اتفاق شرق الفرات: العشائر تصنع معادلة جديدة للسلطة في سوريا

بقلم هلا يوسف
شهدت مناطق شمال شرق سوريا في الأشهر الأخيرة تحولات مفصلية غيرت طبيعة الصراع الميداني والسياسي في البلاد، فمع تعثر اتفاق 10 آذار عدة مرات، كانت تظهر بوادر المواجهة العسكرية الحتمية بين الحكومة السورية وقوات قسد. إلا أن نتائج الاشتباكات الأخيرة وامتدادها إلى عمق شمال شرق سوريا، والدور الذي لعبته العشائر العربية في حسم الصراع بأقل الخسائر، غيرت النهاية التي كان يتصورها الكثيرين. سنتحدث في هذا المقال عن كيفية انتقال الصراع من المواجهة العسكرية المباشرة إلى صراع على الشرعية الاجتماعية، ودور العشائر في تغيير موازين القوى، إضافة إلى تفاصيل اتفاق ضم قوات سوريا الديمقراطية إلى الجيش السوري، وأبعاد هذا الاتفاق على المستوى المحلي والدولي، بما في ذلك الموقف الرسمي لقادة قسد والدولة السورية.
لم تكن المواجهة التي اندلعت في شرق سوريا مجرد اشتباك عسكري تقليدي بين قوتين متقابلتين، بل سرعان ما تحولت إلى صراع أعمق يدور حول من يمتلك الحق في تمثيل الأرض والناس. فمع امتداد سنوات السيطرة، تبين أن المعركة الحقيقية لم تكن فقط على الجغرافيا، بل على الشرعية السياسية والاجتماعية، وهي معركة لا تُحسم بالسلاح وحده.
ففي مناطق حلب والرقة ودير الزور وعلى ضفتي الفرات، برز المجتمع المحلي ممثلاً بالعشائر العربية، بوصفه مركز الثقل الحقيقي. هذه العشائر، التي تشكل الغالبية السكانية والحاضنة الاجتماعية الأوسع، لم تعد ترى في استمرار نموذج قسد بصيغته القائمة مشروعاً قابلاً للحياة. فالتجربة الطويلة أظهرت أن هذا النموذج يكرس حالة من اللادولة، ويُبقي القرار مرتهناً لتأثيرات خارجية لا تنسجم مع البنية الاجتماعية ولا مع الهوية الوطنية السورية.
فبحسب مصادر مطلعة لم يتشكل هذا الموقف فجأة، بل كان نتيجة تراكم طويل من التوترات. فالسياسات الأمنية والإدارية، والشعور المتزايد بالتهميش والإقصاء، أدت إلى تراجع الثقة بين قسد والمجتمع المحلي. ومع مرور الوقت لم يعد السلاح قادراً على تعويض غياب القبول الاجتماعي وخصوصاً بعد سقوط النظام السابق وتبدل السلطة، لتدخل قسد في مأزق مزدوج خلال المعركة الأخيرة مع الحكومة السورية، وهي عجز عن الحسم الميداني، وانسداد سياسي سببه فقدان الشرعية الشعبية.
العشائر كقوة تغيير وولادة مسار التسوية
وبحسب المصادر، بدأ التحول الحقيقي في مسار الصراع عند هذه النقطة. فالتغيير لم يأتِ نتيجة ضربة عسكرية حاسمة من قبل الحكومة السورية، بل نتيجة قرار مجتمعي بسحب الغطاء. فحين قررت العشائر إعادة تموضعها، انقلبت المعادلة وتحول السلاح من أداة قوة إلى عبء سياسي. كشفت هذه اللحظة أن المجتمع قادر على إعادة توجيه الصراع، ليس بالمواجهة المباشرة، بل بفرض وقائع جديدة.
وفي هذا السياق جاء إعلان الرئيس أحمد الشرع عن الاتفاق القاضي بضم قوات قسد إلى الجيش العربي السوري. وفسر محللون هذا الإعلان بأنه لا يمكن فهمه كترتيب أمني تقني أو خطوة عسكرية بحتة، بل كنتاج طبيعي لتحول ميزان القوة داخل المجتمع في شرق الفرات. فقد أثبتت العشائر أنها اللاعب القادر على ترجيح الكفة، عبر امتلاكها شرعية الأرض والناس، وهو ما فرض مساراً سياسياً جديداً لم يكن ممكناً في السابق.
اقرأ أيضاً: بعد تداعيات حلب: هل تخسر قسد مشروعها السياسي والعسكري؟
الدولة بين البعد الدولي وتحديات التنفيذ
قال المحللون إن الجيش السوري في هذا المشهد لم يحقق تقدمه فقط عبر التحرك الميداني، بل عبر قدرته على استيعاب التحولات الاجتماعية واحتوائها ضمن مؤسسات الدولة. وبالتالي ضم قوات كانت تصنف خارج إطار الشرعية إلى بنية الجيش يعكس انتقال الدولة من منطق المواجهة الصلبة إلى منطق إعادة الدمج، وهو خيار لم يكن ممكناً لولا الدور العشائري الضامن.
وتشير المصادر إلى أن هذا التحول فرض إعادة حسابات على المستوى الدولي. فالولايات المتحدة وجدت نفسها أمام واقع جديد يؤكد أن النفوذ لا يدار فقط عبر وكلاء مسلحين، بل عبر مجتمعات محلية تمتلك قدرة الاعتراض وفرض الاتجاه. في المقابل، رأت موسكو وحلفاء دمشق في هذا المسار فرصة لإعادة بسط سلطة الدولة بأدوات سياسية أقل كلفة وأكثر استدامة.
وفي الوقت نفسه، برزت تحديات جدية مرتبطة بالتدخل الخارجي، ولا سيما نفوذ ميليشيات حزب العمال الكردستاني (PKK) داخل قسد، بحسب ما كشفته تقارير وكالة سانا. هذا النفوذ أدى إلى ازدواجية في القرار ومحاولات لتعطيل تنفيذ الاتفاقات، سواء عبر خروقات ميدانية أو عرقلة الانسحاب في مناطق مثل الشيخ مقصود والأشرفية ومناطق غرب الفرات. ورغم ذلك اعتمدت الدولة السورية مقاربة حذرة ركزت على حماية المدنيين، وتأمين ممرات آمنة، وتمشيط المناطق من الألغام، بما يضمن عودة الأهالي واستعادة مؤسسات الدولة تدريجياً.
أشار الخبير العسكري إلياس حنا في هذا السياق إلى أن قسد كانت تسيطر على نحو ثلث مساحة سوريا، لكن العشائر تشكل قرابة 80% من سكان تلك المناطق، وتوجد في أراضيهم الثروات الأساسية، ما منح تقدم الجيش السوري قوة مضاعفة. كما اعتبر أن قسد أدت دوراً جيوسياسياً مهماً خلال مرحلة محاربة تنظيم داعش، لكن المعادلات تغيرت اليوم مع القيادة السورية الجديدة وانخراط دمشق في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ما جعل دور قسد محصوراً في تنفيذ اتفاق الاندماج ضمن الدولة.
بنود اتفاق اندماج قسد في الجيش السوري
سارعت الحكومة السورية في تقديم اقتراح لوقف جميع العمليات العسكرية مع قسد مقابل تطبيق اتفاق اندماج قسد، لكن وفق شروط تراها معقولة، وتضمن هذا الاتفاق:
- وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية بالتوازي مع انسحاب كل التشكيلات العسكرية التابعة لـ “قسد” إلى منطقة شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار.
- تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل فوراً، ويشمل ذلك استلام كل المؤسسات والمنشآت المدنية مع إصدار قرارات فورية بتثبيت الموظفين الحاليين ضمن الوزارات الاختصاصية التابعة للدولة السورية والتزام الحكومة بعدم التعرض لموظفي ومقاتلي قسد والإدارة المدنية في المحافظتين.
- دمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية.
- استلام الحكومة السورية لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، وتأمين حمايتها من قبل القوات النظامية لضمان عودة الموارد للدولة السورية.
- دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ “قسد” ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي” بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجستية أصولاً، مع حماية خصوصية المناطق الكردية.
- تلتزم قيادة قسد بعدم ضم فلول النظام البائد إلى صفوفها وتسليم قوائم بضباط فلول النظام البائد المتواجدين ضمن مناطق شمال شرق سوريا.
- إصدار مرسوم رئاسي بتعيين مرشح ليشغل منصب محافظ للحسكة، كضمانة للمشاركة السياسية والتمثيل المحلي.
- إخلاء مدينة “عين العرب / كوباني” من المظاهر العسكرية الثقيلة، وتشكيل قوة أمنية من أبناء المدينة، والإبقاء على قوة شرطة محلية تتبع إدارياً لوزارة الداخلية السورية.
- دمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم داعش بالإضافة للقوات المسؤولة عن حماية هذه المنشآت مع الحكومة السورية، لتتولى الحكومة السورية المسؤولية القانونية والأمنية عنها بالكامل.
- اعتماد قائمة قيادات مرشحة مقدمة من قيادة “قسد” لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية عليا في هيكلية الدولة المركزية لضمان الشراكة الوطنية.
- الترحيب بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 الذي ينص على الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية، وعلى معالجة القضايا الحقوقية والمدنية لمكتومى القيد واستعادة حقوق الملكية المتراكمة من العقود السابقة.
- التزام قسد بإخراج كل قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) غير السوريين خارج حدود الجمهورية العربية السورية لضمان السيادة واستقرار الجوار.
- تلتزم الدولة السورية بمواصلة مكافحة الإرهاب (داعش) كعضو فاعل في التحالف الدولي مع التنسيق المشترك مع الولايات المتحدة في هذا الإطار لضمان أمن واستقرار المنطقة.
- العمل للوصول لتفاهمات تخص العودة الآمنة والكريمة لأهالي منطقة عفرين والشيخ مقصود إلى مناطقهم.
وفي سياق هذا المسار جاءت مواقف قيادة قوات سوريا الديمقراطية لتؤكد أن الاتفاق لم يكن مجرد إعلان أحادي، بل نتيجة واقع ميداني وسياسي جديد. فقد أعلن قائد قسد “مظلوم عبدي” قبوله بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس أحمد الشرع، معتبراً أن ما جرى كان محاولة لوقف حرب قال إنها فرضت مع تقدم القوات الحكومية في مناطق تسيطر عليها قسد شمال سوريا. وأوضح عبدي أن الإصرار على استمرار المواجهة كان من شأنه دفع الأمور نحو صدام داخلي واسع، وهو ما دفع قيادته إلى القبول بالانسحاب من دير الزور والرقة باتجاه الحسكة تفادياً لانزلاق الوضع إلى حرب أهلية، على حد تعبيره.
كما تعهد عبدي بشرح تفاصيل الاتفاق ومضامينه للشارع الكردي بعد عودته من دمشق، حيث كان من المقرر أن يلتقي الرئيس الشرع في وقت لاحق، بعدما تأجل اللقاء بسبب سوء الأحوال الجوية. وجاء ذلك بالتزامن مع حراك سياسي ودبلوماسي أوسع، تمثل باستقبال الرئيس الشرع في دمشق المبعوث الأميركي توم باراك، الذي كان قد التقى عبدي في أربيل، في مؤشر على تقاطع المسارات المحلية والدولية حول هذا الاتفاق.
ومن جهته شدد الرئيس أحمد الشرع في تصريحاته عقب إعلان الاتفاق على أن سوريا دولة موحدة ومركزية القرار، وأن مؤسسات الدولة ستدخل إلى كامل الجغرافيا السورية لإدارة شؤون المناطق كافة. وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن التعامل مع بعض المناطق ذات الحساسية الخاصة سيتم بمرونة، من خلال اعتماد عناصر أمنية من أبناء تلك المناطق نفسها، بما يحد من الاحتكاك ويسهم في تسهيل مرحلة الانتقال، وهو ما يعكس مقاربة تقوم على تثبيت سلطة الدولة مع مراعاة الخصوصيات المحلية ضمن إطارها العام.
باختصار، ما تشهده سوريا اليوم انتقال واضح من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق إعادة ترتيب الدولة. هذا الانتقال الذي لعبت فيه العشائر العربية دوراً مهماً في الدفع نحو تسوية تُعيد تشكيل جيش وطني موحد يمثل كافة المكونات، ويسقط مشاريع التقسيم.
اقرأ أيضاً: المواطنة المعلقة: قصة الأكراد السوريين بين إحصاء الحسكة ومرسوم الاعتراف









