أعمال واستثمار

استبدال العملة القديمة السورية .. نجاح نسبي أم فشل في التوزيع؟

بقلم: ديانا الصالح

رغم إعلان مصرف سوريا المركزي إنجاز استبدال العملة القديمة بنحو 80% من الأوراق النقدية، إلا أنها ما تزال حاضرة في الأسواق وتتنقل بين أيدي الباعة والمتسوقين، كما تُستخدم في عمليات البيع والشراء اليومية.

وهذا ما يطرح تساؤلات تتجاوز نسبة الإنجاز المُعلنة: ماذا سيحدث عند انتهاء المهلة المحددة لاستبدال العملة؟ وهل ستفقد الأوراق القديمة قيمتها فوراً، أم سيكون هناك إجراءات انتقالية تضمن عدم تعرض المواطنين لخسائر أو اضطرابات في التعاملات؟

حضور الليرة القديمة رغم العدّ التنازلي

أطلق مصرف سوريا المركزي عملية استبدال العملة القديمة مع بداية عام 2026، وذلك كجزء من إصلاح نقدي شامل هدفه حذف صفرين من الليرة، بالتالي تبسيط المعاملات وتعزيز الثقة بالنظام النقدي ومكافحة التزييف.

وكان حاكم المصرف محمد صفوت رسلان، قد أعلن أن العملية “وطنية ناجحة” عززت الثقة مع استبدال نسبة كبيرة من العملة، ومع ذلك ما زالت الليرة القديمة حاضرة لعدة أسباب منها:

  • فترة التعايش الرسمية: حيث بقيت العملة القديمة صالحة للدفع وقوتها الإبرائية كاملة حتى نهاية 30 تموز 2026، بالتالي سُمح باستخدامها إلى جانب العملة الجديدة في جميع المعاملات.
  • التمديدات المتكررة: مدد المصرف المهلة مرات عدة وكان آخرها 30 يوماً اعتباراً من الأول من تموز الجاري، وذلك لمراعاة المواطنين الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى نقاط الاستبدال.
  • التوزيع الجغرافي واللوجستي: بعض المواطنين خاصة في الريف أو المناطق المتضررة لم يستبدلوا عملتهم بعد، بالإضافة إلى استمرار بعض المؤسسات في التعامل بالقديمة بشكل مؤقت.

الفرصة الأخيرة لاستبدال العملة القديمة

حاكم مصرف سوريا محمد صفوت رسلان أكد في تصريحاته أن المهلة الحالية تمثل “فرصة أخيرة” لاستكمال الاستبدال، طالباً من جميع المصارف وشركات الصرافة والحوالات المالية، الامتناع عن إعادة طرح أي فئات قديمة في التداول، كما طلب تسليم المتعاملين الليرة السورية الجديدة حصراً في عمليات السحب والصرف.

وفي مطلع شباط الماضي أعلن البنك المركزي السوري أن نسبة استبدال العملة القديمة بلغت 35% من إجمالي الكتلة النقدية المستهدفة، حيث سُحب ما يزيد عن 13 تريليون ليرة قديمة أي نحو 1.2 مليار دولار من أصل 42 تريليون ليرة قديمة أي 3.9 مليار دولار، وقد كانت متداولة في السوق، حيث تم ذلك بالتوازي مع بدء عمليات منظمة لإتلاف العملة القديمة تحت إشراف الجهاز المركزي للرقابة المالية، ضمن خطة تهدف إلى منع إعادة ضخها وتعزيز الثقة بالليرة الجديدة.

ماذا سيحدث بعد 31 تموز 2026؟

حتى الآن، لم يعلن مصرف سوريا المركزي بشكل مباشر وتفصيلي عن الآلية التي ستُتبع بعد انتهاء مهلة استبدال الأوراق النقدية القديمة، إلا أنه ومن خلال التصريحات الرسمية المتوالية خلال الأشهر الماضية، يمكن القول أن العملة القديمة ستفقد قوتها الإبرائية، أي لن تكون الليرة القديمة مقبولة في الدفعات أو تسوية الالتزامات بعد هذا التاريخ، أي أن التجار والمواطنين سيرفضونها بشكل تدريجي، إلا أن ذلك لا يعني سقوط حق حامليها في استبدالها، حيث ستستمر عملية السحب لدى المصرف المركزي لمدة خمس سنوات، وفق آليات وإجراءات تنظيمية محددة سيُعلن عنها لاحقاً.

كما من الممكن أن يؤدي ذلك إلى الضغط على المواطنين إذا لم يكملوا عملية استبدال العملة القديمة في الوقت المناسب، إلا أنه سيعزز من سيطرة العملة الجديدة في النهاية ويقلل من مخاطر التزوير والفوضى.

تحديات تؤخر عملية استبدال الليرة القديمة

يرى أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة عبد الرحمن محمد، أن استكمال عملية استبدال العملة القديمة بالجديدة يصطدم بمجموعة من التحديات، أبرزها تضارب المعلومات وغياب الشفافية في الأرقام المُعلنة، فهي تثير الجدل بسبب عدم وضوح المعايير التي استُند إليها في عملية احتسابها، مما يفاقم من حالة عدم اليقين لدى المواطنين.

كما أن هناك نقص في التعامل مع الفئات النقدية الصغيرة التي كانت موجودة أساساً وهي من فئة 100، 200، 500، وهذا ما قد يُعتبر علامةً على خلل أساسي في آلية ضخ السيولة.

ومن التحديات البارزة أيضاً التوزيع غير المتوازن للعملة الجديدة بين المحافظات، خاصة أنها تتركز في المدن الكبرى والمراكز الرئيسية، وهذا ما أبطأ من عملية الاستبدال، وما يزيد الطين بلةً أن هناك مناطق مثل الرقة وإدلب تشهد غياباً للعملة الجديدة، وهذا الأمر يخلق سوقاً مزدوجة وبالتالي يعمق الفجوة بين الرواية الرسمية والواقع المعيشي.

تجارب سابقة

تجارب دولية عدة تظهر أن نجاح عملية استبدال العملة القديمة بالجديدة لا يرتبط بطرح الأوراق النقدية الجديدة فقط، فالعملية تتعدى الحدود الورقية وتدخل في سياق قدرة الجهات الرسمية على إدارة مرحلة الاستبدال بنجاح، ففي العراق مثلاً رافق استبدال الدينار القديم تحديد فترة زمنية واضحة للاستبدال وسُمح بالعملة القديمة ضمن مرحلة انتقالية محددة.

أما في السودان فاعتُمد على مراحل لاستبدال العملة وتنفيذ هذه المراحل على عدة أقسام، وتوزيعها جغرافياً لتغطية البلاد وذلك لضمان تنظيم عملية السحب ووصول العملة الجديدة إلى مختلف المناطق.

بالتالي، عملية الاستبدال في كلتا الحالتين كانت مرتبطة بخطط زمنية واضحة ومراكز توزيع محددة ومنتشرة، فيما تواجه الحالة السورية تحديات إضافية تتعلق بضخ العملة الجديدة بما يضمن انتشارها الجغرافي، فضلاً عن الحاجة الأكبر إلى الثقة بالعملة الجديدة، وإنهاء الازدواجية في التعامل مع العملات المختلفة الموجودة في البلاد.

وبناء على ما سبق، كلما اقترب موعد انتهاء المهلة للاستبدال، كلما اقترب التحدي الأكبر الذي لا يمكن قياسه بنسبة الأوراق التي استُبدلت، فالقضية أكبر من مجرد حذف أصفار، فهو يتعلق بمدى قدرة الجهات الرسمية على إدارة المرحلة التالية وسحب ما تبقى من العملة القديمة بشكل منظم، فالمهمة الأصعب تبدأ بعد انتهاء المهلة الرسمية، حيث ستتحول عملية الاستبدال إلى اختبار حقيقي للثقة بالعملة الجديدة، وقدرة السوق على التكيف مع الواقع الجديد.

اقرأ أيضاً: الليرة السورية أمام أسبوع تعافٍ: هل التحسن النقدي قابل للاستمرار أم ظرفي؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى