سياسة

عدادات الكهرباء والعشوائيات: هل سنرى شرطي على كل باب؟!

الكاتب: أحمد علي

ليست الكهرباء خدمة تقنية فحسب، بل علاقة يومية بين الدولة والناس، وتختبر الثقة قبل أي شيء آخر. لهذا يوقظ خبر استيراد ساعات إضافية أملاً مفهوماً لدى كثيرين، غير أن الزيادة في الساعات تحمل معها أسئلة عن التسعير والتحصيل، وعن قدرة الشبكة على استيعاب طاقة أكبر من دون أعطال. لذلك يتحول الحديث سريعاً من فرحة مؤقتة إلى سؤال عملي، كيف ستُدار المرحلة التالية على أرض الواقع.

استيراد ساعات الكهرباء في سوريا

أعلنت الحكومة السورية مؤخراً عن عملها على استيراد عدادات كهرباء لتعويض النقص الموجود في البلاد وسدّ النقص في عمليات التحصيل والجباية، خصوصاً ما بعد قرار رفع سعر الكهرباء في سوريا.

ويرتبط هذا المسار باتفاقات إقليمية وبخطط حكومية لرفع ساعات التشغيل تدريجياً. عملياً، أي زيادة في الطاقة المرسلة إلى الشبكة تعني أن تكلفة الكيلوواط ساعي ستصبح أكثر وضوحاً للمواطن وللجهة المشغلة معاً، لأن ساعات أطول تعني استهلاكاً أعلى، ما لم يتغير سلوك الاستخدام أو طريقة التسعير.

الفاتورة بين الثقة والقدرة

وفي الحديث عن التحصيل، لا يفسَّر ضعف دفع الفواتير في سوريا بسبب واحد، فجزء منه مرتبط بضيق الدخل وتآكل القدرة الشرائية، وجزء آخر مرتبط بتجربة طويلة من تقنين قاس جعل كثيرين ينظرون إلى الفاتورة بوصفها عبئاً لا يضمن خدمة مستقرة. عندما تأتي الكهرباء ساعات قليلة ثم تنقطع، يصبح من السهل تبرير الدفع المتأخر أو الدفع الجزئي. وإذا تحسنت التغذية فجأة، قد يواجه المشتركون فواتير أعلى من المعتاد، فيبحث بعضهم عن تقليل الاستهلاك أو عن طرق للالتفاف على العداد.

ومن المفيد هنا التذكير بما قاله مسؤول حكومي قبل أيام بأن نسبة التحصيل بعد تطبيق الأسعار الجديدة في دمشق لا يتجاوز الـ 10%.

على أية حال، كي تنجح أي خطوة بعد استيراد ساعات الكهرباء في سوريا، تحتاج الحكومة إلى إجراءات ملموسة تجعل الدفع مرتبطاً بخدمة مفهومة. ذلك يبدأ بتعرفة واضحة يمكن للناس حسابها، ويشمل آليات لتقسيط المتأخرات أو تسويات لمن تراكمت عليهم الديون، ويحتاج أيضاً إلى قناة شكوى فعالة حين تُخطئ القراءة أو تتأخر الصيانة. كلما شعر المواطن أن هناك نظاماً يجيب على الاعتراض، تقل دوافع المقاومة الصامتة عبر عدم الدفع.

فاقد الشبكة وفرصة التوسع

يتحدث المهندسون عادة عن فاقد فني ناتج عن تقادم الشبكات والأعطال، وعن فاقد تجاري مرتبط بضعف القراءة أو الاستجرار غير المشروع.

في بيئات تعرضت فيها البنية التحتية لضرر واسع، يميل الفاقد إلى الارتفاع، ويصبح أي تحسن في التغذية فرصة لاختبار حجمه. تصريحات رسمية في الإعلام السوري تحدثت عن مستويات مرتفعة من الفاقد وربطتها بظروف الحرب وتغير التوزع السكاني.

زيادة الساعات قد ترفع الفاقد من زاويتين. الأولى أن ضغطاً أكبر على شبكة قديمة يزيد الأعطال والاحتراقات عند الكابلات والمحولات. الثانية أن ساعات أطول تعني فرصة أطول للاستجرار لمن اعتادوا تجاوز العداد، خصوصاً إذا بقيت الرقابة موسمية. المفارقة أن تحسين الخدمة قد يكشف الاستجرار أكثر، لأن الطاقة التي كانت تضيع ضمن تقنين شديد تصبح الآن جزءاً من طاقة إضافية يدفع ثمنها البلد ولا تصل كمنفعة عامة. لهذا السبب يصبح الحديث عن استيراد ساعات الكهرباء في سوريا مرتبطاً مباشرة بإصلاح الشبكة وبالجباية معاً.

ضبط الاستجرار دون صدام

لا يبدو واقعياً أن تُحل المشكلة بحضور أمني دائم، ولا أن تُترك بلا أدوات ثم يُلام الناس على سلوكيات تراكمت عبر سنوات. ما يمكن أن ينجح هو إدارة الشبكة بطريقة تجعل الالتفاف أقل جدوى وأكثر كلفة، مع تقديم بدائل قانونية يسهل الدخول إليها. إحدى الأفكار التي نوقشت في تقارير اقتصادية هي التوسع في العدادات الذكية أو المسبقة الدفع، بحيث يتحول الدفع إلى شرط للحصول على التغذية ضمن حدود واضحة، ويصبح قطع التيار إجراء تقنياً تلقائياً لا قراراً شخصياً.

على مستوى الأحياء، يمكن أيضاً قياس الاستهلاك عند المحولة ثم مقارنته بمجموع ما تسجله العدادات التابعة لها. عندما تظهر فجوة كبيرة، تصبح البقعة التي تحتاج تدخلاً محددة، ويمكن الجمع بين إصلاح أعطال فنية وكشف استجرار غير مشروع. كما يمكن ربط الدفع بطرق ميسرة، مثل تطبيقات دفع أو منافذ محلية، لأن جزءاً من عدم الدفع قد يكون مرتبطاً بتعقيد التحصيل وليس بالرفض وحده.

إلى جانب الأدوات التقنية، هناك جانب سلوكي. حين يشعر المشترك أن الدفع سيحميه من القطع العشوائي، وأن من يسرق سيدفع كلفة أعلى عبر غرامات أو تسويات، يصبح الالتزام خياراً عقلانياً. يمكن أيضاً ربط أي زيادة في التغذية بنشر جدول واضح للتقنين، وبإعلان شهري يشرح أين صُرفت أموال الجباية في الصيانة والوقود. ومع الوقت يتغير السلوك أكثر من التهديد.

دمشق والعشوائيات نموذج الاختبار

دمشق تقدم صورة مركبة للتحدي. فيها أحياء منظمة يمكن ضبطها نسبياً عبر قراءات منتظمة وفرق صيانة، وفيها أيضاً مناطق توسعت خارج المخططات أو نشأت كمخالفات سكنية، حيث يصبح العداد قصة معقدة مرتبطة بملكية غير مستقرة أو شبكات فرعية غير نظامية. في مثل هذه المناطق، قد تتحول أي زيادة بعد استيراد ساعات الكهرباء في سوريا إلى مجال واسع للاستهلاك غير المسجل إذا لم تُصمم حلول خاصة.

أحد السيناريوات المطروحة أن تُدار بعض الأبنية أو الحارات بعقود جماعية، بحيث تُحاسب الكتلة عبر نقطة تغذية واحدة، ثم يتفق السكان داخلياً على توزيع الكلفة وفق آلية يختارونها. هذا الحل ليس مثالياً، لكنه قد يكون جسراً مؤقتاً حين تكون الفردية صعبة.

سيناريو آخر أن تُعطى أولوية لتركيب عدادات مسبقة الدفع في مناطق معروفة بارتفاع الاستجرار، مع تسويات تسمح بالدخول القانوني بدل مطاردة غير مجدية. ويمكن ربط ذلك بحملات صيانة للشبكة في الشوارع التي تعاني احتراقات متكررة، لأن إصلاح الأعطال وحده يخفف ضغط الناس نحو الحلول غير النظامية.

في النهاية، نجاح الخطة لا يقاس بزيادة العدادات على الورق، بل بقدرة النظام على تحويل الزيادة إلى خدمة مدفوعة ومنصفة. إذا جاءت الساعات الإضافية دون مسار واضح للجباية، سيكبر الفاقد ويزداد التوتر الاجتماعي. أما إذا قُدمت الزيادة ضمن حزمة متوازنة تجمع تحسين التغذية مع عدادات أحدث، وتعرفة مفهومة، وتسهيل للدفع، وتسويات للمتأخرات، فسيصبح استيراد ساعات الكهرباء في سوريا خطوة قابلة للاستمرار بدل أن تكون موجة قصيرة تنتهي بخيبة.

اقرأ أيضاً: رفع الكهرباء جائر.. ما المقترح الذي قدمته لجان المزة؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى