المجتمع السوري

اعتماد شهادات الجامعات التركية في الشمال السوري.. تسوية للواقع أم جدل أكاديمي؟

بقلم: ديانا الصالح

أثار قرار مجلس التعليم العالي حول اعتماد شهادات الجامعات التركية الممنوحة لخريجي فروع هذه الجامعات العاملة في مناطق الشمال السوري جدلاً أكاديمياً وتعليمياً واسعاً، فهناك من اعتبره خطوة لمعالجة واقع فرضته سنوات الحرب وهناك من وجده مدخلاً لأسئلة جديدة تتعلق بمعايير الاعتراف الأكاديمي وآليات توحيد منظومة التعليم العالي في سوريا.

وقد أُصدر القرار خلال اجتماع مجلس التعليم العالي الذي أقر اعتماد شهادات خريجي فروع الجامعات التركية العاملة في الشمال السوري مع تكليف جامعة حلب باستكمال إجراءات التصديق والتعديل الأصولية للشهادات الصادرة عن هذه المؤسسات التعليمية.

ويفتح القرار الباب أمام آلاف الخريجين لتسوية أوضاعهم الأكاديمية والإدارية لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على واحد من أكثر الملفات التعليمية تعقيداً منذ عام 2011 وهو ملف المؤسسات الجامعية التي نشأت خارج المنظومة التعليمية الحكومية الرسمية.

كيف نشأت فروع الجامعات التركية في الشمال السوري؟

شهدت مناطق شمال سوريا خلال سنوات الحرب افتتاح عدد من الكليات والمعاهد التابعة لجامعات تركية حكومية، أبرزها جامعة غازي عنتاب وجامعة العلوم الصحية التركية وذلك في مدن منها إعزاز والباب والراعي وعفرين.

تأسيس هذه الفروع كان استجابة لحاجة إلى التعليم الجامعي في المناطق التي تعذر على كثير من الطلاب فيها الوصول إلى الجامعات السورية الحكومية أو الخاصة الموجودة في المدن الأخرى.

وخلال السنوات الماضية استقطبت هذه الجامعات آلاف الطلاب السوريين، وافتتحت تخصصات متنوعة في مجالات الطب والهندسة والاقتصاد والعلوم الإنسانية، مع اعتماد المناهج والأنظمة الأكاديمية المعمول بها في الجامعات الأم داخل تركيا.

وعلى الرغم من استمرار العملية التعليمية وتخريج دفعات متتالية من الطلاب إلا أن مسألة اعتماد شهادات الجامعات التركية في سوريا بقيت واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل سواء بالنسبة للخريجين أو الجهات التعليمية المعنية.

ماذا يتضمن قرار الاعتماد؟

وفق ما أعلنته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي فإن القرار يشمل اعتماد وتصديق الشهادات الصادرة عن فروع الجامعات التركية العاملة في الشمال السوري، كما أوضحت الوزارة أن جامعة حلب ستكون هي الجهة المسؤولة عن استكمال معاملات التصديق والتعديل للشهادات مما يسمح للخريجين من هذه الجامعات متابعة إجراءاتهم الأكاديمية والإدارية.

الجدير بالذكر أن القرار يعتبر تنظيماً لوضع الشهادات التي تم منحها للخريجين وهو ما يمكن اعتباره تسوية واقع قائم، وليس اعترافاً جديداً بالجامعات ذاتها.

بين الإنصاف الأكاديمي ومخاوف المعايير التعليمية

وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي صرّح أن “هذا القرار جاء انطلاقاً من حرص الوزارة على معالجة ‏الملفات الأكاديمية العالقة، وإنصاف الطلبة والخريجين من الجامعات التركية في ‏الشمال السوري”.

وعلى الرغم من الترحيب الذي أبداه العديد من الخريجين بالقرار إلا أن الأمر لم يتوقف على الجانب الإجرائي والإداري فقط، حيث برزت عدة تساؤلات أكاديمية تتعلق بمعايير الاعتماد التي استند إليها القرار وآلية تقييم البرامج التعليمية التي قدمتها تلك الفروع خلال السنوات الماضية.

ويتساءل أكاديميون عما إذا كانت جميع التخصصات والبرامج كانت قد تمت مراجعتها بشكل علمي دقيق قبل اتخاذ قرار اعتماد شهادات الجامعات التركية في الشمال، خاصة أن ظروف الحرب كانت سبباً كافياً لوجود بعض المشاكل في الإمكانات التعليمية والبنية التحتية بين منطقة وأخرى.

ملف شهادات الإدارة الذاتية

بينما خرج خريجو الجامعات التركية في الشمال السوري من دائرة الانتظار ما يزال آلاف الطلاب من خريجي المدارس والجامعات التابعة للإدارة الذاتية يعيشون داخل هذه الدائرة وضمن حالة من القلق، خاصة أن شهاداتهم لا تعدو كونها أوراق تنتظر الاعتراف الرسمي الذي يحدد مصير سنوات الدراسة وسنوات المستقبل العملي.

وتضم مناطق الإدارة الذاتية عدداً من الجامعات والمؤسسات التعليمية التي تأسست خلال سنوات الحرب أيضاً وهي خرّجت الآلاف من الطلاب باختصاصات مختلفة إلا أن شهاداتها ما تزال تواجه تحديات تتعلق بالاعتراف والمعادلة ضمن منظومة التعليم العالي السورية.

بالتالي فإن قرار اعتماد شهادات الجامعات التركية بأفرعها في الشمال يسلط الضوء على مطالب خريجي جامعات الإدارة الذاتية الذين ينتظرون إيجاد آلية قانونية وأكاديمية واضحة لمعالجة أوضاعهم التعليمية وكذلك المهنية.

أما بالنسبة لرأي زارة التعليم العالي، فهي تؤكد أن ملف الجامعات التركية جاء نتيجة ترتيبات خاصة مرتبطة بطبيعة هذه المؤسسات وعلاقاتها الأكاديمية مع الجامعات الأم التركية.

عشرات الآلاف دون رقم رسمي دقيق

تقدّر أعداد خريجي فروع الجامعات التركية في الشمال السوري بنحو “عشرات الآلاف” وسط غياب إحصاء رسمي دقيق يحدد العدد الفعلي لهؤلاء الخريجين بشكل منفصل عن بقية الطلبة السوريين الدارسين في تركيا أو في برامج جامعية مرتبطة بها، وهذا الغياب للإحصاءات التفصيلية يعكس واحدة من الإشكالات البنيوية في ملف التعليم العالي في سوريا خلال سنوات الحرب حيث تداخلت المسارات التعليمية وتعددت الجهات المشرفة على العملية الأكاديمية.

وبالتالي فإن هذا الواقع يشكل تحدياً أوسع أمام النظام التعليمي العالي في سوريا حول توحيد قواعد البيانات الخاصة بالخريجين والمؤسسات التعليمية ويقلل من قدرة الجهات الرسمية على بناء صورة دقيقة عن حجم المخرجات الجامعية وتوزّعها.

لاسيّما أن الاعتراف وتصديق الشهادات سيفتح المجال أمام الخريجين للعمل داخل المؤسسات العامة والخاصة ويمكنهم من متابعة الدراسات العليا في مختلف الجامعات السورية أو استكمال إجراءات معادلة المؤهلات العلمية.

لذلك، فإن عدم وجود إحصاءات رسمية تفصيلية حول خريجي هذه الأفرع سيترك إشارة استفهام عن موقع النظام التعليمي السوري ضمن التصنيفات الدولية سواء حول جودة التعليم العالي أو مستوى الشفافية في البيانات وصولاً إلى القدرة على توحيد المعايير الأكاديمية بين مختلف المؤسسات.

كما يثير هذا الغياب تساؤلات حول ما إذا كانت السلطات التعليمية ستتبع النهج ذاته مع مؤسسات تعليمية أخرى، أم أن حالة الجامعات التركية ستبقى استثناءً مرتبطاً بخصوصية وضعها القانوني والأكاديمي.

وبناء على ذلك، يظل التساؤل قائماً حول إمكانية اعتماد شهادات مؤسسات تعليمية أخرى نشأت خلال سنوات الحرب أو أن القرار سيبقى محصوراً على اعتماد شهادات الجامعات التركية كحالة استثنائية لها خصوصيتها.

اقرأ أيضاً: مشروع “ألف مبرمج”: هل تصبح الجامعات السورية مختبراً للحلول الرقمية؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى