أعمال واستثمار

استثمارات السوريين في تركيا.. هل تعود إلى سوريا؟

بقلم: ريم ريّا

على مدى أكثر من عقد، تجاوز وجود السوريين في تركيا مجرد اللجوء والعمل والتعليم، ليصبح قصة اقتصادية بارزة، تشكّلت من خلال مئات الشركات والمشاريع التي أنشأها رجال أعمال ومستثمرون سوريون في مختلف القطاعات. ومع ظهور بوادر تغير المشهد الاقتصادي في سوريا، عادت النقاشات حول مصير هذه الاستثمارات التي ازدهرت خارج حدود البلاد، وإمكانية عودتها في نهاية المطاف للمساهمة في إنعاش الاقتصاد السوري. إلا أن هذا السؤال ليس مجرد رغبة، بل هو نتاج حسابات معقدة تحكم حركة رؤوس الأموال، التي تُعطي الأولوية دائمًا للاستقرار والفرص.

السوريون يتصدرون الاستثمار الأجنبي في تركيا

أظهرت بيانات اتحاد الغرف التجارية وبورصات السلع في تركيا (TOBB) أن المستثمرين السوريين تصدروا قائمة الشركاء الأجانب في الشركات الناشئة في أيار 2026، حيث سجلوا 425 شركة جديدة بمشاركة سورية. وجاء السوريون في المرتبة الأولى، يليهم المستثمرون الأتراك المشاركون في مشاريع مشتركة، ثم المستثمرون الإيرانيون الذين سجلوا 52 شركة خلال الفترة نفسها.

تعكس هذه الأرقام استمرار نشاط الاقتصاد السوري في تركيا، حيث نجح عدد كبير من رجال الأعمال في تأسيس مشاريع مستدامة في قطاعات التجارة والبناء والخدمات والصناعة. كما تظهر البيانات أن الشركات ذات المسؤولية المحدودة تشكّل الحصة الأكبر من الشركات الجديدة، بينما تركزت معظم الاستثمارات في قطاعات التجارة والبناء والخدمات الاستهلاكية. ويرى المراقبون أن المستثمرين السوريين تمكنوا في السنوات الأخيرة من الاستفادة من الموقع الجغرافي لتركيا وبنيتها التحتية الاقتصادية المتطورة للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية التي يصعب الوصول إليها من داخل سوريا.

بين فرص العائد وحسابات المستثمرين

على الرغم من الروابط القوية التي تربط العديد من المستثمرين السوريين ببلادهم ورغبتهم في المساهمة في إنعاش الاقتصاد المحلي، إلا أن قرار نقل أعمالهم أو الاستثمار المباشر في سوريا لا يزال مدفوعاً بالعوامل الاقتصادية أكثر من العواطف. فالمستثمر الذي بنى شركة ناجحة على مر السنين وطوّر شبكة من العلاقات التجارية وأسواق التصدير، لن يقدم بسهولة على نقل أعماله ما لم تتوفر الظروف التي تضمن استمرارية العمل وربحيته.

يشير الاقتصاديون إلى أن جذب رؤوس الأموال السورية إلى الخارج يتطلب بيئة استثمارية مستقرة، وإجراءات إدارية شفافة، وتسهيلات مصرفية ومالية تتيح حرية الحركة والتوسع. إضافةً إلى ذلك، يعدّ وجود بنية تحتية قادرة على استيعاب المشاريع الصناعية والخدمية عاملاً هاماً في قرارات المستثمرين. في المقابل، قد تشهد المرحلة التالية إنشاء مشاريع أو فروع جديدة داخل سوريا دون التخلي عن أنشطتها الأساسية في تركيا، وذلك في محاولة لاستغلال الفرص المتاحة في كلا السوقين.

اقرأ أيضاً: المنافذ والجمارك تعفي سيارات السوريين المقيمين في تركيا من الرسوم

ما هي معوقات عودة الاستثمارات؟

يرى الخبراء أن التحدي الأبرز هو الحاجة إلى ضمانات قانونية واقتصادية طويلة الأجل تمنح المستثمرين الثقة اللازمة لضخ رؤوس أموال جديدة. علاوة على ذلك، أصبحت العديد من الشركات السورية في تركيا جزءاً من أنظمة إنتاج وتصدير متكاملة مرتبطة بالأسواق التركية والعالمية، مما يجعل نقلها الكامل إلى سوريا عملية معقدة ومكلفة.

كما تعد التحديات المتعلقة بتمويل المشاريع، والحصول على الخدمات الأساسية، والطاقة، والنقل، وسهولة الوصول إلى الأسواق الخارجية، تحديات كبيرة أيضاً. على الرغم من هذه العقبات، يؤكد الخبراء أن استقطاب بعض رؤوس أموال السوريين المقيمين في الخارج يظل هدفاً قابلاً للتحقيق، شريطة أن يترافق مع إصلاحات اقتصادية وقانونية تحسن مناخ الاستثمار وتهيئ بيئة أعمال تنافسية.

ونظراً لنجاح المستثمرين السوريين في الخارج وحاجة الاقتصاد المحلي إلى الخبرات ورؤوس الأموال، فإن مستقبل هذه الاستثمارات سيظل مرهوناً بقدرة السوق السورية على تقديم حوافز مقنعة لتحقيق عائد استثماري، بدلاً من مجرد وعود جوفاء أو أمنيات.

ختاماً، خلال السنوات القليلة الماضية، رسّخ السوريون وجوداً اقتصادياً قوياً في تركيا، ليصبحوا من أبرز المستثمرين الأجانب من حيث عدد الشركات الناشئة. ومع ذلك، فإن تكرار هذه التجربة داخل سوريا لن يعتمد فقط على الرغبة، بل أيضاً على قدرة البيئة الاقتصادية المحلية على توفير الاستقرار والثقة وفرص النمو. فكما يسعى رأس المال إلى الفرص، فإنه يسعى أيضاً إلى الأمن والاستقرار، وهذان العاملان سيحددان مستقبل عوائد الاستثمار في سوريا خلال السنوات القادمة.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى