أعمال واستثمار

الأرقام تكشف حقيقة اختلاس النفط شرقي سوريا.. هل هناك أمل بالعودة؟

خلال الفترة الأخيرة، تم تداول العديد من الأخبار حول مصير القطاع النفطي في سوريا في تمركز حقول النفط في مناطق شمال شرقي البلاد، وتحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية. كما تم تناقل العديد من الأحاديث حول اختلاس إنتاج تلك الحقول وخصوصاً بعد خروج الشركات الأجنبية من البلاد بسبب العقوبات التي تم فرضها منذ عام 2011. فهل يتم استغلال الحقول النفطية الواقعة في تلك المنطقة بطريقة غير مشروعة؟ وفي حال لاتزال عمليات استخراج النفط جارية فلمن يعود ريعها وكيف تؤثر على الاقتصاد والبيئة؟

هذا ما سوف نكشف عنه في هذا المقال، بالإضافة إلى مناقشة الحلول المطروحة من أجل إعادة استثمار النفط السوري بشكل صحيح، وتوزيع الموارد بطريقة عادلة.

حجم اختلاس النفط شرقي سوريا

كشف مدير شركة “غولف ساندس – Gulfsands” النفطية البريطانية، جون بيل، عن معلومات جديدة تشير إلى حجم الاختلاس المستمر للنفط في شمال شرقي سوريا، حيث أشار في بيان له على موقع “لينكد إن” إلى أنه منذ عام 2017 قد تم استخراج أكثر من 55 مليون برميل من النفط والغاز بشكل غير قانوني من “البلوك 26” وحده، وهي عمليات استنزاف تقدر قيمتها بأكثر من 3.85 مليار دولار أمريكي.

هذا وقد أكدت الشركة البريطانية، التي تملك عقد استكشاف وتطوير “البلوك 26″، في وقت سابق، أن حقولها النفطية أعيدت إلى الإنتاج “بشكل غير قانوني” بعد توقف الشركة عن العمل امتثالاً للعقوبات في عام 2011. وقد وجهت الشركة اتهاماً مباشراً للإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد والكيانات التابعة لها بسرقة أكثر من 41 مليون برميل نفط بقيمة تقارب 2.9 مليار دولار.

الآثار الاقتصادية والبيئية والصحية لاختلاس النفط شرقي البلاد

إن اختلاس النفط في شرق سوريا لا يقتصر أثره على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل أضراراً بيئية وصحية جسيمة. فمن الناحية الاقتصادية، تُباع الموارد المسروقة في السوق السوداء بأسعار متدنية جداً، بهدف تمويل جهات غير شرعية على حساب الشعب السوري الذي يُحرم من ثرواته الطبيعية.

وفي هذا الصدد، حذرت شركة “غولف ساندس” البريطانية من أن استخراج النفط خلسة وبطريقة غير قانونية والبيع غير المنظم له يزيد من الفساد ويُخفّض الأسعار، مما يجعل العوائد الضخمة محصورة بيد فئة قليلة بدلاً من أن تعود بالنفع على البلاد بشكل عام.

أما على الصعيدين البيئي والصحي، فالأضرار لا تقل خطورة، حيث تُمارس عمليات الاستخراج باستخدام تقنيات غير متطورة، مما يؤدي إلى تلوث واسع النطاق للأرض والمياه. ووفقاً لما صرّح به مدير الشركة البريطانية، بيل، فإن هذا الأمر من شأنه أن يتسبب في انتشار أمراض خطيرة بين المجتمعات المحلية، كأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية وحتى السرطان.

إمكانية عودة الإنتاج النفطي بين الواقع والتحديات

دعا المدير التنفيذي لشركة “غولف ساندس” البريطانية، جون بيل، إلى تبني استراتيجية وطنية سورية مركزية، معتبراً أن هذا النهج يمثل بديلاً أفضل بكثير لاستغلال الموارد الطبيعية. ووفقاً لبيل، فإن الإدارة القانونية والآمنة للقطاع النفطي يمكن أن ترفع الإنتاج من 80 ألف برميل يومياً إلى 500 ألف برميل، مما يدر مليارات الدولارات سنوياً، ويمكن أن يصل العائد إلى 20 مليار دولار في السنة.

على الجانب الآخر، يرى المحلل الاقتصادي في شؤون الشرق الأوسط محمد الفتيح، خلال تصريحات إعلامية، أن هذه التوقعات مبالغ فيها، مؤكداً خلال حديثه أن البنية التحتية للقطاع النفطي في شمال شرقي سوريا قد تضررت بشكل كبير وتحتاج إلى استثمارات هائلة لإعادة تأهيلها.

هذا وقد أشار أيضاً إلى أن معظم الآبار النفطية قد تجاوزت ذروتها الإنتاجية حتى قبل عام 2011، وأن الحديث عن عودة الإنتاج إلى مستويات عالية “غير واقعي”، خصوصاً بعد النظر إلى الاستخراج الأولي الذي تعرضت له الآبار. كما أوضح أن النفط في المنطقة قد يدخل مرحلة النضوب خلال بضع سنوات، ما لم يتم إجراء عمليات مسح زلزالي واسعة للكشف عن حقول جديدة.

توحيد قطاع الطاقة في سوريا ضرورة ملحّة

يرى مدير شركة “غولف ساندس” البريطانية، جون بيل، أن الطريق الأمثل لاستعادة قطاع الطاقة السوري حيويته يكمن في توحيده تحت إدارة مركزية، مع وضع ترتيبات عادلة لتقاسم الإيرادات بين مختلف مناطق البلاد. مشيراً إلى أن هذا الترتيب سيسمح لجميع المناطق، بما فيها الشمال الشرقي، بالاستفادة بشكل أكبر من ثروات سوريا الطبيعية.

هذا وقد أكد بيل أن الشعب السوري هو من يدفع ثمن تأخر تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، والذي ينص على دمج كافة المؤسسات في الشمال الشرقي، بما في ذلك حقول النفط، ضمن إدارة الدولة. مشيراً إلى أن شركته مستعدة للعودة والاستثمار بشكل آمن بمجرد تنفيذ الاتفاق، الأمر الذي من شأنه أن يحفز شركات الطاقة الدولية الأخرى والاستثمارات الأجنبية المباشرة للعودة إلى سوريا، مما يمنح الشعب السوري الأدوات اللازمة لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار والأمان.

مباحثات الشركة البريطانية مع حكومة دمشق

بحث وفد من شركة “غولف ساندس” البريطانية، مع وزير الطاقة السوري محمد البشير، سبل عودة الشركة للعمل في سوريا، حيث أكدت الشركة استعدادها الكامل للعودة والمشاركة في إعادة تطوير قطاع الطاقة بمجرد أن تسمح الظروف بذلك.

وخلال هذه المباحثات، قدم الوفد التابع للشركة البريطانية خططاً شاملة لإعادة الدخول إلى آبار “البلوك 26“، بما في ذلك استكشاف وتطوير آبار جديدة، مؤكداً على إعادة التواصل مع شركائها الدوليين في سلاسل التوريد.

كما ناقش الجانبان فرص التعاون الاستراتيجي خارج هذا البلوك، بما في ذلك إمكانية المساعدة في إعادة تأهيل حقول النفط والغاز الأخرى.

اقرأ أيضاً: سوريا الغنية بالنفط: من حقل العمر إلى امتداد الجزيرة

في الختام، إن توحيد قطاع الطاقة تحت إدارة مركزية يعد خطوة محورية نحو استعادة حيويته، وتوزيع عوائده بشكل عادل، حيث أن عودة شركات الطاقة الأجنبية مرتبطة بتحقيق هذا الاستقرار، مما يمكن أن يحفز الاستثمار ويدعم جهود إعادة الإعمار، ويمنح الشعب السوري فرصة لاستغلال ثرواته الطبيعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى