ارتفاع إيجارات المحال التجارية يهدد المشاريع الصغيرة.. هل أصبح المحل عبئاً؟

بقلم هلا يوسف
يفكر كثير من السوريين بمشاريع صغيرة تدر عليهم أرباحاً تكفيهم كفاف يومهم. خصوصاً السوريين القادمين من الخارج ومعهم مبلغ صغير يريدون أن يفتحوا فيه مشروعاً صغيراً. وأغلب هذه المشاريع تحتاج لاستئجار محل لبدء المشروع. عدا عن التجهيزات والبضاعة والتسويق وغيرها. كل ذلك يحتاج لمال يضخه صاحب المشروع الصغير.
لكن تخيل أن بعد كل ذلك وبعد العمل لأشهر تكتشف أن إيجار المحل يلتهم كل الأرباح؟ هذا بحد ذاته سببٌ للتوجه نحو عمل آخر، أو ربما إغلاق المحل تماماً، وبذلك نكون قد خسرنا مشروعاً ناشئاً. طبعاً هذا ولم نذكر بعد استمرار الإيجار بالارتفاع.
هذا ما يواجهه اليوم عدد من أصحاب المشروعات الصغيرة والتجار والحرفيين في سوريا، خصوصاً في دمشق وريفها. بعضهم عاد للعمل من المنزل، وبعضهم أغلق محله، وآخرون وجدوا أن شراء العقار، رغم كلفته الكبيرة، قد يكون أقل خطراً من البقاء تحت رحمة الزيادات المتكررة في الإيجار.
عندما يصبح الإيجار شريكاً في المشروع
إذا أخذنا ما قاله أصحاب المشروعات كما هي على الأرض، سنكتشف أن المشكلة أكبر من إمكانياتهم. فمثلاً أحد أصحاب متاجر المواد الغذائية في ريف دمشق كان يدفع نحو مليوني ليرة سورية شهرياً مقابل محله، لكن الإيجار بدأ يرتفع تدريجياً حتى تجاوز 3.5 ملايين ليرة، والمشكلة أن المتجر يقع بعيداً نسبياً عن السوق، وبالتالي لا يحقق مبيعات تسمح له بتحمل هذا الرقم. ومع استمرار الارتفاع، بدأ صاحبه يفكر جدياً في إغلاق المتجر والبحث عن عمل آخر، أو حتى بيع قطعة أرض ورثها لشراء المحل والتخلص من الإيجار.
بينما في قصة أخرى، كانت صاحبة مشروع صغير للقرطاسية والنوفوتيه تبحث عن محل لتبدأ عملها. وجدت أن الإيجار في موقع مناسب قرب السوق يبدأ من نحو 300 دولار شهرياً، بينما وصلت بعض العروض إلى 400 و500 دولار، مع اشتراط دفع ثلاثة أو ستة أشهر مقدماً.
قد تبدو الأرقام السابقة متوقعة بالنسبة للبدء في مشروع، لكنه مع الوقت يصبح عبئاً ثقيلاً عندما يكون رأس المال كله نحو 2500 دولار. فدفع الإيجار مسبقاً قد يستهلك معظم المبلغ قبل شراء البضاعة وبدء العمل.
وهذه ليست الحالة الوحيدة. صاحبة مشروع لبيع ألبسة الأطفال اضطرت أيضاً إلى ترك محلها والعودة إلى العمل من المنزل، بعدما ارتفع الإيجار بعد ستة أشهر فقط من 120 دولاراً إلى 200 دولار. وذلك بعد أن وضعت مالاً للتجهيزات والديكور.
أما صاحب مطعم للشاورما، فلم يجد أمامه خياراً سوى الإغلاق بعدما ارتفع إيجار محله من 450 إلى 800 دولار شهرياً خلال عام واحد. ولم تكن خسارته في الإيجار فقط، إذ لم يتمكن من بيع معدات المطعم إلا بنحو ثلث سعرها، بينما خسر الأموال التي دفعها على الديكور والواجهة والتجهيزات.
الإيجار قد يلتهم رأس المال قبل البضاعة
ربما تصبح الصورة أوضح إذا انتقلنا من المعلومات إلى الأرقام، فبحسب بعض عروض الإيجارات التجارية في دمشق وحلب وحمص، يظهر أن إيجار المحال الصغيرة في بعض المناطق الشعبية يتراوح بين 2000 و5000 دولار سنوياً. وفي المناطق السكنية التجارية المتوسطة والشوارع الفرعية، قد يصل إلى 5000–12 ألف دولار، بينما ترتفع الأسعار في المناطق الحيوية والأسواق التجارية إلى 15 ألفاً، وقد تصل إلى 30 ألف دولار سنوياً. بينما قد يبدأ مشروع صغير برأس مال لا يتجاوز 500 دولار، وقد يصل إلى 5000 دولار بحسب نوع النشاط.
وهنا تخيل المفارقة أن شخصاً جمع 3000 دولار لشراء معدات ومواد أولية لمشروع حلويات صغير، لكنه يجد نفسه أمام محل يحتاج إلى 8000 دولار إيجاراً سنوياً. أي أن الإيجار وحده يعادل نحو 267% من رأس المال التشغيلي.
وبطريقة أبسط، يعني ذلك أن صاحب المشروع يحتاج إلى تأمين نحو 22 دولاراً يومياً من هامش الربح فقط حتى يغطي الإيجار، قبل أن يحسب ثمن المواد الأولية والكهرباء والمياه والنقل وأجور العمال والتسويق.
لهذا يصف رجل الأعمال فيصل عطري استئجار محل بهذه التكاليف بأنه “فخ اقتصادي خطير”، بينما يرى رجل الأعمال تيسير طرقجي أن مالك العقار قد يتحول عملياً إلى شريك في المشروع، لأن الإيجار قد يستهلك نحو 40% من صافي الربح أو أكثر.
ويشير طرقجي إلى أن الاعتماد على المحل التجاري كان منطقياً أكثر قبل نحو 20 عاماً، أما اليوم فالإيجار إلى جانب الديكور والتجهيزات وأجور الموظفين قد يرفع التكاليف الثابتة إلى أكثر من 10 آلاف دولار سنوياً، حتى قبل بيع أول منتج.
لماذا ترتفع الإيجارات إلى هذه المستويات؟
قد يتساءل كثيرون عن سبب ارتفاع الإيجارات التجارية لهذا الحد. والخبير الاستثماري محمد الطباخ يجيب عن هذا السؤال بربطه ارتفاع الإيجارات بعدة عوامل. فبعض مالكي العقارات يتجهون إلى تحويل العقارات إلى استخدام تجاري لأن عائدها من الإيجار يكون أعلى، كما تؤدي المضاربة العقارية إلى رفع أسعار العقارات، وبالتالي ارتفاع الإيجارات.
ويشرح الطباخ أن الشخص الذي يشتري محلاً بسعر مرتفع يحاول استعادة قيمة استثماره خلال سنوات قليلة، فينعكس ذلك على المستأجر الذي يدفع إيجاراً أعلى.
وهناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو قلة المحال التجارية الجديدة والشاغرة. فعندما يقل العرض ويزداد الطلب، ترتفع الأسعار، حتى لو لم تكن هذه الأسعار متناسبة فعلياً مع قدرة المشروع على تحقيق الأرباح.
كما يشير الطباخ إلى أن بعض المغتربين يشترون المحال التجارية كاستثمار طويل الأمد، ثم يؤجرونها بأسعار مرتفعة، مما يضيف ضغطاً على التجار المحليين.
أما الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، فيرى أن عودة بعض المهجرين واللاجئين ورغبتهم في افتتاح مشروعات جديدة رفعت الطلب على المحال، خصوصاً في المناطق التي لا تشهد توسعاً عمرانياً كبيراً.
كما أن سنوات الحرب أدت إلى خروج عدد كبير من المحال والأسواق من الخدمة، مما قلل المعروض المتاح. والنتيجة في النهاية واحدة: تاجر يبحث عن محل، ومحال قليلة متاحة، وأسعار ترتفع.
لكن المشكلة لا تتوقف عند صاحب المشروع. فبحسب الدبس، عندما يرتفع الإيجار قد يضطر التاجر إلى رفع سعر منتجاته لتعويض التكلفة، وهذا يعني أن جزءاً من هذه الزيادة قد يصل في النهاية إلى المستهلك.
هل يمكن أن يبدأ المشروع من دون محل؟
ليست كل المشروعات بحاجة إلى محال تجارية لتبدأ، وهذا الجواب وافق عليه عطري الذي دعا صاحب المشروع إلى حساب الإيجار السنوي مقارنة بالمبيعات التي يتوقع تحقيقها، وألا يتجاوز الإيجار، وفق تقديره، 15% من إجمالي المبيعات المتوقعة.
كما ينصح بعدم اختيار شارع تجاري غالٍ إذا كان المشروع لا يعتمد على الزبائن المارين، مثل بعض ورش التصنيع والمشروعات المنزلية.
وهنا تظهر بدائل أخرى مثل العمل من المنزل، والبيع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتوصيل إلى المنازل، واستخدام مساحات صغيرة للتصنيع أو التخزين، ومشاركة محل مع نشاط آخر، أو الاعتماد على المعارض والأسواق الموسمية بدلاً من الالتزام بإيجار ثابت طوال العام.
ويطرح عطري نموذج “المشروعات الرشيقة”، التي تقوم على تقليل المصاريف الثابتة والاعتماد على التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية والمطابخ السحابية والخدمات المتنقلة.
فبدلاً من إنفاق المال على واجهة وديكور وموقع مكلف، يمكن توجيه جزء أكبر من رأس المال إلى تحسين المنتج، والتسويق، وخدمات التوصيل. ويرى أن هذا النموذج قد يسمح بخفض الأسعار بنحو 20 إلى 30%، ويمنح صاحب المشروع مرونة أكبر إذا احتاج إلى تعليق نشاطه أو تغييره.
أما من الناحية القانونية، فيرى المحامي محمد العاشق أن المشكلة تحتاج إلى إعادة نظر في تنظيم الإيجارات التجارية، من خلال وضع سقف معقول للزيادة السنوية، وتشجيع العقود الأطول، وإنشاء مناطق حرفية وصناعية صغيرة بإيجارات مدعومة، بالإضافة إلى حاضنات أعمال توفر مساحات بأسعار مناسبة.
وبحسب المعلومات الواردة في النص، فإن قانون الإيجار رقم 20 لعام 2015 لا يحدد قيمة نسبية لعقود الإيجار الجديدة، إذ تخضع هذه العقود لمبدأ “العقد شريعة المتعاقدين”، مما يجعل قيمة الإيجار ومدته خاضعتين إلى اتفاق الطرفين وأسعار السوق.
وفي النهاية، المشكلة ليست في الإيجارات المرتفعة، بل الحلقة المفرغة التي تدور حولها الأسعار، فالفرد الذي يؤجر محله ليعيش منه يضطر لرفع الإيجار عندما ترتفع أسعار المعيشة، والمستأجر يرفع أسعار منتجاته ليحقق هامش الربح ودفع التزاماته، وهذا يؤثر بدوره على المستهلك. لذلك هناك الكثير من الخيارات التي توفر على صاحب المشروع الإيجار، مثل العمل عبر الإنترنت الذي أصبح رائجاً الآن.
اقرأ أيضاً: قابلية العيش في دمشق عند 32 نقطة هل هي فعلاً «غير قابلة للعيش»؟









