سياسة

هل تمتلك سوريا “بنية تبديل” كافية لتجنب اختناقات السوق؟!

الكاتب: أحمد علي

لا بدّ أن الجميع سمع بأزمة السيولة الحاضرة في البلاد منذ سقوط سلطة الأسد، وربما قبل ذلك، فالبلاد عانت من نقص السيولة قبل هذا التغيير الكبير فيها، وأزمة السيولة بطبيعة الحال ليست مجرد نقص في الأوراق النقدية، بل اختبار يومي لقدرة الاقتصاد على الحركة دون تعثر، فحين يطول انتظار راتب أو تتوقف ماكينة صراف آلي، تتحول التفاصيل إلى مؤشر على سلامة الدورة التجارية. وفي سوريا يتقاطع هذا الاختبار مع قيود سحب متبدلة، وضعف في الدفع الإلكتروني، وخطوات رسمية لاستبدال العملة.. السؤال هو ما إذا كانت بنية تبديل السيولة قادرة على منع ندرة الكاش من التحول إلى اختناقات في السوق؟

اختبار بنية تبديل السيولة

بنية تبديل السيولة هي شبكة النقاط التي تسمح بتحويل الكتلة النقدية بين الناس والمتاجر والمصارف، وتبديل العملة أو تحويلها عند الحاجة، ثم إعادة الأموال إلى القنوات الرسمية. تشمل هذه الشبكة المصارف وأجهزة الصراف الآلي ومؤسسات الصرافة والحوالات، إضافة إلى البنية المساندة من كهرباء واتصالات وأنظمة دفع.

مع إطلاق برنامج استبدال الليرة السورية الجديدة وحذف صفرين، نُقلت معلومات عن قائمة مراكز معتمدة للاستبدال تضم المصارف وشركات الحوالات والصرافة، وبمهلة 90 يوماً اعتباراً من 1 كانون الثاني 2026.

لكن الاستبدال لا يضمن وحده التدفق. فالقيود على السحوبات بقيت مثار جدل حتى مع بدء العملة الجديدة، ونقل عن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية ربط معالجة أزمة السيولة باستعادة الثقة وبضخ العملة الجديدة، مع دعوة الناس إلى إيداع النقد بدلاً من تخزينه في المنازل. كما عمم في أيار 2025 السماح بالسحب الحر من الحسابات المغذاة نقداً والودائع المودعة بعد 7 أيار، بوصفه خطوة لرفع الثقة وتشجيع التعامل المصرفي.

خريطة مراكز الاستبدال الرسمية

يظهر جانب من بنية تبديل السيولة في خريطة مؤسسات الصرافة المرخصة وفروعها. ففي قائمة رسمية مبنية على دليل مصرف سوريا المركزي حتى نهاية آذار 2025، وتتضمن شركات وفروعاً موزعة على محافظات رئيسية مثل دمشق وحلب وحمص واللاذقية وطرطوس وحماة والسويداء ودرعا، مع حضور أقل في محافظات بعيدة ووجود فروع محددة في نقاط مثل مطار دمشق الدولي.

وهذا التركز له أثر مباشر على الاختناقات، فحين تتركز الخدمة في مدن كبرى، يصبح الوصول إلى النقد أو تبديله أكثر كلفة على سكان الأطراف، وتتحول الأعطال في مدينة مركزية إلى أزمة أوسع عبر حركة التجار والتنقل. في آب 2025 دعا مصرف سوريا المركزي المواطنين إلى حصر التعامل بمؤسسات الصرافة المرخصة، محذراً من مخاطر التزوير وضياع الحقوق عند التعامل خارج القنوات النظامية.

سرعة التداول تحت الضغط

لا يكفي قياس كمية النقود، فالأهم فهم سرعة تداولها، أي عدد المرات التي تنتقل فيها الليرة بين الأيدي خلال فترة قصيرة. عندما تتباطأ هذه السرعة بسبب قيود السحب أو تعطل الشبكات، تتراجع القدرة الفعلية على الشراء وتتعثر المدفوعات حتى لو بقيت الأسعار معلنة. بعض التقديرات تفيد بأن السوق السورية تحتاج يومياً إلى نحو 120 مليار ليرة لتلبية متطلبات التداول، بينما يُضخ أقل من عشرة مليارات، وهي فجوة تعكس جانباً لوجستياً وإدارياً في إيصال النقد إلى نقاط الاستهلاك.

على الأرض تتجسد المشكلة في طوابير أمام الصرافات وانقطاعات اتصال أو كهرباء. فالشهادات الحية التي تأتي من دمشق وغيرها من المحافظات السورية تتحدث عن طوابير طويلة ومشكلات شبكة متكررة وحدود للسحب، وهي عوامل تخفض سرعة التداول لأنها تجعل المعاملة رهينة توفر الاتصال قبل توفر المال نفسه.

وفي قراءة تحليلية، قال الخبير خالد تركاوي إن المشكلة قد تكون في طريقة توزيع السيولة وتوقيت طرحها أكثر من كونها ندرة مطلقة، وربط ذلك بانخفاض إنفاق الدولة وتغير خريطة الرواتب.

من جهة أخرى، رأى الاقتصادي يحيى السيد عمر أن تحسن سعر الصرف في مرحلة ما ارتبط بانكماش عرض الليرة نتيجة خروجها من السوق عبر القيود المصرفية، وهو تحسن قد يبدو إيجابياً لكنه يضغط على النشاط التجاري.

أثرها على التجارة اليومية

عندما تضعف بنية تبديل السيولة لا تتوقف التجارة فوراً لكنها تتبدل قواعدها. يميل بعض الباعة إلى تقليل البيع الآجل، ويؤجل المستهلكون مشتريات غير أساسية إذا تعذر الوصول إلى رواتبهم أو مدخراتهم. ومع كل تعطيل للسحب تتسع فجوة الثقة، فيميل الأفراد إلى الاحتفاظ بالنقد خارج المصارف، فتقل السيولة المتاحة للدورة اليومية. وتتحول الأزمة إلى معاناة يومية مرتبطة بتعطل الصرافات ولجوء بعض الناس إلى قنوات غير رسمية عند الحاجة، وهو ما يرفع كلفة المعاملة ويزيد زمنها ويضغط على أصحاب الأعمال الصغيرة.

في المقابل، تهدف خطوة حذف صفرين واستبدال العملة، بحسب المعلن، إلى تبسيط الحسابات وجعل التعامل اليومي أوضح وأيسر، وهذا الأثر قد يخفف ارتباك التسعير لكنه لا يحل وحده عنق الزجاجة المرتبط بتوافر النقد وانتظام ضخه.

سيناريوهات تخفيف الاختناقات المحتملة

الإجابة عن كفاية بنية تبديل السيولة ليست ثنائية، إذ توجد قنوات رسمية وقوائم للمؤسسات المرخصة، لكن توزيعها غير متوازن، والبنية الرقمية ضعيفة، وأي خلل في الكهرباء والاتصالات يضرب قدرة السوق على إنجاز أبسط المدفوعات. وحول ذلك عرض الخبراء مسارات متعددة، فمن جانبه تحدث يونس الكريم عن دولرة جزئية محكومة بالصفقات الكبيرة لتخفيف الضغط، مع التحذير من توسع قد يضر بالليرة.

كما شدد خالد تركاوي على توسيع الدفع الإلكتروني وتوزيع الرواتب عبر تطبيقات ومنتجات مصرفية، لأن الاعتماد على المعاملات التقليدية، يدفع الناس للاحتفاظ بكميات أكبر من النقد لتلبية احتياجاتهم اليومية من وجهة نظره.

بدوره، انتقد سمير العيطة الاكتفاء بحلول تقنية مثل حذف الأصفار، معتبراً أنها قد تبقى سطحية إذا لم ترافقها إصلاحات أوسع تعيد بناء الثقة وتزيد فعالية النظام المالي.. عملياً، يترجم ذلك إلى تحسين توزيع النقد عبر قواعد واضحة للسحب وتغذية الصرافات، بالتوازي مع توسيع بدائل النقد عبر نقاط دفع موثوقة ومحافظ رقمية وخدمات تقلل الاعتماد على الورق.

اقرأ أيضاً: العملة السورية الجديدة وشرعيتها الدولية.. ماذا قال الاقتصاديون؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى