أعمال واستثمار

النفط السوري عاد .. فلماذا لا يرتفع الإنتاج؟ 

بقلم: ديانا الصالح

النفط موجود.. والحقول عادت، لكن الإنتاج لا يرتفع، مفارقة غريبة تطرح أسئلة تتجاوز العناوين العريضة وأبرزها: لماذا لا تنعكس استعادة الحقول النفطية على زيادة فورية في الإنتاج؟

تحديات البنية التحتية والنقص في الاستثمارات، بالإضافة إلى آثار العقوبات وتقنيات إعادة تشغيل الآبار، تكشف حقيقة جوهرية مفادها أن الطريق من مرحلة استعادة الحقول النفطية إلى مرحلة ضخ النفط، ليست بالبساطة التي تبدو عليها.

استعادة الحقول النفطية لا تكفي وحدها

تمثل استعادة الحقول النفطية في شمال وشرق سوريا خطوة مهمة نحو استعادة موارد الدولة، إلا أنها الخطوة الأولى وما هي إلا بداية، حيث كشفت المعاينات الأولية عن أضرار كبيرة تعرضت لها الآبار ومحطات التجميع وخطوط النقل.

سنوات من الغياب عن المشهد وعن الصيانة في ظل تشغيل غير منظم، دفع بوزارة النفط والثروة المعدنية إلى إعداد خطط لإعادة التأهيل قبل الحديث عن أي زيادة في الإنتاج.

لكنها ليست سوى بداية الطريق، فمع دخول الفرق الفنية إلى الحقول المستعادة، كشفت المعاينات الأولية عن أضرار واسعة في الآبار ومحطات التجميع وخطوط النقل، نتيجة سنوات من غياب الصيانة والتشغيل غير المنظم.

بناءً على ذلك، قامت وزارة الطاقة بإعداد خطط لإعادة التأهيل قبل الحديث عن زيادة الإنتاج، ويؤكد مختصون أن أي ارتفاع في كميات النفط المستخرجة يبقى مرهوناً بإصلاح البنية التحتية، وتوفير المعدات والكوادر والاستثمارات اللازمة، وليس بمجرد استعادة السيطرة على الحقول.

تراجع طبيعي في إنتاج الحقول

على الرغم من الارتباط بين إنتاج النفط وحجم الاحتياطات واستعادة السيطرة على الحقول، إلا أن هناك عامل آخر أكثر عمقاً، وهو العمر الجيولوجي للمكامن النفطية، أي أنه ومع مرور السنوات تتعرض الحقول لانخفاض طبيعي في معدلات الإنتاج، وذلك نتيجة تراجع الضغط داخل المكامن واستنزاف الكميات التي يسهل استخراجها، مما يجعل من الحفاظ على الإنتاج أو زيادته أمراً أكثر تعقيداً من مجرد إعادة تشغيل الآبار.

كما أن العديد من الحقول النفطية دخلت منذ سنوات مرحلة تعرف بـ “النضج الإنتاجي”، وهو ما يفرض تنفيذ عمليات تطوير مستمرة تشمل حفر آبار جديدة، وصيانة الآبار القائمة واستخدام تقنيات الاستخلاص المخصص للنفط، لزيادة كميات النفط القابلة للاستخراج.

لكن وخلال سنوات الحرب توقفت معظم هذه البرامج التطويرية، ما أدى إلى تراجع الإنتاج، وبهذا فإن استعادة الحقول النفطية تمنح الدولة فرصة لإعادة الموارد لكنها لا تعني بالضرورة استعادة كميات الإنتاج السابقة.

أرقام تكشف حجم التراجع في الإنتاج النفطي السوري

تكشف أرقام إنتاج النفط في سوريا عن حجم الفجوة بين ما كانت تنتجه البلاد قبل سنوات وبين ما تنتجه اليوم، خاصة مع تراجع الإنتاج بشكل كبير مقارنة بالمستويات التي سجلها قبل عام 2011.

فقبل اندلاع الحرب كان الإنتاج النفطي السوري يقارب 380 ألف برميل يومياً، لينخفض خلال السنوات التالية إلى مستويات متدنية، وذلك بعد خروج عدد كبير من الحقول عن الخدمة، وتراجع عمليات الصيانة أو التطوير.

وعلى الرغم من استمرار إنتاج النفط خلال سنوات الحرب الماضية، إلا أن الكميات التي كانت تُستخرج بقيت بعيدة عن مستوياتها السابقة، ووفقاً لبيانات المعهد البريطاني لبحوث الطاقة، فقد بلغ متوسط الإنتاج نحو 34 ألف برميل يومياً في عام 2019، قبل أن يرتفع إلى 43 ألف برميل يومياً خلال 2020 و2021 و2022.

هذا التحسن لم يستمر طويلاً، حيث انخفض الإنتاج إلى 40 ألف برميل يومياً في عام 2023، وتراجع بعد ذلك إلى 35 ألف برميل يومياً في عام 2024، ليصل إلى 34 ألف برميل يومياً في عام 2025.

أما اليوم وبعد استعادة الدولة السورية نحو 70% من احتياطي الحقول في كانون الثاني 2026، فإن تقديرات الإنتاج الحالية تتراوح بين نحو 60 و100 ألف برميل يومياً.

أسباب انهيار الإنتاج

من غير الممكن طرح سبب واحد أو عامل واحد لتراجع النفط السوري، ووفقاً لخبراء اقتصاديين فإن العوامل تراكمت لأكثر من عقد، إلا أن أكثر من 90% من الانخفاض في الإنتاج يعود إلى أربعة أسباب رئيسية وهي: دمار البنية التحتية، والعقوبات الغربية، تشتت إدارة الحقول بين أطراف النزاع المختلفة، فضلاً عن هجرة عدد كبير من الكوادر الفنية والمهندسين.

ويضاف إلى هذه العوامل أيضاً مخاطر استنفاذ المخزون النفطي على مدار 15 عاماً مضت، وهذا الاستنفاذ تمّ بوسائل غير شرعية وبدائية، ليؤثر بشكل سلبي على المخزون الاحتياطي، وبهذا فإن الحقول النفطية ستحتاج إلى عام كامل لدخولها مرحلة الإنتاج، لأن حقل النفط يحتاج إلى وقت كافٍ ليمنح الطاقة الإنتاجية، أما وصول الطاقة الإنتاجية إلى نسبة 70% فيحتاج إلى عام آخر.

تحديات فنية وقانونية تعرقل تعافي القطاع

إعادة القطاع النفطي إلى مستويات إنتاجه السابقة لا تزال تواجه تحديات كبيرة، وهي فنية في جزء منها إلا أن هناك تحديات أخرى، فالطاقة التكريرية في مصفاتي حمص وبانياس انخفضت من 230 ألف برميل يومياً قبل الحرب إلى ما بين 50 و70 ألف برميل يومياً حالياً، فيما تحتاج أكثر من 1000 كيلومتر من خطوط الأنابيب في شمال شرقي سوريا إلى الاستبدال الكامل.

كما أن كلفة إعادة تأهيل المنظومة النفطية يقدر بنحو 30 مليار دولار حتى عام 2030، وإلى جانب ذلك هناك تحديات قانونية تتمثل في العقود النفطية القديمة، التي كانت قد أُبرمت مع شركات أجنبية وهي بانتظار حسم مستقبلها، كما تظهر أيضاً الفجوة التقنية التي سببتها العقوبات، والتي سببت حرمات القطاع من تقنيات متطورة واستثمارها في المجال.

ووسط غياب أي أرقام رسمية أو بيانات تفصيلية، يبقى تقييم واقع القطاع النفطي في سوريا وقدرته على التعافي يشوبه درجة من عدم اليقين، بالتالي فإن نجاح خطط إعادة الإنتاج لا يعتمد فقط على استعادة الحقول أو توفير التمويل، فهو يتطلب شفافية أكبر في نشر المعلومات، بحيث توضح حجم الموارد المتاحة وحالة المنشآت ومستويات الإنتاج الفعلية، بالإضافة إلى وجود أرقام رسمية توضح كلفة استخراج النفط.

وعليه فإن بناء قطاع نفطي قادر على استعادة مكانته وإنتاجه وجذب الاستثمار، يتطلب توفير بيانات موثوقة تتيح للمؤسسات وكذلك المستثمرين فهم الواقع واتخاذ القرارات بناءً على أسس واضحة.

اقرأ أيضاً: صهاريج النفط العراقي تغزو طريق حمص طرطوس.. ماذا تستفيد سوريا؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى