استيراد السيارات.. هل فعلاً يحرم اقتصاد سوريا من فرص الاستثمار الحقيقية؟

يُثير استيراد السيارات في سوريا بكميات كبيرة تساؤلات جدية حول تأثيره على الاقتصاد الوطني، ففي ظل النقص الحاد في العملات الأجنبية، هل يحرم هذا الاستيراد الاقتصاد السوري من فرص استثمار حقيقية؟
سوف نلقي الضوء في هذا المقال على الضغوط التي يفرضها استيراد السيارات على الليرة السورية، ونناقش المبررات الحكومية للقرارات التنظيمية، ويبحث في مدى تعارضها مع مبادئ السوق الحرة.
كيف يؤثر استيراد السيارات على الليرة السورية؟
أصبح استيراد السيارات في سوريا يُشكل ضغطاً كبيراً على الليرة السورية، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أنه يُسبب ارتفاعاً في الطلب على الدولار، الأمر الذي من شأنه أن يُحدث خللاً في ميزان العرض والطلب، وبالتالي سيؤدي إلى انخفاض في قيمة الليرة السورية مقابل الدولار.
وفي هذا الصدد، أوضح الباحث في الشأن الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر، في حديث له مع صحيفة محلية، إلى أنّه حتى ولو إن تمويل استيراد السيارات لا يتم من احتياطي المصرف المركزي بشكل مباشر، إلا أنه يتسبب في زيادة الطلب على الدولار في دولة تواجه أساساً نقصاً حاداً في القطع الأجنبي. مشيراً إلى أن احتياطي سوريا لا يتجاوز 200 مليون دولار، وهو مبلغ لا يغطي سوى جزء ضئيل جداً من مستورداتها السنوية البالغة حوالي 4 مليارات دولار.
استيراد مفرط للسيارات على حساب سلع أهم
على الرغم من أن استيراد السيارات لا يتم تمويله من احتياطي المصرف المركزي، إلا أنه يستنزف كمية الدولار الموجودة في السوق المحلية إلى حدٍ كبير. ويأتي ذلك في إطار توجيه مبالغ طائلة تصل إلى مليارات الدولات نحو استيراد السيارات التي تعتبر سلعة كمالية، الأمر الذي يُشكل ضغطاً على قطاعات حيوية وإنتاجية أخرى، كالزراعة والصناعة. ونتيجة ذلك، تشهد السوق المحلية زيادة في عرض الليرة السورية دون وجود أي غطاء إنتاجي يبرر ذلك، مما يفاقم من انخفاض قيمتها.
ويُشار إلى أن الانخفاض المستمر في قيمة الليرة السورية، يُضعف الثقة بها كوسيلة ادخار، مما يدفع الناس إلى شراء الدولار كوسيلة للتحوط ضد التضخم، والذي بدوره يُشكل عامل ضغط إضافي على الليرة السورية، مما يجعل قيمتها تنخفض بشكل أكبر.
وفي هذا الصدد، أشار اسمندر إلى أن توفير احتياج البلد من السيارات أمر لابد منه، ولكن الإفراط في ذلك يعود بشكل سلبي على واقع الليرة السورية، والاقتصاد بشكل عام. مبررا ذلك بأن البلد في مرحلة إعادة إعمار، وهو بحاجة مستمرة لسلع التجهيز والآلات، وإلا فسيتحول اقتصاد سوريا إلى استهلاكي يعيش في دوامة من التضخم الركودي.
استيراد السيارات: أرقام كبيرة بلا عوائد
يواجه سوق السيارات في سوريا حالياً ركوداً ملحوظاً، والسبب في ذلك يعود إلى تراجع الطلب مقابل زيادة العرض، بالإضافة إلى ضعف القدرة الشرائية للمستهلكين.
وبحسب ما أفاد به، أنور العلي دكتوراه في العلوم الاقتصادية، وخبير مالي ومحاسب قانوني، لصحيفة محلية، فإنه قد تم تحويل مبالغ ضخمة تصل إلى 2 مليار دولار إلى دول الخليج وغيرها، وذلك بهدف شراء سيارات مستعملة، أو معاد تصنيعها نتيجة تضررها من الفيضانات التي حدثت في هذه الدول.
هذا ويُشير العلي، إلى أن هذا الإنفاق تسبب بتجفيف العملات الأجنبية من السوق المحلية، دون أن يكون له أثر في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في البلاد. وبحسب وجهة نظره، كان من الأجدى توجيه هذه المبالغ نحو دعم المشاريع الاقتصادية والإنتاجية التي تُسهم في تقليل البطالة وتوفير فرص عمل حقيقية، بدلاً من تكديس سلع ليس هناك حاجة فعلية لها.
منع استيراد سيارات مستعملة في سوريا خطوة نحو التنظيم
كانت وزارة الاقتصاد السورية قد أصدرت في شهر حزيران الماضي، قراراً يقضي بمنع استيراد معظم أنواع السيارات المستعملة، مع استثناءات محدودة للشاحنات والحافلات وبعض الآليات. وكان الهدف منه ترشيد استيراد السيارات والحد من استنزاف القطع الأجنبي، وتوجيه الموارد المالية نحو القطاعات الإنتاجية.
وفي هذا الصدد، أوضح قاسم كامل، مدير الاتصال الحكومي في وزارة الاقتصاد السورية، بأن قرار منع الاستيراد يأتي في إطار خطوات تنظيمية لمعالجة اختلالات السوق التي تسببت بها عمليات استيراد السيارات غير نظامية.
حيث أشار كامل، إلى أن هناك كميات كبيرة من السيارات المستعملة وغير المستوفية لمعايير السلامة دخلت السوق دون رقابة جمركية أو فنية كافية. الأمر الذي تسبب في زيادة الضغط على البنية التحتية، بالإضافة إلى أعباء صيانة باهظة قد تترتب على الفئات محدودة الدخل نتيجة شراء سيارات رديئة.
هل يتعارض منع الاستيراد مع مبادئ السوق الحر؟
أدى إلغاء الرسوم الجمركية على قطاع السيارات في سوريا، بعد سقوط النظام البائد، إلى تدفق عدد كبير من السيارات المستعملة إلى السوق وذلك بأسعار تعتبر زهيدة مقارنة بما سبق. ولكن هذا التدفق الكبير تسبب بوجود وفرة كبيرة في العرض في السوق المحلية الذي سيطرت عليه حالة من الفوضى، مما دفع الحكومة إلى اتخاذ قرار بمنع استيراد السيارات المستعملة والتحكم في عمر السيارات المستوردة، في محاولة لتنظيم هذا القطاع.
ويُشار إلى أن هذا القرار قد واجه انتقادات عديدة، حيث أوضح الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في تصريحات لوسيلة إعلامية، أن قرار منع استيراد السيارات يعتبر تدخلاً إدارياً في الاقتصاد، ويتعارض مع مبادئ السوق الحرة القائمة على التوازن التلقائي والتنافسية.
هذا وقد أشار قوشجي، إلى أنه في ظل غياب الخصائص التنافسية في السوق السورية، فإن قرار منع الاستيراد قد يسبب ارتفاع كبير في أسعار السيارات، مما يجعل امتلاكها حلماً بعيد المنال من جديد، ويعيد قيمة السيارات القديمة والخردة إلى مستويات مرتفعة.
ومن جهة أخرى، اعتبر رئيس قسم التسويق في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، الدكتور محمد غريب، أن منع الاستيراد كان ضرورياً لمعالجة غزو السوق بسيارات رديئة وغير مطابقة للمواصفات. مشيراً إلى أنه كان من الأفضل منذ البداية وضع معايير صارمة لفحص السيارات المستوردة، حيث أن هذا النهج كان سيُحقق التوازن بين حماية المستهلك والحفاظ على مبادئ السوق، دون الإضرار بالقدرة الشرائية للمواطنين.
اقرأ أيضاً: السيارات الكهربائية في طريقها إلى سوريا.. ما القصة؟
في الختام، يمثل استيراد السيارات في سوريا قضية معقدة، ففي ظل غياب بدائل محلية، تبقى التساؤلات حول كيفية تحقيق التوازن بين تنظيم السوق وحماية الاقتصاد قائمة.









