المجتمع السوري

اختبار مزاولة طب الأسنان في سوريا: ترقيع مؤقت أم إصلاح جوهري؟

بقلم: ديانا الصالح

أثارت تصريحات نقابة أطباء الأسنان في دمشق حول دراسة اعتماد اختبار لمزاولة المهنة جدلاً واسعاً لدى الأوساط الشعبية والمهنية، فبينما يرى تيارٌ فيه خطوة ضرورية لضبط فوضى السوق وضمان الجودة العملية والمهنية، يخشى آخرون أن يُفتح عبره باب جديد لزيادة معدل البطالة وتكريس التمييز ضد الأطباء العامين، لا سيما بعد التأكيدات على عدم حاجة المختصين لمثل هذه الاختبارات.

وما بين التأييد والمعارضة، تبرز قضية أكثر إلحاحاً وهي اهتزاز الثقة بمخرجات التعليم العالي في سوريا، فإن كانت تلك المشكلة الحقيقية هل يمكن لاختبار أو إصلاح ترقيعي وفق ما يراه البعض أن يعالج جذور الأزمة من عمقها؟ أم أن هناك خللاً يجب تداركه في المنظومة الصحية والتعليمية ككل؟ وأين يكمن الدور الطبيعي للنقابة في هذه المعضلة هل ينحصر بهندسة القرارات والقوانين أم يقف عند مشاكل الأطباء الأعمق ومواجهتها؟

للمزيد من التفاصيل حول اختبار مزاولة طب الأسنان في سوريا وتبعاته المُحتملة، تابع مقالنا التالي..

مزاولة طب الأسنان في سوريا

تحت إطار تحسين الجودة المهنية والعلمية وفقاً للمعايير المعتمدة، صرّح نقيب أطباء الأسنان في دمشق محمد حمزة، عن دراسة لاعتماد اختبار كشرط أساسي لمزاولة المهنة، خاصة بعد إلغاء الامتحان الوطني الموحد وحصره بالدراسات العليا.

كما يشير حمزة إلى أن هذا النوع من الاختبارات لا يحتاجه الطبيب المختص على عكس الأطباء العامين، وأنه لا بد من وجود ضوابط مهنية تتماشى مع ارتفاع أعداد الخريجين، مؤكداً أن هذه الخطوة معتمدة في مختلف الدول.

وفي هذا الصدد، يرى خبراء محليون أن اعتماد اختبارات مهنية قبل البدء بممارسة المهنة، ضرورة قصوى لحماية المريض وضمان جودة الخدمات الصحية المقدمة، فضلاً عن كونها فرصة لتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، مشيرين إلى أهميتها في حثّ الطلاب على صقل خبراتهم السريرية وسدّ الثغرات المُحتملة من خلال مراجعة كافة الأساسيات واللجوء إلى التدريب العملي.

فيما تشير دراسة بحثية منشورة عام 2016 بعنوان أثر اختبارات الترخيص واسعة النطاق في الدول المتقدمة: مراجعة منهجية للأدبيات العلمية من 2005 إلى 2015، إلى أن هذا النوع من الامتحانات يقيس مستوى الخبرة والمعرفة لدى الأطباء، كما أن نتائجها لن تشكل فرقاً واضحاً عن الاختبارات الأكاديمية السابقة التي اجتازها الطبيب، فمن البديهي أن يتمكن المتفوق من تحقيق نفس النتيجة التي حصدها مسبقاً، بالتالي لا توجد أدلة علمية دامغة حول تأثير تلك الإجراءات على كفاءة الطبيب أو حماية المرضى، فهي تعكس مستواه المعرفي الذي اكتسبه خلال سنوات دراسته الطبية ولكنها لا تغيّره.

وعليه فإذا كان الهدف الأساسي من اختبار مزاولة طب الأسنان في سوريا، ضبط الفوضى وتحسين جودة الخدمات الصحية والمهنية، فيتوجب على الجهات المسؤولة أن تُمسك بطرف خيط الإشكالية وليس من منتصفه، وذلك عبر البحث في ثغرات المؤسسة التعليمية الأكاديمية والمخابر البحثية، التي تُثير شكوك النقابة بجدارتها في تخريج أفراد قادرين على مزاولة المهنة وفقاً للمعايير المهنية والعملية المعتمدة، حسبما يرى مراقبون.

سياسة ترقيعية أم حل جذري؟

على الرغم من توضيح حمزة لاحقاً بأن الدراسة عبارة عن اقتراح بعيد الأمد ولم تتجهز لتكون قراراً للتطبيق الحالي، إلا أنها فتحت ملفاً شائكاً يتعلق بكينونة المنظومة الصحية والتعليمية والخلل الواضح في توجه السياسات التنظيمية، وفقاً لما يراه ناشطون محليون، مشيرين إلى ضرورة البحث في قضايا أهم كزيادة عدد مقاعد الاختصاص التي تُعتبر ظلماً مهنياً ومعيشياً وفقاً لرأيهم، فهي تسعى نحو تكديس أعداد الأطباء العامين ما يجعلهم أمام خيارين لا ثالث لهما إما البقاء على حافة انتظار التخصص أو الهجرة للبحث عن فرص أفضل.

كما يرى هؤلاء الناشطون أن تلك الخطوة لا تتعدى كونها إصلاح إجرائي ينبع من سياسات ترقيعية باتت مألوفة لدى السوريين، فهي تحوّل التركيز من إصلاح التعليم إلى اختبار شكلي في نهايته، الأمر الذي يزيد من عمق المشكلة، لتأخذ أبعاداً أوسع في ظل غياب الشفافية حول جدوى تلك الامتحانات، لتشمل احتمالية اعتمادها كمورد ربح جديد عبر الرسوم الإضافية التي تعتبر مكسباً لكل من المراكز التدريبية والنقابة على حدٍّ سواء، إضافة إلى كونها أداة محتملة لتحديد عدد الخريجين في سوق العمل وفقاً لرأيهم.

حلول مقترحة

لا شكّ أن تحسين جودة التعليم الأكاديمي من أفضل الإصلاحات التي يمكن أن تتبعها السياسات التنظيمية الخاصة بالمجالات الطبية والصحية، وتتباين حدود تنفيذها من دولة إلى أخرى باختلاف المقومات والإمكانيات، وهذا ما تؤكده نصائح عدة دراسات بحثية، للحدّ من هشاشة التعليم الجامعي لا سيما المجالات الحساسة منه مثل طب الأسنان، وتتمحور تلك التوصيات حول البيئة التعليمية والكادر التدريسي، إلى جانب البنية التحتية.

وهنا يبرز بحث جديد منشور في مجلة BMC Medical Education بعنوان البيئات السريرية المرغوبة في طب الأسنان العام: نحو تحسين البرنامج التعليمي، حيث يشير إلى ضرورة تحسين المناهج والمحتوى التعليمي، والعمل على تعزيز البيئات السريرية، وتجهيز القاعات بالأدوات العملية المناسبة، فضلاً عن تطوير البنية التحتية لتفعيل دور التدريبات السريرية ضمن كليات طب الأسنان، إلى جانب تشديده على أهمية المحاكاة بالتدريب قبل التطبيق السريري، إضافة إلى تنويع البرامج التعليمية لتشمل عدة اختصاصات.

كما تركز الدراسة البحثية على ضرورة تطوير الكادر التدريسي من معلمين ومشرفين، مع ضمان تقديمهم لأفضل أداء أكاديمي من خلال تحفيزهم المادي والمعنوي، مما يخلق جواً تفاعلياً إيجابياً يضمن سلاسة التعليم وجودته في آنٍ واحد.

تتعدى مسألة اختبار مزاولة طب الأسنان في سوريا حدود النظريات وهندسة القرارات دون النظر في جوهر المشكلة الحقيقية، فإن كانت تتعلق بالشك في مخرجات الجامعات السورية، لا بدّ إذاً من مراجعة وتقييم مداخلها للعمل بشكل جدي على اقتلاع جذورها وسدّ ثغراتها، وذلك لا يمكن أن يتحقق دون تكاتف الجهات المسؤولة كوزارة التعليم العالي والنقابة، وهنا يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للسياسة التعليمية والطبية أن تتجاوز مرحلة المسكنات المؤقتة وتعبر نحو الإصلاحات الهيكلية الشاملة؟

اقرأ أيضاً: عقد لا فكاك منه أم خطوة إصلاحية؟ ماذا يحمل تعميم نقابة أطباء أسنان دمشق؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى