أعمال واستثمار

استثناءات استيراد الخضار: كيف دخلت المحظورات «نظامياً» إلى دمشق؟

الكاتب: أحمد علي

صدر يوم أمس السبت 6 تموز 2025 تصريحٌ أربك المشهد: بضائعٌ محظورة تدخل «نظامياً» لا تهريباً، وتملأ أسواق العاصمة بالفوائض. ما الذي يحدث بين نصّ قرار المنع وروح تطبيقه؟ ومن أين جاءت «الاستثناءات» التي فتحت الباب أمام استيراد أصناف قيل إن وفرتها المحليّة تكفي لأشهر؟ هذا المقال يفتّش في أصل الحكاية، يراجع ما نُشر رسمياً وإعلامياً، ويضع الوقائع في سياقٍ واضح قبل أن يناقش أثرها على المنتج والمستهلك.

ما الذي تقوله الأخبار عن «استثناءات استيراد الخضار»؟

الانطلاقة من مادة منشورة في «الوطن أونلاين» نقلت عن نائب رئيس لجنة تجار ومصدري الخضر والفواكه بدمشق، محمد العقّاد، أنّ بعض التجار حصلوا على «استثناءات خاصة» سمحت لهم باستيراد ثوم وبطاطا وليمون خلال أيلول، رغم قرارٍ نافذ بإيقاف الاستيراد، وأن دخول هذه الشحنات تم «بشكل نظامي» عبر معبر باب الهوى لا عبر التهريب. وأكّد العقّاد في التصريح نفسه وجود فائضٍ محلي من الثوم يكفي لعام كامل، ومن البطاطا يكفي حتى نهاية العام، مع اقتراب موسم الحمضيات الساحلية، ما يلغي الحاجة الاقتصادية لهذه الواردات أصلاً.

القرار الرسمي… ولماذا صدر الآن؟

خلفية المشهد تتمثّل في قرار حكومي يقضي بإيقاف استيراد مجموعة من أصناف الخضار والفواكه خلال شهر أيلول 2025، في سياق حماية الفلاح وتسويق المحاصيل المحليّة في ذروة إنتاجها. وقد تحدّثت وسائل متعددة عن لائحة المنع التي شملت البندورة والخيار والبطاطا والباذنجان والفليفلة والبصل والثوم والليمون، إضافة إلى بعض الفواكه والمكسّرات، مؤكِّدة أن الغاية هي تخفيف الضغط على المنتج المحلي في فترة الوفرة. هذه التفاصيل وردت في تغطيات متطابقة تقريباً لوسائل عربية ومحلية، كما ظهرت على صفحات تواصل اجتماعي منسوبة لجهات رسمية تُعلن إيقاف الاستيراد خلال أيلول حمايةً للإنتاج المحلي.

بين النص والتطبيق: أين تتسلّل الاستثناءات؟

إذا كانت «الوطن» قد وثّقت وجود استيراد «نظامي» لأصنافٍ محظورة، فالسؤال التالي منطقي: من منح هذه «استثناءات استيراد الخضار» وعلى أي أساس؟ البحث في الإعلانات العامة لم يُسفر عن بيان رسمي يحدّد أسماءً أو كميات أو أسباباً استثنائية خلال أيلول؛ المنشورات المعلنة تذكر القرار وأهدافه ولا تشرح قنوات الإعفاء أو ضوابطها، ما يرجّح – استناداً إلى ما هو منشور – أن الاستثناءات إن وُجدت فقد مُنحت ضمن إجراءاتٍ غير مُعلَنة للعامة، وهو ما يخلق فجوة شفافية تتسع أمام الشائعات وتضعف الثقة بتكافؤ الفرص.

من الاقتصاد إلى السوق: أثر الالتباس على المزارع والمستهلك

جوهر قرار الإيقاف يرتكز إلى منطق بسيط: عندما تكون الحقول ممتلئة، يجب ألّا تُغرق السوق ببضاعةٍ مستوردة تكسر الأسعار تحت كلفة الإنتاج. لذلك، فإن استمرار دخول أصناف محظورة «نظامياً» – إن صحّ – ينقل الكلفة إلى الفلاح أولاً، لأن المنافسة غير المتكافئة تعمّق خسارته وتربك خطط زراعته للموسم التالي. في المقابل، لا يستفيد المستهلك بالضرورة؛ فالإغراق المؤقت قد يضغط الأسعار سريعاً لكنه يضعف قدرة المنتج المحلي، ومعها مرونة السوق على المدى المتوسط. حين يذكر العقّاد وفرة الثوم والبطاطا واقتراب موسم الحمضيات، فهو يذكّر بأن مبرّر الاستيراد الطارئ ينتفي موضوعياً في هذه الفترة، ما يجعل «استثناءات استيراد الخضار» – إن حدثت – عبئاً لا علاجاً.

«نظامي» عبر باب الهوى

الإشارة إلى عبور الشحنات عبر معبر باب الهوى تفتح ملفاً لوجستياً وإدارياً لا يقل أهمية: المرور «النظامي» يعني وجود إجازات ووثائق جمركية ورقابية مكتملة الحلقات. إذاً، إمّا أنّ الاستثناءات مُنحت فعلاً عبر قنوات رسمية، أو أنّ هناك خللاً في ضبط التنفيذ على المعابر والنقاط الداخلية. وفي كلتا الحالتين، تبرز الحاجة إلى إيضاح تسلسلي يبيّن كيف جرى منح الإذن بالدخول مع استمرار قرار المنع، وما هي الكميات، ومتى تنتهي تلك الاستثناءات إن كانت مرتبطة بظرف محدّد. من دون هذا الإيضاح، تبقى الرواية معلّقة بين قرارٍ واضح ومسار تطبيقٍ يكتنفه الغموض.

ما الذي يمكن الجزم به… وما الذي يحتاج توضيحاً؟

الممكن الجزم به اليوم هو وجود قرار معلَن بوقف الاستيراد خلال أيلول حمايةً للمنتج المحلي، وأن وسائط إعلامية مرموقة نقلت نصوصه وأسبابه، وأن «الوطن» نشرت تصريح العقّاد الذي يتهم بعض التجار بالاستفادة من استثناءات لاستيراد أصناف محظورة عبر مسارٍ «نظامي». لكن ما يحتاج توضيحاً رسميّاً هو وجود تلك الاستثناءات من عدمه، وحدودها ومبرّراتها، ومنحها لمن، وكيفية اتساقها مع أهداف القرار. وهذا التوضيح ليس تفصيلاً بيروقراطياً البتّة؛ بل إنه الفيصل بين سياسةٍ تُطبَّق بعدالة والتزام وبين تشوّهٍ تنافسي يجرح ثقة المنتجين والمستهلكين معاً.

الشفافية أولاً… لحماية القرار ومعناه

ختاماً، لا يختلف اثنان على أن إدارة الاستيراد في المواسم الحسّاسة أداةٌ لحماية الزراعة الوطنية، لكن الأداة تفقد معناها إذا فُتحت لها نوافذ جانبية بلا إعلان. لذلك، فإن صحة ما ورد في «الوطن» تعني أن «استثناءات استيراد الخضار» تحوّلت من صمام أمان لمواجهة نقصٍ طارئ إلى ثغرةٍ تبتلع الهدف الأصلي للقرار. ولذلك، فإن المطلوب بيانٌ رسمي يحدّد الوقائع ويُعلن ضوابط الاستثناء – إن وُجد – وآليّة مراقبته، مع برنامجٍ واضح لتصريف الفوائض المحلية قبل بدء موسم الحمضيات، كي لا تُحمَّل كلفة الغموض على كاهل الفلاح مرةً أخرى. وحتى يصدر هذا البيان، ستظل الأسئلة مشروعةً والحذر واجباً من كل ما يشوّش علاقة القرار بسوقه وموسمه.

اقرأ أيضاً: وزير الاقتصاد بالحكومة السورية يؤكد أولوية ترميم بُنى الإنتاج واستبعاد الكماليات لترشيد الاستيراد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى