اجراءات احترازية لتفادي حرائق المحاصيل تشمل الحكومة والمزارعين

بقلم هلا يوسف
يعيش الفلاحون قلقاً كبيراً مع اقتراب موسم حصاد مواسمهم، ففي لحظة واحدة قد تتغير ملامح الحقل كله، فسنابل القمح التي استوت بعد أشهر من الانتظار، وتعب فيها الفلاح كثيراً، قد تختفي فجأة خلف دخان النيران الكثيفة لا يمنح وقتاً. لهذا لا يدخل موسم الحصاد كأي موسم عادي، بل كمرحلة يختلط فيها الفرح بالحذر، وكأن المزارع يقف على خط رفيع بين اكتمال التعب وبين ضياعه.
ومع ارتفاع حرارة الصيف وجفاف الأعشاب حول الحقول، يصبح هذا الخطر أكبر، لذلك تأتي الاجراءات الوقائية بمثابة العلاج قبل حدوث الكارثة.
أسباب الحرائق وتداخل العوامل الطبيعية والبشرية
تبدأ خطورة الحرائق عادة من الظروف المناخية التي تسبق موسم الحصاد، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة مع قلة الأمطار إلى جفاف الأعشاب والنباتات بشكل كبير، فتتحول إلى مادة قابلة للاشتعال بمجرد ملامستها لأي مصدر نار. ومع هبوب الرياح، لا تبقى النيران في مكانها، بل تمتد بسرعة من حقل إلى آخر، ما يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.
لكن هذه الصورة لا تكتمل دون الحديث عن العامل البشري، الذي غالباً ما يكون حاضراً في كثير من الحالات. فبعض الممارسات اليومية داخل الحقول، مثل حرق بقايا المحاصيل أو التخلص العشوائي من الأعشاب اليابسة، قد تتحول إلى سبب مباشر لاندلاع النيران. كما أن التدخين أثناء العمل الزراعي أو إهمال تنظيف الحصادات من بقايا القش والغبار يمكن أن ينتج عنه شرر صغير يكفي لبدء حريق كبير. وتزداد المشكلة تعقيداً في بعض المناطق التي تعاني من وجود مخلفات حرب أو صعوبة وصول فرق الإطفاء، ما يجعل التعامل مع أي حريق أكثر بطئاً وخطورة.
وتشير بيانات منصة Global Forest Watch إلى أن السنوات 2019 و2020 شهدت تسجيل أكثر من 34 ألف حريق، وهو رقم يعكس حجم التحدي الذي تواجهه المناطق الزراعية خلال مواسم الجفاف والحصاد، خاصة في ظل تداخل العوامل الطبيعية مع السلوكيات غير الآمنة.
الاستعدادات والإجراءات الوقائية قبل موسم الحصاد
مع تزايد هذه المخاطر، بدأت الجهات المعنية بالتحرك مبكراً قبل دخول موسم الحصاد، حيث أطلقت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث حملة توعوية حملت عنوان “وعيك بعملك”، وركزت على أهمية الوقاية قبل وقوع الحريق وليس بعده. وجاءت هذه الحملة في سياق رفع مستوى الوعي لدى المزارعين، لأن التعامل مع الحريق بعد اندلاعه غالباً ما يكون أكثر صعوبة وكلفة.
وفي هذا الإطار، تم التأكيد على أهمية تجهيز الحقول بشكل مبكر، من خلال تنظيف محيطها من الأعشاب الجافة وتقليل تراكم المخلفات النباتية التي قد تساعد على انتشار النار. كما جرى التشديد على ضرورة صيانة الآليات الزراعية قبل بدء العمل، لأن الحصادات والجرارات عندما تعمل في بيئة مليئة بالغبار والقش قد تتحول إلى مصدر خطر إذا لم تكن في حالة فنية جيدة، خاصة إذا حدث تسرب للوقود أو خرج شرر من العوادم.
ولم تقتصر الإجراءات على المعدات فقط، بل امتدت إلى طريقة التعامل داخل الحقول نفسها، حيث تم التشديد على أهمية توفر وسائل إطفاء قريبة، مثل المياه أو أدوات التدخل السريع، حتى يتمكن المزارع من السيطرة على أي حريق في بدايته قبل أن يمتد. كما تم التحذير من التأخر في حصاد المحاصيل، لأن بقاء القمح لفترة أطول في ظل الجفاف يزيد من قابليته للاشتعال.
دور المزارع والوعي الفردي في الحد من الحرائق
ورغم كل الإجراءات الرسمية، يبقى المزارع هو العنصر الأهم في حماية محصوله، لأنه الأقرب إلى الأرض والأقدر على ملاحظة أي تغير قد يشير إلى بداية خطر. وتوضح الباحثة في الاقتصاد الزراعي رنيم مسلم أن أغلب الحرائق لا تبدأ بشكل مفاجئ، بل تكون نتيجة تراكم سلوكيات بسيطة يمكن تجنبها بسهولة، مثل ترك الأعشاب الجافة قرب المحاصيل أو تشغيل المعدات دون صيانة دقيقة.
وتضيف أن الصيانة الدورية للحصادات ليست مجرد إجراء تقني، بل خطوة أساسية للوقاية، لأن تنظيف المحركات وفحص الأسلاك والتأكد من سلامة أنظمة الوقود والتبريد يمكن أن يمنع حدوث شرر أو ارتفاع حرارة يؤدي إلى اشتعال الحقول. كما تشير إلى أن وجود مطفأة حريق داخل الحقل لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة، لأن التعامل مع الحريق في بدايته هو العامل الحاسم في تقليل الخسائر.
وتلفت مسلم أيضاً إلى أن الوعي ما يزال متفاوتاً بين المزارعين، إذ إن بعضهم يعتمد على وسائل تقليدية وبسيطة قد لا تكون كافية في مواجهة حرائق كبيرة، ما يجعل التدريب ونشر المعرفة جزءاً أساسياً من أي خطة وقاية حقيقية.
في نهاية كل موسم حصاد، لا تقاس النتائج فقط بما خرج من الحقول من محاصيل، بل أيضاً بما تم حمايته من خسائر. فنجاح الموسم لا يكتمل بجمع القمح وحده، بل في القدرة على وصوله إلى المخازن دون أن تسبقه النيران. وبالتالي تنظيف الحقول، وصيانة المعدات، والانتباه أثناء العمل، ليست مجرد إجراءات، بل هي حماية لتعب عام كامل.
اقرأ أيضاً: دراسة علمية: الزراعة الكهروضوئية حل عملي في ظل التغير المناخي









