اتفاق كونوكو فيليبس وغاز سوريا: هل تبدأ الكهرباء من بوابة الاستثمار الأمريكي؟

الكاتب: أحمد علي
لا يبدأ حل أزمة الكهرباء من عقد واحد، هذه حقيقة أولى، لكن العقد، إذا جاء في المكان الصحيح، قد يكشف اتجاه الطريق. اتفاق الشركة السورية للبترول مع كونوكو فيليبس الأمريكية ونوفاتيرا لتطوير حقول غاز قائمة والبحث عن حقول جديدة، لا يضيء البيوت غداً، ولا يرمم شبكة متهالكة بقرار توقيع. لكنه يضع سؤال الطاقة السوري في موضعه الحقيقي، فالمشكلة ليست في مولدة هنا أو خط توتر هناك، بل في الوقود الذي يشغّل المنظومة كلها.
وقّع الاتفاق في دمشق في 16 حزيران 2026، بحسب رويترز ووكالة سانا، بعد مذكرة تفاهم سابقة في تشرين الثاني 2025. وزير الطاقة السوري محمد البشير ربط الخطوة باستقرار الشبكة الكهربائية والتعافي الاقتصادي. رويترز نقلت أن إنتاج الغاز المحلي هبط من 8.7 مليارات متر مكعب عام 2011 إلى نحو 3 مليارات متر مكعب عام 2023. هذا رقم لا يحتاج إلى زخرفة. حين ينكمش الغاز إلى هذا الحد، تنكمش الكهرباء معه، ثم تنكمش الصناعة والخدمات وحياة الناس.
هنا يصبح السؤال مشروعاً. هل تدخل الكهرباء السورية فعلاً من بوابة الاستثمار الأمريكي، أم أن ما يجري مجرد عنوان كبير في بلد ما زال يحتاج إلى شبكة وتمويل وحوكمة قبل أن يرى المواطن فرقاً ثابتاً في ساعات التغذية؟
غاز سوريا لا يعني كهرباء غداً
الاتفاق الجديد لا يتحدث عن محطة كهرباء جاهزة، بل عن غاز سوريا نفسه. هذا فرق مهم. كونوكو فيليبس ونوفاتيرا ستعملان، وفق البيان والتغطيات، على تطوير حقول قائمة والبحث عن احتياطات جديدة، بينما لم يذكر الوزير السوري الحقول المشمولة تحديداً. الشركة الأمريكية عائدة بعد غياب طويل. رئيسها التنفيذي رايان لانس قال في مؤتمر صحفي بدمشق إن الشركة كانت موجودة في البلاد قبل عقود، وإن العودة تتم بالشراكة مع نوفاتيرا. أما نوفاتيرا فتحدثت عن تدريب وبرمجيات وتكنولوجيا متقدمة.
هذه العناصر مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. رفع إنتاج الغاز يحتاج إلى حقول قابلة للعمل، وإلى معدات، وإلى أمن في مناطق الإنتاج، وإلى خطوط نقل، وإلى محطات قادرة على استقبال الوقود وتحويله إلى كهرباء. لذلك لا يجوز تقديم الاتفاق كأنه زر تشغيل. هو أقرب إلى فتح باب. والباب لا يكفي إذا بقي الطريق خلفه مكسوراً.
تقدير الشركة السورية للبترول، كما أوردت رويترز في سياق مذكرة تشرين الثاني، يشير إلى أن الشراكة قد ترفع إنتاج الغاز بين 4 و5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام واحد. لو تحقق هذا الرقم، سيكون مؤثراً، خصوصاً أن الغاز هو الوقود الأهم لتغذية محطات الكهرباء. لكن عبارة لو تحقق ليست تفصيلاً. قطاع الطاقة السوري خرج من سنوات الحرب والعقوبات بنقص كبير في البنية التحتية، وبحاجة إلى صيانة لا تقل أهمية عن الاستخراج.
لماذا الاستثمار الأمريكي الآن؟
عودة شركة أمريكية كبيرة إلى غاز سوريا لا يمكن فصلها عن التحول السياسي والقانوني الذي سبقها. في حزيران 2025، أصدر البيت الأبيض أمراً تنفيذياً بإنهاء برنامج العقوبات الشاملة على سوريا، مع إبقاء قيود على أفراد وجهات محددة مرتبطة بانتهاكات أو تهديدات أمنية. كما أوضحت وزارة الخزانة الأمريكية، في وثيقة لاحقة، أن الولايات المتحدة لم تعد تفرض عقوبات شاملة على سوريا، وأن العقوبات الإلزامية بموجب قانون قيصر ألغيت، مع استمرار بعض القيود على مواد وسلع ذات استخدامات حساسة.
هذا التغيير القانوني فتح الباب أمام الشركات. لا يعني ذلك أن المخاطر انتهت. الاستثمار في الطاقة لا يدخل بلداً متعباً لأنه يحب الشعارات. يدخل حين يجد إمكانية ربح، وضمانات تعاقدية، ومساراً مصرفياً قابلاً للعمل، وبيئة سياسية أقل اضطراباً. لذلك فإن دلالة كونوكو فيليبس لا تكمن في اسم الشركة وحده، بل في أن شركة أمريكية بهذا الحجم رأت أن الدخول ممكن بعد سنوات كان فيها الملف السوري مغلقاً تقريباً أمام القطاع الغربي.
الأمر لا يخص واشنطن وحدها. الاتحاد الأوروبي علّق في شباط 2025 قيوداً على قطاعات النفط والغاز والكهرباء والنقل وبعض القيود المصرفية. وفي أيار 2026، وقعت توتال إنرجيز وقطر للطاقة وكونوكو فيليبس مذكرة مع الشركة السورية للبترول لإجراء مراجعة فنية للبلوك البحري رقم 3 قرب اللاذقية. قبل ذلك، افتُتح خط كلس ـ حلب لإيصال الغاز الأذربيجاني عبر تركيا بتمويل قطري، وبقدرة نقل معلنة تصل إلى 6 ملايين متر مكعب يومياً. كما وقّعت مصر في كانون الثاني 2026 مذكرتي تفاهم للتعاون في تزويد سوريا بالغاز اللازم لتوليد الكهرباء والمنتجات النفطية.
الصورة أوضح الآن. سوريا لا تراهن على خط واحد، بل تبحث عن شبكة منافذ. استيراد عاجل من الجوار، مراجعة بحرية، تطوير حقول داخلية، وعودة شركات أجنبية. هذه ليست تفصيلاً تقنياً، بل إعادة ترتيب لعلاقة البلد بالطاقة، وربما بالسياسة أيضاً. من يموّل الغاز يقترب من الكهرباء. ومن يقترب من الكهرباء يقترب من حياة الناس ومن قرار الدولة.
الاختبار في الشبكة لا في التوقيع
لكن السؤال الصعب يبقى كما هو. من سيستفيد أولاً؟ المواطن الذي ينتظر الكهرباء، أم الشركات التي تدخل إلى حقول واعدة بشروط جديدة، أم الدولة التي تبحث عن إيرادات وشرعية خدمية سريعة؟ لا توجد إجابة نهائية الآن. الاتفاق لم يعلن كل تفاصيله التجارية، ولم تُسمَّ الحقول المشمولة، ولم يعرف بعد شكل تقاسم العائدات أو حجم الاستثمار الفعلي أو جدول التنفيذ الدقيق. هذه أمور لا تقل أهمية عن الصورة الرسمية للتوقيع.
الكهرباء السورية تحتاج إلى ثلاث حلقات متصلة. الغاز أولاً، ثم محطات توليد صالحة، ثم شبكة نقل وتوزيع لا تضيع فيها الطاقة قبل أن تصل إلى البيوت والمعامل. إذا تحسن الغاز وبقيت المحطات متعبة، لن يظهر الأثر كما ينبغي. وإذا تحسنت المحطات وبقيت الشبكة ضعيفة، سيستمر الفاقد. وإذا تحسنت التقنية وغابت الشفافية، ستعود المشكلة من باب آخر.
لذلك يجب قراءة الاتفاق بلا تهليل ولا تشكيك مسبق. هو خطوة مهمة، لأن الغاز المحلي أقل كلفة وأكثر استقراراً من الاعتماد الدائم على الاستيراد، ولأنه يفتح باباً لاستعادة الخبرة والتكنولوجيا. وهو أيضاً خطوة محدودة، لأنها لا تحل وحدها أزمة تشكلت خلال سنوات طويلة، ولا تعفي الدولة من وضع خطة واضحة للكهرباء، تتضمن الإنتاج والنقل والتوزيع والتسعير العادل وحماية الفئات الأضعف.
ربما تكون بوابة الاستثمار الأمريكي قد فُتحت فعلاً. لكن الكهرباء لا تأتي من البوابة. تأتي من التنفيذ. من حقل ينتج، وخط ينقل، ومحطة تعمل، وجباية لا تسحق الناس، وإدارة لا تترك القطاع بين وعود كبيرة ونتائج صغيرة. عند هذا الحد فقط يمكن القول إن اتفاق كونوكو فيليبس لم يكن خبراً اقتصادياً عابراً، بل بداية اختبار فعلي لقدرة سوريا على تحويل الغاز إلى خدمة عامة، لا إلى عنوان جديد في دفتر الشراكات.
الخلاصة مباشرة. اتفاق كونوكو فيليبس وغاز سوريا مهم لأنه يلامس أصل أزمة الكهرباء، لا قشرتها. لكنه لا يصبح تحوّلاً إلا إذا خرج من النصوص إلى الأنابيب، ومن المؤتمرات إلى ساعات تغذية مستقرة. المواطن لن يقيسه باسم الشركة، بل بعدد الساعات التي تعود إلى بيته. هذا هو الامتحان.
اقرأ أيضاً: قطع الكهرباء عن مستشفى الحراك الوطني.. هل حقاً السبب فواتير غير مدفوعة؟









