«اكتفاء دوائي» يتجاوز 80%: ماذا يغيب وراء الرقم؟

الكاتب: أحمد علي
قال معاون وزير الصحة للشؤون الصيدلانية هاني البغدادي في 23 تموز 2026 إن الإنتاج المحلي يؤمّن أكثر من 80% من احتياجات السوق السورية من الأدوية. جاء التصريح بعد إعلان سابق عن وجود 84 معملاً عاملاً ونحو 14 ألف مستحضر محلي، مقابل 1600 مستحضر مستورد، مع منح تراخيص لـ 12 معملاً جديداً بعد كانون الأول 2024.
توضح هذه الأرقام أن صناعة الدواء السورية ما زالت تحتفظ بقاعدة إنتاج واسعة بعد سنوات من الضرر والتوقف، لكنها لا تجيب عن سؤال أساسي. هل حُسبت نسبة التغطية بعدد الأصناف المسجلة، أم بحجم العبوات المباعة، أم بقيمة السوق، أم بمدى توافر الأدوية التي يحتاجها المرضى فعلاً؟ الفرق بين هذه المقاييس كبير، وهو الذي يحدد معنى الإعلان وحدوده.
اكتفاء دوائي بأي مقياس؟
لم يشرح تصريح تموز طريقة احتساب نسبة 80%، ولم ينشر جدولاً يوزعها على الزمر العلاجية أو يبيّن حجم الإنتاج الفعلي. عدد المستحضرات المسجلة لا يصلح وحده لحساب الاكتفاء، لأن المادة الفعالة الواحدة قد تُطرح بأسماء تجارية وتراكيز وأشكال صيدلانية متعددة، بينما قد يمثل دواء نوعي واحد حاجة لا يملك المريض بديلاً عنها.
المعلومات التي أعلنها مدير الشؤون الصيدلانية نزير العتقي في نيسان 2026 تزيد الحاجة إلى هذا التوضيح. فقد قال إن السوق تضم نحو 14 ألف مستحضر محلي و1600 مستحضر مستورد، وإن الإنتاج المحلي يغطي أكثر من 80% من الاحتياجات، فيما تؤمّن المستحضرات المستوردة قرابة 10%. وفي المقابلة الأحدث، قال البغدادي إن الأدوية النوعية المستوردة تمثل النسبة المتبقية، أي نحو 20%. لا توضح البيانات المتاحة سبب اختلاف الصيغتين، ولا ما إذا كانتا تستخدمان المقام نفسه.
أقر العتقي أيضاً بعدم وجود بيانات دقيقة لدى الوزارة عن القيمة السنوية للإنتاج أو حجم الاستهلاك المحلي والتصدير. لذلك يمكن التعامل مع نسبة 80% بوصفها تقديراً رسمياً لحضور المنتج المحلي في السوق، لكن لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة أو معرفة وزنها المالي. وقد تكون الحصة المحلية كبيرة في عدد العبوات والأصناف الشائعة، فيما تستحوذ الأدوية المستوردة على حصة أعلى من الإنفاق بسبب أسعار العلاجات التخصصية.
تضع منظمة الصحة العالمية معياراً أوسع للأدوية الأساسية، يقوم على توافرها المستمر بالكميات والأشكال المناسبة، مع ضمان الجودة وإمكان تحمل كلفتها من جانب المريض والنظام الصحي. وفق هذا المعيار، يصبح الاكتفاء الدوائي مرتبطاً بما يصل إلى الصيدلية والمستشفى وبقدرة الناس على شرائه، إضافة إلى بلد تصنيع العبوة.
المقارنة مع السنوات السابقة
سجلت الصناعة السورية قبل الحرب نسب تغطية أعلى من الرقم المعلن حالياً. تشير بيانات المكتب المركزي للإحصاء التي استندت إليها دراسة منشورة عن القطاع إلى أن 70 معملاً أنتجت 6895 مستحضراً عام 2010 وغطت 91% من حاجة السوق. وكانت الاستثناءات الرئيسية تشمل مشتقات الدم وأدوية السرطان واللقاحات. وتقدّر دراسة أخرى منشورة في العام نفسه التغطية بنحو 90%، مع صادرات دوائية سنوية بلغت قرابة 150 مليون دولار ووصول المنتجات إلى نحو 52 دولة.
استمرت التصريحات الرسمية بعد ذلك في استخدام نسب مرتفعة رغم الضرر الذي لحق بالمعامل. ففي آذار 2017 كان 71 معملاً عاملاً يغطي 85% من الزمر العلاجية وفق بيانات نُشرت آنذاك، ثم أعلن وزير الصحة في كانون الثاني 2018 أن الدواء الوطني يغطي 90% من حاجة السوق. وفي كانون الثاني 2019، بلغ عدد المعامل المرخصة 89، منها 77 معملاً منتجاً بصورة كاملة، وقدّرت التغطية بأكثر من 90%.
لا تسمح هذه السلسلة بالقول إن نسبة 2026 تمثل تحسناً على السنوات السابقة. الرقم الحالي أدنى من تقديرات 2010 و2018 و2019، غير أن اختلاف العبارات بين تغطية السوق وتغطية الزمر العلاجية وعدد المستحضرات يجعل المقارنة تقريبية. تكشف الفجوة غياب مقياس ثابت يُنشر كل عام، ولذلك قد يتغير الرقم بسبب طريقة الحساب قبل أن يتغير الإنتاج نفسه.
المقارنة بعدد المعامل تعطي نتيجة مشابهة. ارتفع العدد من 70 معملاً مرخصاً عام 2010 إلى 97 في عام 2020، لكن الاتحاد العربي لمنتجي الأدوية والمستلزمات الطبية أشار إلى صعوبة معرفة عدد العامل منها وإلى تشغيل بعضها بأقل من طاقته. الرقم الأحدث يتحدث عن 84 معملاً عاملاً و12 ترخيصاً جديداً، والترخيص لا يعني أن المصنع بدأ الإنتاج أو وصل إلى طاقته المقررة.
تراجع الامتداد التصديري أيضاً. تصل الأدوية السورية حالياً إلى 23 دولة، وتقدّر بيانات المجلس العلمي للصناعات الدوائية قيمة الصادرات في 2025 بنحو 40 مليون دولار سنوياً. المقارنة مع نحو 52 سوقاً و150 مليون دولار قبل الحرب تشير إلى استعادة جزء من النشاط، مع بقاء المسافة كبيرة عن مستوى القطاع السابق. ولا تتوافر بيانات رسمية مفصلة تفصل ما يُنتج للسوق المحلية عما يخرج إلى التصدير.
التوافر والسعر
تتركز الفجوة الأهم في الأدوية النوعية التي ما زالت البلاد تستوردها. اعترف وزير الصحة مصعب العلي في نيسان 2026 بوجود نقص في بعض هذه الأدوية، وأعلن مناقصة تتجاوز قيمتها 60 مليون دولار لتأمين أدوية المستشفيات بمشاركة شركات محلية وأجنبية. هذا الإنفاق يوضح أن الحصة المتبقية قد تكون محدودة بعدد العبوات، لكنها ترتبط بعلاجات مرتفعة الكلفة وبحالات لا تحتمل الانقطاع.
يخفف انتشار الأدوية الجنيسة المحلية الحاجة إلى استيراد بدائل جاهزة، ويفيد المرضى حين تكون أسعارها أدنى من المستورد. كما يمنح الدولة قدرة أفضل على إدارة جزء من احتياجات المستشفيات بالعملة المحلية. لكن غياب بيانات قيمة السوق يمنع حساب ما وفره الإنتاج فعلياً من القطع الأجنبي، أو معرفة مقدار ما تستنزفه الأدوية النوعية من فاتورة الاستيراد.
يظهر جانب آخر عند الانتقال من وجود الصنف إلى سعره. رُفعت أسعار الأدوية ثلاث مرات خلال عام 2023، ووصلت الزيادة الأخيرة في كانون الأول إلى ما بين 70 و100% بحسب تقارير صحفية وتصريحات نقابية. وتقول وزارة الصحة إن أسعار المستحضرات المحلية لم تتغير منذ ذلك التاريخ، كما أعلن الوزير في نيسان 2026 اتفاقاً على عدم رفعها رغم مطالب المنتجين.
يحمي تثبيت السعر المريض من زيادة جديدة في المدى القريب، لكنه يضغط على إنتاج الأصناف التي ترتفع كلفتها فوق السعر المحدد. شرح ممثلون عن الصناعة في حزيران 2025 أن بعض المستحضرات أصبحت خاسرة فتوقفت معامل عن تصنيعها. النتيجة المحتملة هي وجود مصنع مرخص وصنف مسجل من دون تدفق منتظم إلى السوق، وهو فرق لا يظهر في نسبة الاكتفاء المعلنة.
ترتبط الكلفة أيضاً بالمواد الأولية والتحويلات المالية والطاقة. خفّضت الحكومة الرسوم الجمركية على معظم المواد الداخلة في التصنيع الدوائي إلى نحو 27 دولاراً للطن ابتداء من حزيران 2026، وهي خطوة تخفف جزءاً من عبء الاستيراد. استمرار استيراد المواد الأولية يبقي الإنتاج المحلي معرضاً لتقلب سعر الصرف وتأخر الشحنات، أي إن الاعتماد الخارجي ينتقل من الدواء الجاهز إلى مدخلاته.
تقول الوزارة إن المعامل تخضع لتفتيش دوري وإن عينات تُسحب من السوق وتُحلل وفق الدساتير الدوائية، كما تعمل على إنشاء هيئة رقابية مستقلة. البيانات المنشورة لا تتضمن حتى الآن نسب نجاح العينات أو عدد حالات السحب ومعدل انقطاع الأصناف الأساسية بين المحافظات. نشر هذه المؤشرات سيجعل تقييم الجودة والتوافر ممكناً، وسيمنح نسبة الإنتاج معنى يمكن قياسه.
تثبت نسبة تتجاوز 80% أن الصناعة السورية قادرة على توفير جزء واسع من الأدوية الشائعة، وأنها ما زالت رصيداً مهماً للاقتصاد والصحة العامة. البيانات الحالية لا تثبت وصول هذه التغطية إلى المرضى بصورة متساوية، ولا توضح كلفة الجزء المستورد أو استقرار الإمداد المحلي. يحتاج قياس الاكتفاء إلى منهج معلن يفرّق بين عدد الأصناف وحجم الاستهلاك وقيمة السوق، ثم يربطها بالتوافر والسعر والجودة. إلى أن تنشر هذه البيانات، يبقى الرقم مؤشراً على القدرة الصناعية، ولا يكفي للحكم على الأمن الدوائي.
اقرأ أيضاً: لماذا تسحب بعض الأدوية من الأسواق السورية؟









