سياسة

اتفاق الاندماج: ماذا يعني ذلك للشرعية والاقتصاد والعقوبات؟

من اتفاق آذار إلى اتفاق كانون الثاني.. كيف نقرأ المعطيات؟!

الكاتب: أحمد علي

تتقدم سوريا إلى لحظة تختبر فيها معنى الدولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ففي 18 كانون الثاني 2026 خرج إلى العلن اتفاق بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، بعد أيام من قتال وتحركات ميدانية في الشمال الشرقي، وبعد معارك سابقة في حلب، وبشكل خاص في حيي الأشرفية والشيخ مقصود.

البعض قرأ الاتفاق باعتباره بداية لإنهاء ازدواج السلطة بين دمشق وإدارة محلية حكمت مناطق واسعة لسنوات، والبعض الآخر رآه تسوية مفروضة بإيقاع الميدان. لكن بين القراءتين يتحدد وزن الحدث في سؤال واحد: هل يتحول التوقيع إلى مسار مؤسساتي يرسخ شراكة داخل الدولة، أم يبقى هدنة قابلة للانفجار؟

اتفاق الاندماج وبوصلة الشرعية

يمس اتفاق الاندماج جوهر السيادة، ولا يعنى فقط بمجرد وقف إطلاق نار، إذ تضمّن الاتفاق دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة، وتسليم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والسجون والمخيمات التي تضم مقاتلي «داعش» وأسرهم إلى الحكومة، مع انتقال السيطرة على مناطق أغلب سكانها من العرب مثل دير الزور والرقة.

وعملياً، فإن هذه البنود تمنح دمشق مكاسب سيادية واضحة، لكنها تضعها أيضاً أمام اختبار شرعية من نوع آخر، لأن استعادة الأرض لا تكفي إن لم تترافق مع قواعد حكم يمكن للناس توقعها والاعتماد عليها.

وفي النقاش حول الشرعية يبرز فرق بين شرعية السيطرة وشرعية التمثيل، فالأولى تتغذى من قدرة الدولة على ضبط الحدود والسلاح، والثانية تتطلب مشاركة سياسية وحقوقاً واضحة. إذا كانت لغة الاتفاق تتحدث عن توحيد المؤسسات، فإن معيار نجاحه شعبياً سيقاس بقدرة الدولة على أن تبدو أقل تعسفاً وأكثر قابلية للتنبؤ، لأن الناس لا تعيش على البيانات السياسية بل على إحساس يومي بالأمان والحقوق والخدمات، وعلى قضاء يمكن الرجوع إليه عند النزاع لا عند الضرورة فقط.

من يحكم ومن يمثل؟

تكشف تفاصيل الدمج طبيعة الصراع على شكل الدولة، فحين يجري الحديث عن إدماج المقاتلين على مستوى الأفراد داخل وزارتي الدفاع والداخلية، لا على مستوى وحدات قائمة، فهذا يرسل رسالة بأن السلاح يجب أن يخضع لسلسلة قيادة واحدة. وهذا يقلل خطر وجود جيشين داخل جيش واحد، لكنه يرفع حساسية ملف الثقة، لأن المقاتل الذي يغير تبعيته يحتاج ضمانات عملية مثل وضوح قواعد الانضباط وحماية من الانتقام وإطار قضائي ينظم النزاعات القديمة ويمنع تحول الخلافات إلى تصفيات.

النفط والحدود ومال الدولة

كما هو معروف، فالاقتصاد هو المكان الذي تتجسد فيه نتائج السياسة أو تتبخر. فمناطق مثل دير الزور ترتبط في الوعي العام بالنفط والقمح، ومحيط الرقة يرتبط بالسدود والكهرباء. إذا انتقلت هذه الأصول إلى إدارة مركزية فعالة، فمن المتوقع أن تتحسن قدرة الدولة على تمويل الكهرباء والخبز ورواتب القطاع العام، وأن تتراجع اقتصاديات الجباية المتعددة التي اعتادها السوريون على الحواجز والمعابر الداخلية. لكن هذا السيناريو يفترض إدارة مالية شفافة وقدرة على إصلاح بنية تحتية متهالكة، إضافة إلى شبكة مصرفية تستطيع التعامل مع العالم.

تحدثت تقديرات البنك الدولي في 2025 عن نمو متواضع بعد انكماش سابق، وربطت هامش التحسن بتخفيف القيود على التجارة والتمويل، مع استمرار عقبات مثل الأصول المجمدة وضعف الوصول إلى الخدمات المصرفية الدولية. وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حذر أيضاً من أن النمو البطيء قد يجعل العودة إلى مستويات ما قبل الحرب مشروعاً طويل العقود. لذلك قد يصبح اتفاق الاندماج شرطاً سياسياً يزيل بعض العوائق، لكنه لا ينتج تلقائياً وظائف وخدمات ما لم يترافق مع مكافحة للفساد، وأولوية واضحة للخدمات الأساسية، وإدارة عادلة لتوزيع العائدات على المناطق لا على شبكات النفوذ.

اقرأ أيضاً: دمج قسد: كتلة أم أفراد؟ وكلفة كل خيار على سوريا

العقوبات بين القانون والسياسة

تبدو العقوبات للناس ملفاً اقتصادياً صرفاً، لكنها ترتبط بسلوك الحكم وبحسابات الأمن بطبيعة الحال، فخلال 2025 كان الحديث واسعاً عن تخفيف لقيود اقتصادية على سوريا في الولايات المتحدة وأوروبا بعد تغيرات سياسية داخلية، مع بقاء إجراءات تستهدف أفراداً وقطاعات حساسة مثل السلاح وتقنيات القمع، وبقاء أسماء مرتبطة بانتهاكات وبتجارة المخدرات وبالإرهاب تحت العقوبات.

وهذا التحول يعني أن السؤال لم يعد هل توجد عقوبات أم لا، بل أي نوع من المخاطر يبقى قائماً ومن يطال؟!

من هذه الزاوية يدخل اتفاق الاندماج، فحين ترى الدول أن مركز القرار يتوحد وأن احتمال الحرب الداخلية ينخفض، تصبح لديها مساحة أوسع لتبرير الانفتاح أو توسيع الاستثناءات. وفي المقابل، أي إخفاق في إدارة ملفات السجون والمخيمات، أو أي توسع في الانتهاكات، قد يعيد ضغطاً سياسياً ويجعل الشركات والمصارف تتراجع حتى لو كانت النصوص الرسمية أكثر مرونة. لأنه وببساطة، المستثمرون لا يقرأون النوايا، بل يقرأون المخاطر.

سيناريوهات التطبيق ومفاتيح الاستقرار

السيناريو الإيجابي يفترض أن وقف القتال يثبت، وأن تسليم المعابر والحقول والسجون يتم تدريجياً وبلا فراغات أمنية، وأن تمثيل الأكراد داخل مؤسسات الدولة يتحول إلى مشاركة فعلية لا إلى واجهة. معيار النجاح هنا لا يقتصر على توقف الاشتباكات، بل يمتد إلى إدارة يومية لا تسمح للفوضى ولا للاقتصاد غير الرسمي أن يعودا بوصفهما البديل الوحيد للناس.

أما السيناريو السلبي يفترض أن الدمج يتحول إلى صراع على الرتب والرواتب، وأن انتقال السيطرة يولد موجة اعتقالات أو تصفيات محلية، أو أن الخلافات الإقليمية تعيد إشعال خطوط التماس.

لكن بين الطرفين توجد منطقة واقعية يختبر فيها اتفاق الاندماج قدرته على التحول من تسوية طارئة إلى إعادة بناء طويلة. فالشرعية ليست شعاراً، والاقتصاد ليس أرقاماً فقط، والعقوبات ليست ملفاً منفصلاً عن السياسة والأمن. لذلك إذا نجح اتفاق الاندماج في تقليل تعدد السلطات وفتح مسار تمثيل أكثر توازناً وتحسين إدارة الموارد، فقد يكون خطوة نحو دولة أقل هشاشة. وإذا فشل، فسيبقى دليلاً على أن التوقيع وحده لا يصنع استقراراً، على أمل ان تكتمل فرحة السوريين بولادة عقد اجتماعي جديد ينهي آلام الحاضر والماضي، ويفتح أبواب المستقبل.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع واشنطن كبح الاشتباك وهي الداعم الأكبر لـ «قسد»؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى