سياسة

هل يمكن أن تكرر «إسرائيل» سيناريو الصومال في الجنوب السوري؟!

الكاتب: أحمد علي

إذا كان كيانٌ قادراً على منح “اعتراف” لكيانٍ انفصل عن دولته الأم، فهل يمكن أن يفعل الشيء نفسه في جنوب سوريا ضمن ما يُسمّى «مخطط الشرق الأوسط الجديد»؟ أم أن هذه المقاربة ليست سوى فذلكة فكرية؟ قد يقول القارئ إن لا داعي لمعالجة هذا الأمر أو نقاشه، لكن في ظلّ العربدة الإسرائيلية القائمة لا يبدو طرحه مستغرباً، ولا سيما أن كيان الاحتلال يتقدّم يومياً في الجنوب السوري، وله حضورٌ واسعٌ فيه، وقد أعلن بصورة لا لبس فيها عن تصوّراته لتقسيم سوريا، وتحدّث عن “الشرق الأوسط الجديد”، وطرح مطالب بمنطقة منزوعة السلاح… إلخ. أمام هذه الوقائع يصبح الأمر جديراً بالنقاش، أو على الأقل لا يمكن اعتباره خيالاً سياسياً محضاً.

اعتراف إسرائيل باستقلال جنوب سوريا

مجرد تكرار عبارة اعتراف إسرائيل باستقلال جنوب سوريا يوحي وكأن الجنوب كيان جاهز ينتظر توقيعاً، بينما الاعتراف عادة يلحق “أمراً واقعاً” أكثر مما يصنعه من الصفر. بعد اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في 26 كانون الأول 2025، وهو اعتراف وُصف بأنه الأول من دولة عضو في الأمم المتحدة، عاد هذا النوع من الأسئلة إلى الواجهة لأن الخطوة كسرت حاجزاً نفسياً كان قائماً منذ عقود.

المنطق الذي يقود بعض المتحمسين للفكرة بسيط: إذا كان الاعتراف ممكناً في القرن الإفريقي رغم الاعتراضات، فلماذا لا يكون ممكناً في سوريا إذا توافرت مصلحة أمنية لإسرائيل؟ أما المنطق المقابل فيبدأ من سؤال أكثر قسوة: ما الذي ستعترف به إسرائيل تحديداً في جنوب سوريا، ومن هي “الدولة” التي ستتلقى الاعتراف وتلتزم به؟

صوماليلاند نموذج بحدود واضحة

صوماليلاند أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991، ومنذ ذلك الحين بنت مؤسسات حكم محلية وانتخابات وإدارة وسلطة أمنية نسبياً، وبقيت طوال هذه السنوات بلا اعتراف رسمي واسع. عندما جاء اعتراف إسرائيل، رافقته أحاديث عن علاقات دبلوماسية كاملة وتعاون اقتصادي وتقني، وربط سياسي بفكرة توسيع مسار التطبيع عبر «اتفاقات أبراهام».

لكن رد الفعل كان حاداً، فالصومال اعتبر الخطوة اعتداءً على سيادته، والاتحاد الإفريقي جدد موقفه الداعم لوحدة الصومال، والاتحاد الأوروبي شدد أيضاً على احترام سيادة الصومال وسلامة أراضيه.

هذه القصة تضع سقفاً للتوقعات: حتى في حالة كيان موجود فعلياً منذ 1991 ومع مستوى من الاستقرار مقارنة بمحيطه، لم يأتِ الاعتراف بلا ثمن سياسي. فالاعتراف هنا يبدو صفقة مكلفة تُحسب بدقة، لا “تشجيعاً” يمكن توزيعه بسهولة.

جنوب سوريا فسيفساء بلا دولة

جنوب سوريا، جغرافياً، يشمل درعا والقنيطرة والسويداء. سياسياً وأمنياً، هو مساحة تتنازعها سلطات محلية وتوازنات عشائرية وطائفية، مع حضور متغير لقوات دمشق، وتدخلات إقليمية، وسلاح غير موحد. بعد تغيّر السلطة في دمشق أواخر 2024، أعلنت إسرائيل أنها لن تسمح لقوات مرتبطة بالحكام الجدد أو لقوى تعتبرها معادية بالتموضع في الجنوب، وطالبت بأن تكون محافظات الجنوب “منزوعة السلاح”.

في الوقت نفسه، ظهرت تقارير عن دعم إسرائيلي لمجموعات “درزية” وتسليح محدود ومساعدات مالية، بوصفه محاولة لبناء خطوط دفاع محلية أو نفوذ حدودي، لا مشروع دولة مستقلة بالمعنى الحرفي.

هذا الفارق أساسي عند تقييم احتمال اعتراف إسرائيل باستقلال جنوب سوريا، فصوماليلاند (أو شمال الصومال أو أرض الصومال) لديها سلطة مركزية واحدة تقريباً على إقليم محدد، بينما الجنوب السوري لا يملك حكومة موحدة ولا حدوداً سياسية متفقاً عليها ولا احتكاراً للقوة، وهي عناصر تجعل أي “استقلال” أقرب إلى عنوان سياسي منه إلى واقع إداري. وبين “منطقة نفوذ” و“دولة مستقلة” مسافة لا تُردم ببيان واحد، مهما كان صاخباً.

أمن إسرائيل وكلفة الاعتراف

من يعتقد بإمكانية اعتراف إسرائيل باستقلال جنوب سوريا يركز على عامل الأمن: إسرائيل تريد عمقاً دفاعياً حول الجولان وتخشى تموضع قوى معادية قرب الحدود، وقد ترى في كيان محلي صديق أو منطقة حكم ذاتي مدعومة طريقة لتثبيت “حزام أمان”. ويضيف أصحاب هذا الرأي أن اعتراف صوماليلاند أظهر استعداد إسرائيل لتحمل ضجيج دبلوماسي مقابل مكسب استراتيجي قرب باب المندب والبحر الأحمر.

وتجربة الجولان تلقي ظلاً إضافياً، فإسرائيل طبّقت قوانينها على الجولان عام 1981، ثم حصلت على اعتراف أمريكي وأمريكي فقط (بشكل مخالف للقوانين الدولية ومتعدٍّ على المجتمع الدولي) بالسيادة الإسرائيلية عليه عام 2019، فيما بقيت الغالبية الدولية تعتبره أرضاً سورية محتلة. وهذا يوضح أن الاعتراف قد يخدم سردية أمنية لكنه لا يضمن إجماعاً ولا يطفئ النزاع.

لكن المعارضين يردون بأن سوريا ليست القرن الإفريقي، فالاعتراف هنا سيُقرأ كخطوة تقسيمية داخل دولة كانت محور صراع إقليمي طويل، وسيصطدم بمعارضة قوية من تركيا ومصر والسعودية والأردن، وربما حتى دول غربية تعتبر وحدة سوريا مصلحة استقرار. وظهر تلميح إلى هذا الرفض في ردود فعل دول على اعتراف صوماليلاند، فكيف ستكون الحساسية إذا تعلق الأمر بسوريا؟ البلد الذي يملك موقعاً جيوسياسياً مهماً.

القانون الدولي يحسم الاتجاه

في القانون الدولي، تُذكر غالباً معايير مونتيفيديو للدولة: سكان دائمون، إقليم محدد، حكومة فعّالة، وقدرة على إقامة علاقات خارجية. هذه ليست عصاً سحرية، لكنها تشرح لماذا يبدو الاعتراف بدولة جنوبية في سوريا شديد الصعوبة حالياً.

حتى لو افترضنا، نظرياً، أن إسرائيل أعلنت اعترافها باستقلال جنوب سوريا تحت ضغط ظرف أمني أو ضمن مناورة تفاوضية، فإن تثبيت الخطوة سيحتاج طرفاً سورياً جنوبياً قادراً على الحكم وتوحيد السلاح وضبط الحدود، وسيحتاج شبكة اعترافات أخرى أو على الأقل تحييداً لإقليم معترض. وهذا غير متوفر بوضوح، والظروف الميدانية تشير إلى أن إسرائيل تفضل حتى الآن ترتيبات أمنية داخل سوريا مثل مناطق عازلة ونزع سلاح، لا صناعة دولة جديدة تحمل مسؤوليات دولية كاملة.

الخلاصة أن النقاش ليس عبثاً، فاعتراف صوماليلاند أثبت أن قواعد اللعبة يمكن أن تتغير، لكن الخلاصة الأرجح، مع تعقيد سوريا وحساسية جوارها، أن اعتراف إسرائيل باستقلال جنوب سوريا مستبعد في المدى المنظور، وإن حدث بظرف استثنائي فسيكون هشاً وصعب الاستقرار والاستمرار.

اقرأ أيضاً: التنسيق الروسي الإسرائيلي في الجنوب السوري: لماذا يلتقي الخصمان؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى