اعتصام مخلّصي معبر السويدية.. تسوية مؤقتة تخفي أزمة جمركية أعمق

بقلم: ريم ريّا
شكّل إنهاء اعتصام موظفي الجمارك عند معبر السويدية – الوليد الحدودي في محافظة الحسكة تحولاً هاماً في الوضع الاقتصادي المتوتر أصلاً. جاء ذلك بعد يومين من تعطل التجارة احتجاجاً على الإجراءات الجمركية الجديدة التي فرضتها الحكومة السورية على البضائع الداخلة إلى البلاد عبر الحدود. ورغم التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح الطريق أمام نقل البضائع والتخليص الجمركي، إلا أن طبيعة الحلول المقترحة تشير إلى أن الأزمة لم تحل بشكل نهائي، بل تم تعليقها مؤقتاً لتجنب شلل تجاري واسع النطاق عند أحد أهم منافذ الاستيراد في شمال شرق سوريا. ولا يقتصر الأمر على مجرد نزاع إداري، بل يؤثر بشكل مباشر على العلاقة بين الحكومة السورية والتجار وموظفي الجمارك وشركات النقل، في ظل الجهود المبذولة لإعادة تنظيم المعابر الحدودية وزيادة مركزية العمليات الجمركية في أعقاب التغييرات العسكرية والإدارية الأخيرة في المنطقة.
الرسوم بأثر رجعي.. الشرارة التي فجّرت الاحتجاج في السويدية
بدأت الأزمة عندما طالبت سلطات الجمارك التجار ووسطاء الجمارك بدفع رسوم إضافية على البضائع الداخلة إلى سوريا بموجب التعريفة الجمركية الحالية. اعتبر العاملون في هذا القطاع هذا الإجراء غير قانوني، أو على الأقل مجحف اقتصادياً، إذ فرض التزامات مالية جديدة على معاملات أُنجزت رسمياً بالفعل.
أثارت هذه السياسة استياءً كبيراً بين وسطاء الجمارك، لا سيما وأن البضائع كانت خاضعة بالفعل للرسوم الجمركية المعتادة. واعتبر فرض أي مبلغ إضافي استغلالاً للفرصة بعد الاتفاق على شروط التجارة. ومع تصاعد الاحتجاجات، لجأ وسطاء الجمارك إلى الاعتصامات والتوقف عن العمل عند المعبر الحدودي كوسيلة ضغط مباشرة، خاصةً وأن معبر السويدية يعدّ طريقاً حيوياً للبضائع القادمة من العراق إلى شمال شرق سوريا وداخل البلاد.
وتفاقمت الأزمة أكثر بمطالبة السلطات بوثائق إضافية، مثل “شهادة المنشأ” و”بيان الشحن”. شعر التجار أن هذه المتطلبات فرضت فجأة ودون فترة انتقالية واضحة، مما تسبب في اضطرابات كبيرة في عمليات التخليص الجمركي والنقل. في ظل بيئة اقتصادية متأثرة بالتضخم، وانخفاض القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، اعتقد التجار أن هذه القرارات قد تؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار وانخفاض أحجام الواردات، مما يهدد الأسواق المحلية بنقص المواد الخام وارتفاع التكاليف.
اقرأ أيضاً: مشروع “الميناء الجاف” في إدلب: نموذج للفرصة اللوجستية وتحدي الواقع
اتفاق التهدئة.. حل إسعافي لا يعالج جذور المشكلة
الاتفاق الذي أنهى الاعتصام استند أساساً إلى تعليق العمل المؤقت ببعض الوثائق المطلوبة، والاكتفاء حالياً بالفاتورة الإلكترونية للسماح بإدخال البضائع، إلى جانب منح المخلصين والتجار فترة لتسوية أوضاعهم واستكمال الشروط لاحقاً. ورغم أن هذا الحل ساهم سريعاً في إعادة فتح المعبر واستئناف الحركة التجارية، فإنه يحمل في جوهره طابع “التهدئة المؤقتة” أكثر من كونه تسوية نهائية.
فالسلطات لم تتراجع فعلياً عن مشروع تشديد الإجراءات الجمركية، بل أجلت تطبيق بعض البنود لتخفيف الاحتقان ومنح السوق فرصة للتكيف. وهذا يعني أن احتمال عودة التوتر يبقى قائماً بمجرد انتهاء المهلة الممنوحة وعودة المطالبة الكاملة بالوثائق والرسوم الجديدة.
كذلك تعكس الأزمة مسعى حكومياً أوسع لإعادة ضبط المعابر الحدودية وإدخالها ضمن منظومة مركزية موحدة، خاصة بعد استعادة السيطرة على معابر مهمة مثل اليعربية وإدخال “سيمالكا” ضمن إدارة هيئة المنافذ والجمارك. ومن الواضح أن الحكومة تسعى إلى تشديد الرقابة وتعظيم الإيرادات الجمركية في ظل الأزمة المالية الخانقة، لكن المشكلة تكمن في أن تطبيق هذه السياسات بصورة مفاجئة ودون تفاهمات واضحة مع التجار يخلق صداماً مباشراً مع القطاع التجاري، الذي يعتمد أساساً على المرونة وسرعة الحركة لتجنب الخسائر.
لذلك فإن الاتفاق الحالي يبدو أقرب إلى هدنة اقتصادية مؤقتة فرضتها الحاجة لاستمرار تدفق البضائع، وليس نهاية فعلية للخلاف، خصوصاً مع استمرار غياب آلية مستقرة وواضحة للرسوم والإجراءات الجمركية، وهي النقطة التي يعتبرها التجار أساس أي استقرار تجاري مستقبلي.









