كرة القدم آخر ما تبقى حياً فلماذا نقتلها!

بقلم: ريم ريّا
مع انطلاق الدوري السوري الممتاز لموسم 2025 – 2026، خرجت الملاعب عن وظيفتها الطبيعية كمكان للتنافس الرياضي، وتحولت تدريجياً إلى مساحات مشحونة بالصراع اللفظي والتخوين والسباب الطائفي والمناطقي. لم يعد المدرج مساحة للهتاف والتشجيع، بل بات أقرب إلى منبر مفتوح لتصفية حسابات مؤجلة، وكأن المجتمع وجد أخيراً مكاناً مسموحاً له أن يصرخ فيه.
المفارقة المؤلمة أن سوريا، التي عاشت أكثر من خمسة عشر عاماً من صراع دموي وانقسام حاد، لم تشهد خلال تلك السنوات “تفريغاً” علنياً بهذه الفجاجة كما يحدث اليوم في الملاعب. فهل تتحول الرياضة إلى امتداد للصراع، أم أن الصراع نفسه يبحث عن أي نافذة ليظهر منها؟
ما الذي يحدث فعلياً في الملاعب السورية.. في دوري كرة القدم؟
في الحقيقة، ما تشهده الملاعب السورية لا يمكن توصيفه على أنه انفلات عاطفي عابر أو حماسة زائدة لجماهير متعطشة لكرة القدم. نحن أمام أنماط سلوكية متكررة وواضحة المعالم، تتجاوز حدود المباراة والنتيجة والحكم، لتصل إلى تخوين واتهامات سياسية وطائفية ومناطقية.
هذه السلوكيات لا تنشأ من فراغ، ولا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي العام، لكنها في الوقت نفسه لا تدار ولا تضبط. المدرج تحول إلى مساحة إسقاط، تلقى فيها كل المخلفات التي نتجت عن صراع دام عقداً من الزمن، وتلقى فيها كل الخيبات المتراكمة، وكل الانقسامات التي لم تعالج يوماً. لكن الأخطر أن هذا التفريغ يحدث في فضاء جماعي “الملاعب”، ما يمنحه شرعية زائفة ويحوله من سلوك فردي إلى فعل جماعي مبرر.
أحداث الجولة السابعة من الدوري السوري لكرة القدم، تقدم صورة واضحة عمّا يجري. ففي ملعب إدلب البلدي، وأثناء مباراة نادي أمية مع حمص الفداء (الوثبة) سابقاً، والتي كانت نتيجتها تشير إلى تقدم الضيوف (حمص الفداء) بهدفين مقابل هدف، وقبل نهاية اللقاء بدقائق، انفجرت الأوضاع إثر قرار تحكيمي باحتساب ركلة ركنية. فاقتحم عدد من مشجعي “أمية” أرضية الملعب، واعتدوا على الطاقم التحكيمي بالضرب، ما أدى إلى إصابات، واضطر الحكم لمغادرة الملعب ركضاً تحت حماية أمنية، قبل إجلائه بسيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر.
في اليوم نفسه، شهدت اللاذقية، خلال مباراة تشرين والطليعة التي انتهت بالتعادل بهدفين لكلا الفريقين، مشاجرات عنيفة بين جماهير الفريقين، وتبادل شتائم وتصعيد كاد يخرج عن السيطرة لولا تدخل أمني مباشر. بالإضافة لما شهدته مباراة الحرية وجبلة في الجولة السادسة من مناوشات ومشادات كلامية واتهامات بين اللاعبين.
من الواضح، أن هذه الأحداث ليست معزولة، بل جاءت ضمن سياق توتر جماهيري متصاعد في أكثر من ملعب، ما يؤكد لنا أننا أمام نمط سلوكي متكرر، لا مجرد حوادث طارئة.
اقرأ أيضاً: العودة من الحافة.. تحولات المجتمعات بعد صراعات الحرب كيف النجاة؟
هل هي مشكلة رياضية أم طائفية أم أخلاقية!
لنكن منطقيين في مناقشة تسمية المشكلة. ونسرد القصة على الشكل التالي، إن اختزال ما جرى في حالة “شغب جماهيري” أو “تعصب كروي” يُغفل جوهر المشكلة فحصرها في خانة واحدة هو تبسيط مُخل. ما حدث في إدلب واللاذقية وجبلة لم يكن نتيجة هدف ملغى أو خطأ تحكيمي فقط، بل نتيجة شعور متراكم بالظلم، وانعدام الثقة، وغياب أي آلية حقيقية لامتصاص الغضب.
فالمشكلة ليست رياضية بحتة لأن الخلاف لا ينتهي مع صافرة الحكم، وليست طائفية خالصة، بالرغم من استخدام مفردات طائفية ومناطقية، لأن هذه اللغة باتت تُستدعى عند أي احتكاك سوري لا أكثر وهي ليست الجذر الوحيد للمشكلة. إذاً نحن أمام أزمة أخلاقية ومؤسساتية، حيث يغيب القانون الرادع، وتغيب الثقة بالمؤسسة الرياضية، فيتحول المدرج إلى مساحة مفتوحة لتفريغ الغضب دون خوف من العواقب، ويصبح مساحة بلا قانون، ويتحوّل الجمهور من عنصر حيوي في اللعبة إلى مرآة لفشل المنظومة بأكملها.
اقرأ أيضاً: بين الإنكار والممارسة.. كيف تتشكل العنصرية في المجتمعات؟
من المسؤول عن ضبط احتقان الملاعب في سوريا؟
مسؤولية ضبط الملاعب في البلاد مسؤولية موزعة، لكن بنسب غير متساوية. من المؤكد أن اتحاد كرة القدم يتحمل العبء الأكبر، بسبب ضعف اللوائح التأديبية وغياب العقوبات الرادعة، فالعقوبات تأتي متأخرة، ومحدودة التأثير، ولا تخلق حالة ردع حقيقية، فضلاً عن اعتماد سياسة رد الفعل بعد وقوع المشكلة، لا العمل الوقائي قبلها. كما حدث بعد مباراة (أمية وحمص الفداء)، حيث قررت لجنة الانضباط منع إقامة مباريات نادي أمية في إدلب حتى إشعارٍ آخر، مع التهديد بغرامات وخسارة قانونية.
الأندية بدورها تتحمل المسؤولية ولا يمكن إعفاؤها منها، فهي تستثمر في جمهورها وقت الحاجة، لكنها تصمت أو تتبرأ منه عند حدوث التجاوزات، دون أي محاولة جدية لإدارة روابط المشجعين أو ضبط خطابها، وبأحسن الأحوال تكتفي بإدانة شكلية بعد كل حادثة. أما الجهات التنظيمية، فلا تزال تتعامل بعقلية أمنية تقليدية وبتدخل أمني تقليدي، إما “تساهل كامل” أو “القمع الشامل”، دون فهم حقيقي لمفهوم إدارة الحشود أو ضبط السلوك الجماعي، ومنع التصعيد قبل حدوثه.
منع الجمهور الحل أم العقوبات العادلة؟
ربما “منع الجمهور”، هو القرار الأسهل، لكن الحقيقية التي لا يمكننا تجاوزها، هو أن الجمهور هو رأس المال الحقيقي للدوري السوري. فالبنية التحتية ضعيفة، والدوري يشتكي من قلة الرعاة، وهناك تراجع ملحوظ في المستوى الفني للاعبين. فيبقى الجمهور هو العامل الوحيد القادر على منح الدوري حياة ومعنى.
إلغاء الجمهور يعني تحويل الدوري إلى منتج ميت، بلا هوية ولا قيمة، وسيصبح أقل جاذبية من دوريات هامشية لا تملك جمهوراً أصلاً. وما ذنب جماهير الأندية الأخرى، التي لم تُسجل عليها حوادث مشابهة؟. العقوبة الجماعية تعاقب الآلاف بسبب عشرات، وتؤكد عجز المؤسسة عن المواجهة الفردية العادلة.
والحقيقة أن العقوبة العادلة، تبدأ من الفرد لا من الجمهور ككتلة. منع المشجع المعتدي بالاسم، تغريمه، وحرماه من دخول الملاعب لفترات طويلة أو بشكل نهائي، وفي حال كان التعدي جماعياً، يجب أن يتحمل النادي المسؤولية المالية عن أفعال مشجعيه وأن يتجه لضبطهم، إلى جانب تحمله المسؤولية الإدارية عند التقصير، وخصم نقاط عند التكرار.
كما على اتحاد الكرة، أن يحاسب نفسه على تقصيره في وضع لوائح واضحة ورادعة، وتطبيقها بشكل فوري قبل أن تتفاقم الأحداث. وأن يعي الاتحاد أن الردع الحقيقي لا يكون بعد الكارثة، بل قبل أن تتحول الهتافات إلى ثقافة.
أما عن القانون السوري، فهو لا يخلو من النصوص التي تجرم إثارة النعرات الطائفية أو الإخلال بالأمن العام، لكن المشكلة ليست في غياب النص، بل في غياب التطبيق داخل الفضاء الرياضي. الملاعب تُعامل غالباً كمنطقة “رمادية”، لا تطبق فيها القوانين العامة بصرامة، ما يخلق شعوراً شبه جماعي بالإفلات من العقاب.
النظام الأوروبي في ضبط الملاعب
التجربة الأوروبية تقدم نموذجاً واضحاً في ضبط الملعب، وإن لم يكن بالمطلق فالأمر لا يخلو من بعض المناوشات، لكن إلى حدٍ كبير ضبط محكم. على سبيل المثال “انجلترا” التي عانت في ثمانينيات القرن الماضي من عنف جماهيري كارثي، لم تلجأ إلى إلغاء الجمهور بل إلى تنظيمه.
فبعد كارثة “هيلزبره” عام 1989، “Hillsborough disaster”، وهي حادثة تدافع ودهس بين الجماهير وقعت في 15 أبريل 1989 في ملعب هيلزبره، حيث ملعب نادي شيفيلد وينزداي في مدينة شيفيلد بالإنجليزية، خلال مباراة كرة قدم بين نادي نوتينغهام فورست ونادي ليفربول ضمن الدور نصف النهائي من بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي. بعد الكارثة، تم فرض نظام جلوس كامل في الملاعب، واعتمدت التذاكر الاسمية، ومنع مشجعون محددون لسنواتٍ طويلة.
اليوم، أي هتاف عنصري يؤدي إلى غرامات فورية، خصم نقاط، أو منع دائم للمشجع المخالف. في دول عديدة من أوروبا في حال لزم الأمر يتم فرض غرامات بمئات آلاف اليوروهات، وتغلق مدرجات بعينها، وتمنع روابط “ألتراس” كاملة في حال التكرار.
فالمشكلة قد وجدت سابقاً في أوروبا، لكنها عولجت جذرياً. إذ تتعاقد الأندية مع شركات أمن خاصة ومتخصصة. في مباراة تضم نحو 20 ألف متفرج على سبيل المثال، قد يعمل أكثر من 300 عنصر أمن (Security)، غير مسلحين، مهمتهم التنظيم والمراقبة والتدخل المبكر، لا القمع. إضافةً إلى وجود كاميرات مراقبة عالية الدقة تغطي كل المدرجات، فأي تصرف عنيف يُحدد فاعله خلال دقائق.
إلى جانب وجود تقنية VAR، ما يقلل شعور الجمهور بالظلم التحكيمي، حتى إن لم يُلغه تماماً. القانون هناك لا ينتظر المشكلة، بل يمنع أسبابها من الأساس. بعكس ما يحدث محلياً، حيث يتقن اتحاد الكرة إصدار العقوبات بعد أن تخرج الأمور عن السيطرة، لكنه يفشل في منعها مسبقاً.
الفارق الجوهري، أن العقوبة هناك فردية ومباشرة، وليست جماعية وعشوائية، والأوروبيون يملكون قوانين تمنع المشكلة قبل وقوعها، بالتالي من يحمي الحكم والجميع هو القانون وحده. عدم تطبيق هذه النماذج في سوريا يعود لضعف البنية التنظيمية، وغياب قواعد بيانات للمشجعين، ما يجعل أسهل الحلول دائماً هو المنع الشامل.
في الختام، الحل ليس إيقاف الدوري، ولا إسكات المدرجات، ولا الهروب إلى قرارات سهلة. الحل يكمن في الشجاعة المؤسسية، وتطبيق القانون، وتحميل المسؤولية لمن يستحقها سواء فرداً كان أم نادياً أم اتحاداً. ليبقى السؤال: هل نريد ملاعب آمنة تحكمها القوانين، أم مدرجات صامتة تخفي المشكلة ولا تعالجها؟









