيق العدالة الانتقالية بهذا الخصوص، والعقوبات المفروضة على شخصيات كانت تابعة للنظام واستعادة الأصول في مقال سابق.
على الصعيد الدولي، توجد أطر قانونية يمكن الاستناد إليها في استعادة الأموال، أبرزها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، واتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة، إلى جانب أدوار منظمات المجتمع المدني. إلا أن سوريا لم تصادق على بعض هذه الاتفاقيات، ما يحد من استفادتها من آليات التعاون الدولي.
وفي هذا السياق، تلعب منظمات مثل الشفافية الدولية دوراً في التدريب والمناصرة، خصوصاً في مجالات كشف المستفيد الحقيقي من الملكية وتتبع التدفقات المالية غير المشروعة. ومع ذلك، يؤكد بيرينو أن إشراك منظمات المجتمع المدني السورية يظل تحدياً بسبب الوضع الأمني والسياسي، ويشترط العمل مع جهات مستقلة وغير حزبية لا يتعرض أعضاؤها للخطر.
أما في حال رفضت الدول تسليم الأموال المجمدة، فيبقى اللجوء إلى القضاء الدولي أو المحاكم الوطنية أحد الخيارات، وإن كان محدود الفعالية. ويطرح الخبراء مثالاً على ذلك حالة إيران، التي لم تنجح في استعادة جزء كبير من أموالها المجمدة رغم لجوئها إلى محكمة العدل الدولية. وبحسب حربلية، فإن قدرة أي دولة على استعادة أصولها تظل رهينة التوازن بين القانون الدولي، والتشريعات الوطنية للدول الحاضنة، والاعتبارات السياسية التي غالباً ما تحسم هذا النوع من الملفات.
باختصار، على الرغم من أن عملية استرداد الأموال المجمدة في الخارج صعبة، لكنها ممكنة في حال توافر شروطها، والتي على رأسها شفافية المصرف المركزي السوري والجهات الحكومية السورية، ومن ناحية أخرى توفر الإرادة الدولية بمساعدة سوريا بهذا الملف.
اقرأ أيضاً: ما هي تحديات ومسؤوليات المجتمع الدولي في مسار العدالة الانتقالية السورية؟









