المجتمع السوري

إيقاف الإنترنت الهوائي .. كيف تحولت شائعة إلى بيان رسمي خلال ساعات؟

بقلم: ديانا الصالح

لسنوات عديدة اعتاد السوريون أن يكون انقطاع الإنترنت بسبب “كبل ضوئي مقطوع” أو غيره من الأسباب المألوفة، لا بسبب قرار مُعلن بإيقاف الخدمة، إلا أن هذه المرة كان الحديث عن إيقاف الإنترنت الهوائي في سوريا كفيلاً بإثارة القلق، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعتمدون عليه كبديل عن شبكات تقليدية لم تصلهم يوماً، وما زال اسمهم قيد التسجيل في سجلاتها!

إيقاف الإنترنت الهوائي في سوريا .. منشور أشعل الجدل!

إيقاف الإنترنت الهوائي في سوريا.. خبر مختصر محدد الهدف مع مهلة تنتهي في 12 آب، سرعان ما انتشر بين المستخدمين وكأن قرار الإيقاف أصبح أمراً واقعاً، لكن خلال ساعات دخلت الجهات الرسمية على الخط ببيان أعاد تصويب القصة.

ففي بيانٍ لها، نفت الشركة السورية للاتصالات صحة ما يتم تداوله حول إصدارها أي قرار يتعلق بإيقاف خدمات الإنترنت الهوائي في سوريا، أو حتى مطالبة الشركات العاملة في هذا المجال بإزالة تجهيزاتها قبل تاريخ 12 آب.

كما أوضحت الشركة أن تنظيم خدمات الإنترنت اللاسلكية ومنح التراخيص، ومتابعة الجهات المقدمة لهذه الخدمات لا يقع أصلاً ضمن صلاحياتها، فهو يعتبر ضمن اختصاص جهة أخرى مختلفة تماماً، وهي الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد.

وأكدت الشركة في بيانها حرصها على تقديم خدمات الاتصالات وفق الأطر التنظيمية المعتمدة، ودعم جهود تنظيم قطاع الاتصالات وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

فيما أكدت الشركة هذا النفي في منشور منفصل عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، مكررةً التوضيح ذاته بأن لا علاقة لها بمنح أو سحب تراخيص هذا النوع من الخدمات، وأن الجهة الوحيدة المخوّلة بذلك هي الهيئة الناظمة، وذلك لتوضيح دورها وفصل مسؤوليتها عن الجهة التنظيمية المختصة أمام الرأي العام.

من أين جاءت الشائعة؟

اللافت أن هذه الشائعة لم تأتِ من فراغ كامل، خاصة أن موقع الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد نفسه يتضمن خبراً بعنوان “منح مهلة لتوفيق أوضاع مقدمي خدمات الاتصالات والبريد”، وهذا ما يشير إلى وجود مسار تنظيمي فعلي يخص ترخيص الجهات العاملة في هذا القطاع.

لكن يبدو أن هذه المهلة الحقيقية الخاصة بتوفيق الأوضاع التنظيمية والترخيص، تحولت في التداول الشعبي إلى ما ظهر وكأنه “إيقاف كامل للخدمة”، في مثال يجدده السوريون في كل مرة يتم فيها تضخيم معلومة تنظيمية جزئية، وتتحول إلى شائعة شاملة بمجرد انتقالها من بيان رسمي جاف إلى منشورات متداولة على وسائل التواصل.

167 ترخيصاً وشريحة واسعة من المستخدمين

يكتسب هذا الجدل أهميته من حجم انتشار الخدمة نفسها، ففي تصريح سابق للهيئة الناظمة للاتصالات والبريد، أوضح مدير الأسواق فيها المهندس محمد عيد، أن خدمة الإنترنت الهوائي في سوريا هي خدمة نفاذ إلى الشبكة، تِقدم باستخدام تقنيات الاتصال اللاسلكي عبر ترددات مخصصة، بحيث يحصل المشترك على الخدمة من دون الحاجة إلى تمديد كوابل أرضية، وهذا ما يجعلها حلاً عملياً في المناطق التي تعاني ضعفاً في البنية التحتية التقليدية للاتصالات.

فيما أوضحت مديرة التراخيص في الهيئة المهندسة نور عراط، أن عدد التراخيص الممنوحة لتقديم هذه الخدمة في مختلف المحافظات يبلغ نحو 167 ترخيصاً، حيث تندرج ضمن تراخيص الخدمات ذات القيمة المضافة، التي تسمح لأصحابها بتقديم خدمة النفاذ إلى الإنترنت للعموم في الأماكن الخارجية، وفق ضوابط تنظيمية محددة.

“أمورنا بالسليم”.. شركات الإنترنت الهوائي تطمئن مشتركيها

بعد انتشار البيان بدأت الشركات المرخصة لخدمة الإنترنت الهوائي بطمأنة مشتركيها، وذلك من خلال رسائل تصلهم مفادها “أمورنا بالسليم”، خاصةً مع الإقبال المتزايد على هذه الخدمة خلال الفترة الأخيرة، حيث أصبح الإنترنت الهوائي في سوريا خياراً أساسياً لدى كثير من الأهالي، وتحديداً الطلاب وأصحاب الأعمال الصغيرة الذين يعتمدون على الإنترنت في عملهم اليومي.

ولهذا فمن المتوقع أن تدفع أي شائعة تتعلق بإيقاف الإنترنت الهوائي في سوريا بعض المستخدمين إلى التسرع في اتخاذ قرارات إلغاء اشتراك، أو تحوّل سريع بين الشركات حتى قبل التأكد من صحة الخبر نفسه، وهو ما يزيد من الأثر العملي لأي معلومة غير مؤكدة تنتشر حول هذا القطاع تحديداً.

بنية تحتية هشة

يزيد من حساسية أي خبر يتعلق بانقطاع الإنترنت في سوريا حتى لو كان شائعة، أن البنية التحتية للاتصالات في البلاد لا تزال تعاني من هشاشة فعلية وأعطال متكررة، ففي حزيران الماضي وحده شهدت سوريا اضطرابات واسعة في خدمات الإنترنت، بعد تعرض الكابل البحري الدولي الرابط بين طرطوس والإسكندرية لأضرار، وُصفت بالتخريبية على شاطئ مدينة طرطوس، مما أدى إلى خروج جزء واسع من الطاقة الاستيعابية الدولية عن الخدمة، وتراجع ملحوظ في سرعات الاتصال بشكل عام.

هذه الحوادث المتكررة تجعل المستخدم السوري أكثر تحسساً وقلقاً تجاه أي إشارة، حتى لو غير مؤكدة ويراها تهديداً جديداً لاتصاله بالشبكة، وهو ما يفسر جزئياً السرعة التي انتشرت بها هذه الشائعة الأخيرة قبل أن تتدخل الجهات الرسمية لنفيها.

إذاً، تكشف هذه القصة شيئاً أبعد من مجرد شائعة عن إيقاف الإنترنت الهوائي في سوريا، ففي الوقت الذي يكفي فيه منشور واحد متداول على فيسبوك، بدفع الناس إلى تصديق أن “شركة” ستقرر ببساطة إيقاف خدمة “شركة أخرى” تعتمد عليها شريحة واسعة من السكان، فالمشكلة لا تكمن في الشائعة وحدها، بقدر ما هي مرتبطة بسهولة تصديقها وانتشارها مع تذبذب الثقة باستقرار وضع الإنترنت في البلاد.

ومن شائعة إلى أخرى تتحول المعلومة إلى حقيقة مكتملة الأركان قبل أن يسأل أحد من قال؟ وما دليله؟ والمفارقة أن الكثير من هذه القصص لا تحتاج أكثر من دقائق من التحقق كي تسقط، إلا أنه وكما يبدو فالشائعة في زمن السرعة تحصل أحياناً على ثقة أكبر مما تستحقه الحقيقة نفسها.

اقرأ أيضاً: أين تقف الهيئة الناظمة للاتصالات في سوريا بعد عام على سقوط السلطة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى