استيراد السيارات المستعملة يعود إلى سوريا من باب المناطق الحرة: انتعاش أم عائق؟

بقلم: ديانا الصالح
بعد أشهر من الجدل والتخبط عاد ملف استيراد السيارات المستعملة إلى واجهة المشهد في سوريا لكن هذه المرة من بوابة المناطق الحرة وضمن شروط أكثر صرامة، حيث أصدرتِ الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قراراً جديداً يسمح بذلك وفق ضوابط محددة.
وفقاً للبيانات المُعلنة، لم يُفتح الباب بشكل كامل أمام الاستيراد كما توقع البعض، وإنما رسم حدوداً جديدة لحركة السيارات، كما حدد مصير المركبات العالقة وكذلك المخالفة وسط ترقب واسع من التجار والمستوردين لما قد يحمله هذا القرار من تغييرات في سوق السيارات خلال المرحلة المقبلة.
شروط استيراد السيارات المستعملة إلى المناطق الحرة
أصدرتِ الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مجموعة من الشروط الجديدة بهدف تنظيم استيراد السيارات المستعملة إلى المناطق الحرة السورية، وأهم هذه الشروط كان منع إدخال السيارات إلى السوق المحلية أو تسجيلها داخل سوريا للاستخدام الشخصي، مما يعني أن السيارات ستبقى ضمن نطاق المنطقة الحرة فقط إن كان للعرض أو لإعادة التصدير.
كما ألزمت الهيئة أصحاب معارض السيارات والمستثمرين بتقديم تعهدات مكتوبة للالتزام بالقوانين الجمركية وعدم التصرف بالمركبات خارج الأهداف المحددة في القرار، في حين أن أي مخالفة ستعرض صاحبها لعقوبات متنوعة من المساءلة القانونية إلى الغرامات وصولاً إلى المصادرة.
ويأتي القرار استجابةً لمطالب متكررة من قبل عدد من المستثمرين في المناطق الحرة، حيث تقدموا بعدة شكاوى نتيجة توقف جزء من نشاطهم بسبب الشروط السابقة لاستيراد السيارات المستعملة.
ما هي السيارات التي يشملها القرار الجديد؟
يشمل القرار السيارات المستعملة الموجودة لدى دول الجوار والتي من الممكن استيرادها وإدخالها إلى المناطق الحرة وفقاً للأصول القانونية، ويسمح القرار بتفاصيله بعملية قص وتقطيع السيارات داخل المناطق الحرة لكن تحت إشراف إدارة الجمارك والمؤسسة العامة للمناطق الحرة.
ويحمل هذا البند في سطوره أهمية لدى تجار قطع التبديل وذلك لأن السيارات يمكن الاستفادة منها كمصدر للقطع بعد تفكيكها بطريقة نظامية، إلا أن القرار شدد في المقابل على منع إدخال السيارات الكاملة أو الهياكل القابلة لإعادة التجميع إلى السوق المحلية بهدف منع التحايل على قوانين الاستيراد.
مهلة التنفيذ وآلية التطبيق
القرار دخل رسمياً حيز التنفيذ مباشرة دون أن يتم الإعلان عن فترة انتقالية طويلة، الأمر الذي دفع أصحاب المعارض إلى البدء بإعادة تنظيم ملفات السيارات الموجودة لديهم وفقاً للتعليمات الجديدة.
وأوضحت الهيئة أن تطبيق القرار سيتم بالتنسيق ما بين إدارة الجمارك والمؤسسة العامة للمناطق الحرة مع متابعة مباشرة لحركة السيارات وعمليات الإدخال والإخراج داخل المناطق الحرة لتتمك الأمور بشكل منظم دون أي خلل أو تحايل.
وسبق هذا القرار خلال الأشهر الماضية عملية تنظيم عدة ملفات حول السيارات العالقة داخل بعض المناطق الحرة وبشكل خاص في منطقة عدرا التي أصبحت هي المركز الرئيسي لتسوية أوضاع السيارات وكل الإجراءات الجمركية المرتبطة بها.
لماذا صدر القرار وما أهدافه الاقتصادية؟
تحول ملف استيراد السيارات المستعملة خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في السوق السورية، وذلك بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة الاستيراد بالإضافة إلى ازدياد عمليات التهريب والتلاعب.
فيما يحمل القرار الجديد أكثر من هدف اقتصادي، أبرزها إعادة تنشيط الحركة التجارية داخل المناطق الحرة، فضلاً عن تنظيم تجارة السيارات المستعملة ضمن إطار قانوني واضح، بالإضافة إلى الحد من الفوضى التي شهدها السوق مؤخراً.
وقد كشفت تقارير اقتصادية أن القرار من شأنه أن يساهم في تنشيط أعمال الصيانة والتخزين والنقل ضمن المناطق الحرة، إلا أنه لن يؤدي بشكل مباشر إلى انخفاض أسعار السيارات داخل سوريا، وذلك لأن السيارات تبقى محصورة ضمن نطاق المناطق الحرة.
هل يستهدف القرار السيارات الغارقة والمعدلة؟
على الرغم من أن القرار الجديد لم يذكر بشكل مباشر السيارات الغارقة أو السيارات المتضررة بحوادث كبيرة أو ما يسمى ضمن السوق السورية “سيارات الإدخال”، إلا أن البنود المتعلقة بمنع إعادة تجميع الهياكل ومنع إدخال السيارات الكاملة إلى السوق المحلية تعكس التوجه الواضح لتشديد الرقابة على هذا النوع من المركبات.
لا سيما وأن سوق السيارات السوري قد شهد خلال الفترة الماضية انتشار سيارات تعرضت للغرق أو الحوادث في الخارج قبل إعادة إصلاحها وبيعها داخل الأسواق المحلية دون علم المُشتري، مما أثار مخاوف تتعلق بالسلامة الفنية والغش التجاري، لذلك فإن تشديد شروط استيراد السيارات المستعملة وحصر النشاط داخل المناطق الحرة يهدفان جزئياً إلى الحد من دخول السيارات المضروبة أو المعدلة بشكل غير قانوني إلى السوق السوري.
وضع السيارات الموجودة قبل صدور القرار
انتظر عدد كبير من أصحاب السيارات صدور قرار رسمي وواضح يخص المركبات الموجودة مسبقاً ضمن المناطق الحرة أو المنافذ الحدودية خاصة السيارات التي لم تستكمل إجراءات التسجيل أو الجمركة، وخلال الفترة الماضية سُمِح بتسوية أوضاع عدد من هذه المركبات عبر تقديم الوثائق المطلوبة وتقديم كشف فني لبيانات المركبة، بالإضافة إلى دفع الرسوم والغرامات المترتبة وفقاً لكل حالة.
وإلى ذلك، فتحت هذه الإجراءات الباب أمام أصحاب السيارات لإنهاء ملفات بقيت عالقة لفترات طويلة، إلا أن الهيئة شددت على أن أي سيارة يثبت وجود تلاعب سواء بأوراقها أو أرقامها فسيواجه مالكها إجراءات قانونية مشددة.
تأثير القرار على سوق المعارض والتجارة
أعاد القرار جزءاً من الحركة إلى قطاع السيارات داخل المناطق الحرة بعد فترة طويلة من التراجع والقيود، حيث أصبح بإمكان أصحاب المعارض إدخال سيارات مستعملة من دول الجوار والعمل ضمن إطار قانوني أوضح.
لكن في المقابل، فإن لهذا القرار تأثير على أصحاب المعارض أيضاً، حيث أخبر السيد علي سوريا اليوم 24 أن”القرار سيساهم بإعادة الحركة إلى السوق، لكن سوق المناطق الحرة.. ومن المهم منح الأذونات والسماح ببيع السيارات أو إدخالها إلى السوق المحلية لتنشيط الحركة مع وجود لجنة كشف على السيارات للتأكد من سلامتها، لاسيما أن حصر الآليات ضمن المنطقة الحرة يقلل من حجم المبيعات وبالتالي يقلل من هوامش الربح للتاجر”.
في حين أشار السيد عيسى إلى أن “الخطوة الأهم في القرار لا يجب أن تتوقف عند تنظيم استيراد السيارات المستعملة وإنما انتقال العملية إلى بيئة عمل أكثر رقمنة، أي أن وجود منصات إلكترونية يمكن من خلالها تسجيل السيارات وتسوية أوضاعها من شأنه أن يخفف الكثير من التعقيدات التي كنا نواجهها سابقاً في المعاملات الورقية، وتطوير هذه الأنظمة وربطها بشكل مباشر وكامل بين الجمارك والمناطق الحرة سيسرّع من عملية إنجاز المعاملات ويقلل من الوقت والجهد”.
يبدو أن القرار الجديد يعكس محاولة جادة لضبط سوق السيارات الذي بقي لسنوات طويلة يعمل ضمن شروط غير مستقرة، لكن في الوقت الذي يفتح فيه القرار نافذة صغيرة للحركة التجارية داخل المناطق الحرة إلا أنه يضع قيوداً أكبر على دخول السيارات إلى السوق المحلية.
فيما يبقى التساؤل الجوهري مرتبطاً بقدرة هذه القرارات على خلق توازن يضبط السوق ويحقق حركة تجارية دون أن يخلق عوائق إضافية أمام التاجر والمستورد وتنعكس بشكل مباشر على المستهلك.
اقرأ أيضاً: منطقة حرة في إدلب: بوابة تجارية جديدة في شمال سوريا؟









