مقالات

استشعار دور الثقافة في مسار بناء الدولة في الحالة السورية

مقال رأي – حسام خلف – استشعار دور الثقافة في مسار بناء الدولة في الحالة السورية

للمرة الأولى بعد تحرير سوريا، يُقام معرض دمشق الدولي للكتاب بوصفه الحدث الثقافي الأبرز في هذه المرحلة، بحسب الجهة المنظمة. بدأ المعرض في الخامس من شباط الجاري واستمر حتى الخامس عشر منه، على أرض مدينة المعارض، بإشراف الهيئة العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة. السؤال الآن بعد نهاية المعرض: هل كنّا أمام حدث مؤسس في الرؤية الاستراتيجية للثقافة في سوريا كما وصفه البعض؟ أم أمام مجرد فعالية تسويقية تستخدمها السلطة بغرض التلميع كما يدّعي آخرون؟

السياق التاريخي وحساسية الثقافة في سوريا

ليس هذا الحدث عادياً، على الأقل في سياقه التاريخي العام. فهو الفعالية الثقافية الأكبر في سوريا بعد إسقاط نظام الأسد وتولي الحكومة الانتقالية برئاسة السيد أحمد الشرع زمام السلطة.

هذه السلطة القادمة من الشمال تحمل معها تاريخاً مرتبطاً بالأيديولوجيا الدينية من جهة، وبالعمل الحربي العسكري من جهة أخرى.

وبعد عام، يمكن اعتباره عام تغيير، لكن لم يكن عام استقرار. فقد اندلعت خلال العام الأول من هذه المرحلة اضطرابات ومعارك وأحداث عنف في الغرب والشرق والجنوب، ما أدى إلى انقسامات اجتماعية حادة على أسس ترتبط بمفهوم الثقافة في سوريا ارتباطاً جذرياً.

فأساس الصراع القائم مرتبط بهوية الدولة، وحقوق المكونات، ودور الهويات الفرعية، سواء كانت طائفية أم عرقية. لذلك فإن سؤال الهوية هو السؤال الأبرز في هذه المرحلة، وهو سؤال ثقافي قبل أن يكون سياسياً.

أنشطة المعرض

استقبلت مدينة المعارض خمسمئة دار نشر سورية وعربية ودولية، وحملت الفعالية شعاراً يحيل إلى البعد السياسي في المرحلة التاريخية، صيغ بعبارة: «تاريخ نكتبه… تاريخ نقرؤه».

وتضمن البرنامج ندوات ونشاطات ثقافية متعددة، من بينها إطلاق سبع جوائز ثقافية تهدف إلى دعم الإبداع والكتّاب الشباب ودور النشر.

غير أن الأهم من ذلك هو الجدل الواسع الذي حظي به المعرض على منصات التواصل الاجتماعي، وتباين الآراء الحاد حوله، بين من رآه مجرّد أداة تسويق ودعاية للسلطة، ومن رآه حدثاً مؤسساً في مسار بناء الدولة في لحظة فارقة.

الآراء حول المعرض

انتشرت على وسائل التواصل أخبار عن السماح بكتب إشكالية حملت عناوين طائفية، من بينها كتاب بعنوان «هل أتاك حديث الرافضة» المنسوب لأبي مصعب الزرقاوي، وقيل إنه أُعيد منعه بتدخلات ووساطات خارجية، أبرزها التدخلات العراقية، إضافة إلى عناوين منسوبة لشخصيات دينية مرتبطة بتنظيم القاعدة، من دون تأكيد رسمي أو نفي واضح.

أثارت هذه الأخبار عاصفة نقد حاد، لا سيما على المنصات المعروفة بعدائها للسلطة الجديدة. أكد آخرون زاروا المعرض بروز الجانب الديني في كمّ المنشورات، على حساب الجوانب الفلسفية وغيرها.

في المقابل، كان رد المخالفين لهم أن الميزة الحقيقية لهذا المعرض تأتي من عدم المنع لا من السماح، إذ لم يُذكر أن عنواناً أو كاتباً أو دار نشر قد مُنعوا من العرض أو المشاركة.

واعتبر هؤلاء ذلك بمثابة فتح ثقافي بعد نصف قرن من الحجر على الثقافة ومنع الفكر وقمع التنوع والتأطير الأيديولوجي للمجتمع في عهد نظام الأسدين.

يحمل هذا الرأي، في نظر الكاتب، وزناً أخلاقياً وبراغماتياً أقوى من سابقاته؛ فالمجتمع السوري مجتمع مسلم متدين، ومن الطبيعي أن يتم تداول العناوين والمفاهيم المرتبطة بثقافته. ولا يصح قمع الاتجاه العام للمجتمع، وإلا عدنا إلى مربع ما قبل التغيير.

مع ذلك، لا مانع من وجود قدر من الرقابة على عناوين قد تثير حساسيات طائفية أو انقسامات مجتمعية في وقت بالغ الحساسية.

محورية العمل الثقافي والأسئلة الصعبة

ليس من العقلانية التعامل مع العمل الثقافي بوصفه ملفاً ثانوياً، أو مساواته بالعمل الفني الاحتفالي، أو اعتباره نشاطاً ترفيهياً للتسلية والمظهر الحسن.

فجودة الواقع لأي مجتمع هي نتيجة طبيعية لجودة ثقافته. لذلك ينبغي أن تحتل استراتيجية التغيير الثقافي موقع القلب في استراتيجية بناء الدولة.

وفي مرحلة انتقالية يكون أساس النقاش فيها هو هوية الدولة ووحدة المجتمع وحقوق المكونات، لا بد من طرح الأسئلة الصعبة لمواجهة الواقع.

على من تقع مسؤولية التخطيط والتغيير والبناء الثقافي؟ وهل تملك الجهات المعنية رؤية مكتملة للعمل الثقافي في هذه المرحلة؟

هل توجد استراتيجية واضحة تؤسس لمفهوم المواطنة وسيادة القانون والتمكين والخدمة الاجتماعية؟

وإن كانت موجودة، فلماذا لا تُعلن؟ وإن لم تكن موجودة، فما الذي يمنع صياغتها؟

حساسية المرحلة تتطلب مستويات عالية من الشفافية، والقرار الرشيد، والعمل المنظم. والثقافة، في مثل هذه اللحظات، ليست هامشاً في مسار الدولة، بل أحد شروط تماسكها.

اقرأ أيضاً: رحلة في المواريث وفق الشريعة الإسلامية مع الأستاذ إبراهيم الشيخ خميس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى