الأحياء الشرقية في حلب: معاناة مستمرة بين الإهمال ووعود التحسين

بقلم هلا يوسف
لا تزال الأحياء الشرقية تعيش واقعاً خدمياً صعباً يثقل كاهل سكانها يوماً بعد آخر، على الرغم من مرور أكثر من عام على التحرير. هذه الأحياء التي كانت من أكثر المناطق تضرراً خلال سنوات الحرب ومنطلقاً للحراك الشعبي في بدايات الثورة السورية، تجد نفسها اليوم أمام تحديات معيشية متراكمة، وسط مطالب متجددة بتحسين الخدمات الأساسية وإنصافها ضمن خطط إعادة الإعمار.
معاناة الأهالي: خدمات غائبة وحياة مثقلة بالأعباء
يصف سكان الأحياء الشرقية واقعهم بأنه امتداد لسنوات طويلة من الإهمال، بدأت في عهد النظام السابق ولم تنتهِ بعد التحرير. وتشير شهادات الأهالي إلى انقطاع شبه كامل للكهرباء منذ عام 2016 في عدد من الأحياء، ما اضطرهم للاعتماد على المولدات الخاصة بتكاليف مرتفعة، في ظل ما يعتبرونه استغلالاً من أصحابها.
إلى جانب ذلك، تعاني هذه الأحياء من انقطاعات متكررة للمياه، تصل أحياناً لساعات وصل محدودة لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات، ما يدفع العائلات إلى شراء المياه من الصهاريج بأسعار تثقل ميزانياتها. وتزداد المعاناة في أحياء مثل صلاح الدين، السكري، الشعار، الصاخور، والنيرب، حيث تتقاطع أزمة المياه مع تهالك الشبكات وتسربها.
بينما يعد ملف النظافة الأكثر حضوراً في شكاوى السكان، إذ تنتشر القمامة في الشوارع والأزقة نتيجة غياب سيارات جمع النفايات ونقص العمال، ما خلق بيئة غير صحية، خاصة للأطفال. وتحدث الأهالي عن انتشار أمراض جلدية وحالات لشمانيا والتيفوئيد والتهاب الكبد، إضافة إلى مخاوف من تفشي أوبئة أخرى.
كما تشكو الأحياء الشرقية من سوء حال الطرقات المليئة بالحفر والطين والمياه الراكدة ذات الروائح الكريهة، إلى جانب غياب التنظيم المروري، وعدم وجود إشارات أو شرطة مرور، ما يؤدي إلى حوادث متكررة وفوضى في السير. ويضاف إلى ذلك استمرار وجود أنقاض في شوارع ضيقة.
على الصعيد الأمني، أشار سكان الحي إلى تزايد حوادث السرقة، خاصة خلال ساعات الليل، في ظل ضعف الدوريات، ما عزز شعوراً عاماً بعدم الأمان. كما برزت ظاهرة التسول بشكل لافت في الأسواق والمواقف العامة، لتصبح جزءًا من المشهد اليومي.
ولا تقتصر آثار هذا الواقع على الجانب المعيشي فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية والاجتماعية، حيث يؤكد مختصون أن الحرمان المستمر من الخدمات الأساسية يولد شعوراً بالإحباط واليأس، ويؤثر بشكل مباشر على الأطفال والنساء، حيث يلاحظ أن الأطفال أكثر عصبية أو عزلة نتيجة البيئة التي يعيشون بها، مع غياب أي برامج دعم نفسي أو اجتماعي مرافقة.
رد المحافظة والبلدية: إنجازات معلنة وتحديات قائمة
يبدو أن معظم إنجازات محافظة حلب متركزة في مناطق أخرى لا تشملها الإحياء الشرقية، فقد أكدت محافظة حلب أنها نفذت خلال العام الأول بعد التحرير مجموعة من المشاريع الخدمية في قطاعات متعددة، شملت الكهرباء، والصحة، والتعليم، والبنية التحتية، والمياه. وأوضحت أن شراكة مع شركة مختصة أسهمت في رفع ساعات التغذية الكهربائية من ساعتين إلى ثماني ساعات يومياً، لكنها لم تحدد تماماً ما هي الأحياء التي تحسنت فيها الكهرباء لأنه يبدو أن الوضع عكس ذلك في الأحياء الشرقية لحلب.
وفي القطاع الصحي، أعلنت المحافظة إعادة تشغيل عدد من المشافي العامة، وتفعيل عشرات المراكز الصحية، إلى جانب صيانة أجهزة طبية وتجهيز مشافٍ بأجهزة غسيل كلى، وتأهيل مركز نقل الدم. كما أشارت إلى ترميم مطار حلب الدولي وإعادة تشغيله، إضافة إلى تنفيذ مشاريع لإزالة الأنقاض، حيث تم ترحيل كميات كبيرة من الركام من عدة أحياء.
أما في قطاع التعليم، فقد تم تأهيل عشرات المدارس وتجهيز آلاف المقاعد الدراسية، فيما تعمل مديرية التربية على استكمال ترميم مدارس أخرى. وفي ملف المياه، جرى تأهيل محطات مياه وصيانة شبكات الصرف الصحي في عدد من المناطق المتضررة.
وعن النظافة، اعترفت جهات رسمية بأن هذا الملف لا يزال من أكثر التحديات صعوبة، خاصة في الأحياء الشرقية، بسبب النقص الكبير في عدد العمال والآليات، وضعف الموارد المالية. وأكد مصدر في بلدية حلب أن الجهود الحالية تقتصر على معالجات جزئية، في ظل حجم الدمار الكبير والحاجة إلى مشاريع استراتيجية طويلة الأمد.
كما أعلنت المحافظة تنفيذ حملات مرورية لمكافحة الازدحام وتنظيم السير، وحملات أخرى للحد من ظاهرة التسول، إضافة إلى تركيب كاميرات مراقبة في عدد من الشوارع والأسواق لتعزيز الأمن.
من جهته أشار عضو مجلس الشعب عقيل حسين إلى أن حلب تعاني إرهاقاً شديداً في بنيتها التحتية، وأكد أن منح المدينة أولوية أكبر أصبح ضرورة ملحة، لا سيما في الأحياء الشرقية. بينما رأى ناشطون أن المرحلة الحالية تشهد تحسناً في وصول صوت الناس إلى المسؤولين، إلا أن هذا التحسن لا يزال بحاجة إلى ترجمة عملية ملموسة على أرض الواقع.
وفي مقابل تحميل الجهات الرسمية جزءاً من المسؤولية، وجه بعض المواطنين انتقادات لسكان الأحياء أنفسهم، معتبرين أن ضعف المبادرات المجتمعية في تنظيف الأحياء والحفاظ عليها يزيد من تفاقم المشكلة.
في الختام، بين معاناة يومية يعيشها سكان الأحياء الشرقية في حلب، ووعود رسمية بتحسين الواقع الخدمي تدريجياً، يبقى هناك حلقة مفقودة بين ما يتم الإعلان عنه وما يلمسه الأهالي على الأرض. وفي ظل تحديات الشتاء الحالي، جدد الأهالي مطالبهم بمنح أحيائهم الأولوية، بما يضمن لهم حد أدنى من مقومات الحياة الأساسية.
اقرأ أيضاً: تقسيم حلب إلى عدة كتل .. تنظيم جديد هدفه الفاعلية وخدمة المواطن









