استقرار سوريا: بين العدالة الانتقالية الجنائية والعدالة الاجتماعية.. أيهما المرساة؟

إعداد: ريم ريا
تردد مصطلح العدالة الانتقالية على مسامع السوريين منذ سقوط الأسد وحتى اليوم. مصطلحٌ مبهم للبعض يحتاج لتوضيح، وفضفاض للبعض الآخر يحتاج لتحديد. خصوصية الحالة السورية وما مرّت به من أحداث على مدار عقدٍ من الزمن، وما كان مسبباً لتلك الأحداث، يتطلب تحقيق العدالة الانتقالية بمختلف أشكالها.. فالعدالة الانتقالية ليست شقاً جنائياً فحسب يقف عند محاسبة الجناة وينتهي، بل تفرض الحالة السورية محاكاةً للعدالة الانتقالية بباقي جوانبها الاجتماعية والاقتصادية.
الحراك الشعبي المُحق في عام 2011 كان المحرك له، إلى جانب الاحتجاج على القبضة الأمنية، تضييق الخناق اجتماعياً بغياب العدالة والمساواة بين المواطنين، واقتصادياً احتكار الموردين للسلع ومنافستهم الصناعيين. إلى جانب السياسات الحكومية الاقتصادية الضاغطة والخانقة على الشعب السوري. في هذا المقال سنبسّط مفهوم العدالة الانتقالية ونتحدث عن أنواعها، وتطبيق أيّ منها يعيد للمجتمع السوري حقوقه. إضافةً لطرح نموذج دولي والاستفادة منه في الحالة السورية.
سوريا: والعدالة الانتقالية
تتعدد التعريفات للعدالة الانتقالية لكن معناها واحد. العدالة الانتقالية عبارة عن إطار مفاهيمي يحوي مجموعة من الآليات الشاملة التي تتبناها المجتمعات خلال فترات الصراع أو التحول بالحكم السياسي بعد فترة استبدادية. هذا الإطار المفاهيمي هدفه معالجة الإرث الثقيل من الانتهاكات المُمزقة للمجتمع. للعدالة الانتقالية ركائز أساسية تقوم عليها: أولها كشف الحقيقة، المساءلة الجنائية، جبر الضرر، الإصلاح المؤسساتي).
حسب تعريف الأمم المتحدة للعدالة الانتقالية أنها: مجموعة كاملة للعمليات والآليات التي تسعى لتحقيق المصالحة وإحقاق العدالة وتمنع تكرار الانتهاكات السابقة. من منظور آخر: العدالة الانتقالية هي مفهوم “الإنصاف” الذي يتجلى في المجتمع ويشمل جوانب أخرى غير سياسية أو جنائية بل اجتماعية اقتصادية مثل: الرعاية الصحية والإسكان وغيرها.
لعل الحالة في سوريا تتطلب عدالة اجتماعية إلى جانب محاسبة الجناة، تقوم على تحقيق المساواة بين المواطنين في البلاد دون النظر لانتمائهم العرقي أو الطبقي أو الجندر.
اقرأ أيضاً: السويداء وأسئلة حق تقرير المصير: وجهة نظر لا غنى عنها!
العدالة في سوريا: ماذا فرض الصراع السوري؟
الصراع السوري لم يكن مجرد صراع سياسي أو طائفي كما وُصّف، بل حَمل عمق أكبر من ذلك. هذا الصراع جذوره ممتدة لعقود من الاستبداد والظلم الاجتماعي والفساد المنتشر، إلى جانب الاقصاء السياسي وإحكام القبضة الأمنية الوحشية.
ما مهد للانفجار الحقيقي في عام 2011 هو السياسات الاجتماعية وكسر العظم الاقتصادي الذي عانى منه الشعب السوري، والإيهام السائد أن الاقتصاد السوري كان متعافي ومزدهر قبل 2011 مجرد كذبة، وما هي إلاّ أول ورقة تسقط من شجرة الأكاذيب التابعة للنظام السابق. كنّا قد نوهنا في مقال سابقاً عن الوضع الاقتصادي في العام 2011 وعن حالة الفقر التي كانت سائدة في المجتمع آنذاك وكيف مهدت لشرارة الثورة وانطلاقها.
بالأرقام نكشف هشاشة الاقتصاد المزدهر المزعوم، حيث انخفضت نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل حاد من 23.8% في عام 2003 إلى 13.8% في عام 2008. كما أن التحول نحو ما سمي بـ”اقتصاد السوق الاجتماعي” بعد عام 2000 لم يؤدّ إلى تحسين أحوال السوريين بل زاد في مرارتهم وإفقارهم.
أما عام 2006، تفوقت استثمارات القطاع الخاص على استثمارات القطاع العام لأول مرة، واستمرت هذه الفجوة في التزايد، ولم ينعكس هذا التحول في تحسين سوق العمل بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة، حيث بلغ معدل مشاركة القوى العاملة 43.5% فقط، وهو من أدنى المعدلات عالمياً، مقارنة بدول تعاني اقتصادياً كمصر. لتأتي اتفاقية التجارة الحرّة مع تركيا عام 2008 وتطيح بالصناعة السورية وتقوّض الصناعيين السوريين الصغار، وتغرق البلاد ببضائع مستوردة دمرّت المنتج الوطني.
في سياق متصل، وبمعرض حديثنا عن الاقتصاد المزدهر “وهمياً” قبل 2011، نرى أن توزيع الثروة والدخل كان في عام 2000، بالنسبة للحد الأدنى للأجور لا يتجاوز 3,045 ليرة سورية، بينما كانت تكاليف المعيشة الأساسية لأسرة من خمسة أفراد تصل إلى نحو 18,180 ليرة، أي ما يعادل ستة أضعاف الأجر الأدنى.
ناهيك عن أن حصة أصحاب الأجور من الدخل الوطني كانت 21% فقط، بينما ذهبت نسبة 79% من الدخل لأصحاب الأرباح. وقد تفاقم هذا الوضع بشكل صارخ بعد عام 2023 وتبيّن أنه ليس وليد اللحظة بل تراكم عقود من النهج الخاطئ.
انخفض متوسط حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب سبعة أضعاف ونصف مقارنة بعام 2011. وبناءً على تقديرات الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023، فإن حصة أصحاب الأرباح بلغت 90.8%، بينما لم تتجاوز حصة أصحاب الأجور الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من المجتمع السوري 570 مليون دولار من أصل 6.2 مليار دولار، أي أقل من 10%.
نخلص إلى أن جوهر الأزمة في البلاد كان غياب العدالة الاجتماعية بكل أبعادها، فالنهب والفساد الذي تغلغل بمفاصل الدولة السورية فكك الشعب وقسّمة لطبقات تتعايش على بعضها البعض. الانتهاكات شملت مختلف الفئات ولم تميز أيّ منها عن الأخرى في الإفقار والسرقة والنهب، وحدهم المقربون من السلطة من استفادوا.. والشعب تم سحقه وسرقة ثرواته.
اقرأ أيضاً: حين توقفت الرشاوى… تعطّلت الدولة!
الحالة في سوريا والعدالة المطروحة
صحيح أن العدالة الانتقالية بمفهومها العام تركز على الأبعاد السياسية والجنائية، لكن أمام الحالة لسورية هذا غير كافي. الحكم الرشيد والمسار الجنائي العادل لا يمكن التخلي عنهما في هذه المرحلة الحساسة التي تمرّ بها البلاد، لكن لن يحلوا المعضلّة برمتها، فللعدالة الانتقالية جناحان لا تستقيم إلاّ بهما: الجناح السياسي الجنائي، والآخر الاجتماعي الاقتصادي.
لحل المعضلّة السورية علينا تقديم مقاربات منطقية للواقع السوري تساهم في الحل. أولها إحياء العدالة الاجتماعية الغائبة، من حيث المساواة في الحقوق والمواطنة والتوزيع العادل للثروات. إلى جانب دمج آليات العدالة الانتقالية ككل للنهوض بالواقع السوري بمختلف جنباته.
فمن الركائز الأساسية للعدالة الانتقالية نستطيع تقديم طروحات مُساعدة للوضع السوري، أولها قائم على كشف الحقيقية عبر لجان تحقيق عادلة تسمع للضحايا وتُحصّل حقوقهم وتوّثق شهاداتهم، لتأتي المحاسبة الجنائية تالياً، فيحاسب الجناة المسؤولون عن الانتهاكات المروعة، عبر آليات قضائية جديدة تندرج تحت إعادة هيكلية القضاء وتَحسينه، مع التأكيد على ضرورة التحلّي بالنزاهة عند تعيين القضاة.
بعد الخطوتين الأساسيتين من كشف ومحاسبة، وجب تعويض الضحايا عبر تقدير حجم الأضرار واقتراح برامج تعويضية تعمل آليتها وفق الفئات المتضررة وطبيعة الضرر.
أما الخطوة الأبرز والضابطة للمجتمع وكل نواحي الدولة، تقوم على الإصلاح المؤسسي وكنّا سابقاً قد أفردنا مقال ناقشنا فيه الإصلاح المؤسسي ودوره في تحقيق العدالة الانتقالية. فلا بدّ من إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية والعسكرية وإنهاء حالة الفصائلية ونظام الميليشيات بشكل تام، وصهرها في جيش واحد وفق آلية العمل المتبعة اليوم في سوريا، مع زيادة التشديد على تطبيقها بشكل أكثر صرامة، منعاً لظهور حالات الانفلات الأمني. وكنّا ناقشنا هذه الحالة ودورها في استقرار البلاد في مقالٍ سابق.
في السياق ذاته، بادرت الدولة السورية لإنشاء “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” في 17 أيار 2025 في تأكيد منها على إصرار مساعيها في تحقيق العدالة وإحقاق الحق. لكن بفعل تراكم الانتهاكات منذ عقود ولضرورة التعامل معها كإرث مَزق المجتمع، من الضروري دمج أُطر العدالة وعملياتها في الحوكمة، عبر اعتماد مقاربة شاملة للحكومة تقوم على إنشاء مكاتب أو نقاط اتصال مخصصة للعدالة الانتقالية في كل وزارة ذات صلة في تحقيق مساعي الصلح والإصلاح.
في حال تم اتباع هذه الآلية في التعاطي مع ترسيخ مبادئ العدالة الانتقالية، فستكون سوريا أمام مقاربة لآليات تتجاوز المركزية، وتدمج عمليات المساءلة والمصالحة وتحصيل حق الضحايا مع عملية صنع السياسة وتقديم الخدمات.
نحو المصالحة: هل تصبح سوريا راوندا؟
كنا ناقشنا في مقال سابق تجربة رواندا في تحقيق العدالة الانتقالية والإقلاع ما بعد الحرب. والآن سَنُفَنّد التجربة الرواندية ونسقطها على الواقع السوري ونناقش كيف يمكن لسوريا أن تستفيد من حالة راوندا في التعافي من الانقسامات وتنمية الاقتصاد.
في حال أردنا أسقاط تلك التجربة على سوريا نرى أن التجربة الرواندية بعد الإبادة الجماعية في العام 1994 قامت على أساسيين للنهوض: الشق الجنائي والشق الاجتماعي. بمعنى أبسط “المساءلة والمصالحة”، هكذا استقامت العدالة في تلك البلاد. فمن ناحية تم إنشاء محاكم “الغاتشاكا” مع إشراك المجتمع في محاسبة مرتكبي الجرائم، إلى جانب التركيز على بناء الدولة بهيكلية جوهرها قائم على الهوية الوطنية المشتركة لا الانقسامات العرقية.
يمكن لسوريا الاستفادة من الخلاصة التالية عبر إطلاق آليات عدالة محلية تُشرك، على غرار راوندا، عائلات الضحايا والمجتمع الأهلي بالمحاسبة مع تفعيل دور القضاء الوطني والاستفادة من القضاء الدولي، كل ذلك مع تسهيل مسارات المصالحة.
المرحلة الثانية التي يمكن لسوريا الاستفادة منها، تقوم على إعادة بناء النسيج الاجتماعي وتوحيده تحت بوتقة جامعة لا تعترف بالانقسامات وإنما بالتشاركية والوحدة، فيجب العمل على توحيد الخطاب الوطني الجامع فوحده من يردم الهوّة ويبني الثقة بين أطياف المجتمع السوري.
المرحلة الثالثة تقوم على تمكين المجتمعات المحلية من المساهمة في إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية كجسد واحد، لا كمحسوبيات، فعلى إثرها يلمس الناس مسارات العدالة بمختلف أشكالها، وأنها لا تقتصر على المحاكمات، بل أن تجلي تلك العدالة معكوس مباشرةً على حياتهم اليومية.
بالمحصلة، ما تحتاجه سوريا اليوم طاولة حوار جامعة على مستوى وطني فعلي لا شكلي سواء بالتمثيل أو بالمناقشة، تنصف الضحايا وتتعامل معهم كسوريين لا وفق تصنيفات تزيد الانقسام في المجتمع السوري فالضرر طال الجميع ولم يفرق بين أحد. إلى جانب تفعيل المحاسبة الشديدة لكل من سفك دم الشعب السوري وانهكه اقتصادياً، وفككه اجتماعياً، مع عدم تعويم شخصيات ارتبطت اسماؤها بالفساد ونهب الثروات وإفقار الشعب.









