سياسة

اعتقال فيلبس.. هل تعلن الحكومة موقفها من الخطاب الجهادي العابر للحدود؟

بقلم هلا يوسف

أعاد اعتقال الصحفي الأجنبي داريل فيلبس، المعروف باسم بلال عبد الكريم، ملف المقاتلين الأجانب إلى الواجهة. لكن الحدث لا يتصل بشخص واحد فقط، بل يرتبط بسؤال أوسع حول تعامل الحكومة السورية مع الخطاب الجهادي العابر للحدود، ومع الأصوات التي ما زالت تتحرك ضمن ثنائية «المسلمين مقابل الكفار» بوصفها إطاراً لتفسير السياسة والصراع.

ذكرت وكالة رويترز أن قوات الأمن السورية أوقفت عبد الكريم في مدينة الباب شمالي محافظة حلب، على خلفية انتقاداته العلنية للحكومة السورية الجديدة وتقاربها مع أمريكا. وحتى الآن لم تصدر توضيحات رسمية من وزارتي الإعلام أو الداخلية.

تصف رويترز عبد الكريم بأنه شخصية مؤثرة بين الإسلاميين الأجانب في سوريا. هذا التوصيف لا يقتصر على الحضور الإعلامي، بل يضعه داخل فضاء فكري معروف في أدبيات مراكز الأبحاث بوصفه «الخطاب الجهادي العابر للحدود»، أي خطاب لا يتعامل مع الدولة وحدودها كمرجعية نهائية، بل كعائق مؤقت أمام مشروع أوسع. تقارير صادرة عن International Crisis Group وCTC at West Point تشير إلى أن هذا النوع من الخطاب، حتى عندما لا يكون مرتبطاً بتنظيم مسلح مباشر، يُعد عاملاً مقلقاً للاستقرار لأنه يحافظ على منطق التعبئة والاستقطاب داخل المجتمعات الخارجة من النزاع.

ظهر هذا بوضوح في هجوم عبد الكريم على قرار سوريا الانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وصف وجود القوات الأمريكية بأنه «غير قابل للشرعنة»، واعتبر أن التحالف ضد التنظيم لا يختلف عن التحالف مع «العدو». هذه اللغة ليست مجرد توصيف سياسي، بل تنتمي إلى إطار فكري معروف في الدراسات الجهادية، يقوم على إعادة تعريف الخلافات السياسية بوصفها قضايا ولاء وعداء. دراسات Brookings Institution وCTC تشرح أن ثنائية «نحن/هم» أو «المسلمين/الكفار» تشكل أحد أعمدة الخطاب الجهادي، لأنها تنقل النقاش من مجال المصالح والسياسة إلى مجال العقيدة، ما يرفع منسوب التوتر ويغلق مسارات التسوية.

لم يكن هذا الموقف معزولاً. فقد أعاد عبد الكريم نشر محتوى لدعاة وشخصيات تهاجم أي تعاون دولي من زاوية «الولاء»، وأجرى مقابلات مع أصوات ترى أن الانخراط في تحالفات دولية هو بحد ذاته خروج عن الدين. هذا النمط من إعادة النشر والاختيار الإعلامي يتطابق مع ما تصفه تقارير International Centre for the Study of Radicalisation بأنه «تطبيع السردية الجهادية» داخل المجال العام، حتى من دون دعوة مباشرة للجهاد المسلح.

ويضاف إلى ذلك طلب عبد الكريم السابق منح الجنسية السورية لمقاتلين أجانب شاركوا في إسقاط النظام السابق. هذه الخطوة لا تُقرأ فقط كمسألة قانونية، بل كتعبير عن تصور للدولة يتسامح مع دمج الفاعلين العابرين للحدود داخل بنيتها. تقارير الأمم المتحدة التي تركز على ضرورة محاربة الخطاب المتطرف في سوريا، والتي تقول صراحة بأنّ مجلس الأمن عليه مراقبة مصادر التوتر التي قد تنزلق لها البلاد نتيجة هذا الخطاب، وخاصة تلك المتعلقة بالمقاتلين الأجانب، تحذر من أن هذا النموذج يشكل تحدياً دائماً للاستقرار، لأن الشبكات العابرة للحدود لا تنتهي بانتهاء المعركة، بل تتحول إلى عبء أمني وسياسي طويل الأمد.

تشير رويترز إلى أن الحكومة السورية قلصت تدريجياً هامش الحركة المتاح لهذه الأصوات، واعتقلت عدداً من الشخصيات المعروفة ضمن هذا الوسط. هذا المسار يتقاطع مع خلاصات United States Institute of Peace التي ترى أن الدول الخارجة من النزاعات المسلحة غالباً ما تضطر إلى التضييق على الخطابات التي تعيد إنتاج منطق الحرب، حتى لو جاءت بلباس إعلامي أو دعوي.

سجل عبد الكريم السابق يعزز هذا السياق. ففي عام 2020، اعتقلته هيئة تحرير الشام بعد انتقاده ممارساتها، في حادثة أظهرت توتراً دائماً بين سلطة تسعى للضبط، وصوت يرفض أي سلطة لا تنسجم مع تصوره الأيديولوجي. كما أن إدراجه منذ سنوات على قائمة الاستهداف الأمريكية يعكس نظرة دولية ترى فيه جزءاً من بيئة فكرية مثيرة للقلق، حتى من دون صدور حكم قضائي بحقه.

في هذا الإطار، لا يبدو توقيف عبد الكريم حدثاً معزولاً أو رد فعل على تصريح واحد، بل يجب على المتابع أن يقرأ الحدث كجزء من مسار أوسع تحاول من خلاله السلطة السورية أن تظهر نفسها، داخلياً وخارجياً، بوصفها سلطة تسعى إلى الاستقرار ضمن حدود الدولة، وتعمل على النأي بنفسها عن الخطابات والمشاريع التي قامت تاريخياً على ثنائية «الكفار ضد المسلمين»، والتي تعتبرها غالبية مراكز الأبحاث الدولية عاملاً دائماً لعدم الاستقرار ومصدراً للقلق الأمني.

من دون إعلان رسمي حتى الآن، تبقى التفاصيل القانونية مفتوحة. لكن في ميزان القراءة السياسية، يبدو أن تفكيك الرموز والخطابات العابرَة للحدود بات شرطاً ضرورياً لأي سلطة تريد أن تُقدَّم للعالم بوصفها دولة، لا ساحة مفتوحة لمشاريع أيديولوجية عابرة للسيادة، ويبدو أنّ الحكومة والسلطة في سوريا تدرك ذلك جيداً، فالمشاريع الجهادية العابرة للحدود لن تجد ترحيباً – علنياً على الأقل – حتّى من القوى التي اعتادت أن تصنع هذه المشاريع وتستفيد منها جيوسياسياً.

اقرأ أيضاً: إلى أين يتجه ملف المقاتلين الأجانب؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى