إيراسموس إلى دمشق؟ التعليم العالي كرافعة اقتصادية لا كملف ثقافي فقط!

الكاتب: أحمد علي
تبدو عودة برامج المنح والتبادل إلى دمشق سؤالاً يتجاوز معنى السفر والدراسة، لأنها تمس طريقة بناء الاقتصاد نفسه، فانتقال طالب أو باحث بين جامعتين لا يعني حيازة شهادة فقط، بل يعني احتكاكاً بمعايير جودة، وبأساليب إدارة مختبرات ومشاريع، وبشبكات مهنية تفتح أبواب تدريب وعمل. لهذا يرى مختصون في سياسات التعليم أن التبادل الأكاديمي قد يتحول إلى سياسة اقتصادية إذا خدم احتياجاً محلياً واضحاً، لا إذا اكتفى بتجربة فردية معزولة.
وفي بلد تتقاطع فيه فجوات المهارات مع هشاشة الفرص، يصبح النقاش عن التعليم العالي نقاشاً عن الإنتاجية وعن القدرة على خلق وظائف أفضل، لا عن الرمزية الثقافية وحدها. لكن هذا التحول لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى تصميم متقن يوازن بين المكاسب والمخاطر، ويُخضع الفكرة لمعيار واحد واضح هو الأثر داخل البلد.
التعليم العالي كرافعة اقتصادية
يحمل إيراسموس+ في وثائقه ما يكفي لإعادة قراءة البرنامج بوصفه إطاراً عملياً لفكرة التعليم العالي كرافعة اقتصادية. أولويات البرنامج المعلنة تتحدث عن الشمول، والتحول الرقمي، والاستدامة، والمشاركة، وهي عناوين تبدو تربوية للوهلة الأولى لكنها تقيس في العمق قدرة الخريجين والمؤسسات على مواكبة سوق العمل.
كما يوضح دليل البرنامج أن الحراك في التعليم العالي لا يقتصر على التنقل داخل دول الاتحاد والدول المرتبطة، بل يمتد أيضاً إلى التعاون مع دول شريكة خارج أوروبا عبر مسارات للحراك وأخرى للتعاون وبناء القدرات، ما يعني أن النقاش حول دمشق لا يتوقف عند فكرة سفر أفراد، بل يشمل شكل الشراكة ومداها وإمكان تحويلها إلى بناء مؤسسي طويل النفس.
وهنا يصبح السؤال الأكثر فائدة هو ما الذي يجب أن تحققه أي عودة محتملة للتبادل حتى تُحسب ضمن اقتصاد المعرفة، لا ضمن سياحة أكاديمية محدودة الأثر.
منح تتجاوز حدود القاعات
الأثر الاقتصادي للمنح يمر عبر تحولات صغيرة تتراكم نتائجها، أهمها تغيير توقعات الطلبة والأساتذة حول معنى الدراسة الجامعية. الطالب الذي يختبر أسلوباً مختلفاً في التعليم يعود غالباً بتوقعات أعلى حول التقييم، والعمل المخبري، والتدريب العملي، ومهارات البحث وكتابة التقارير، وهي تفاصيل تصنع فرقاً في قابلية التوظيف. وتلفت أدبيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن حركة الطلبة عبر الحدود يمكن أن تدعم التميز الأكاديمي وتغذي النمو الاقتصادي عبر تحسين جودة المهارات وبناء روابط دولية.
لكن هذه الفائدة لا تظهر تلقائياً، بل تحتاج إلى قدرة الجامعة على استيعاب الخبرة وتدويرها داخل المؤسسة، مثل تحديث مناهج، وإدخال تعليم قائم على المشاريع، وتفعيل تقييم مهارات عملية لا تحفظية. من دون هذه الحلقة، قد تتحول المنحة إلى مكسب فردي لا يترك أثراً جماعياً، وهو ما يضعف فكرة التعليم العالي كرافعة اقتصادية ويعيدها إلى نطاقها الثقافي فقط.
سوق العمل والمهارات
يتحسس سوق العمل أثر التبادل بسرعة لأنه يواجه مباشرة معضلة المهارات والفرص. وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية لسوريا إلى بطالة مرتفعة في عام 2024، مع مستويات أعلى بين الشباب والنساء، ما يلمح إلى نقص فرص منتجة وإلى عوائق مشاركة لا يحلها التعليم وحده. لذلك لا يكفي أن يعود خريجون أكثر كفاءة، بل يجب أن تتقاطع خبرتهم مع قطاعات قابلة للنمو ومع أدوات تشغيل واقعية.
يمكن أن تخدم عودة المنح هذا الهدف حين تُوجَّه فرص التدريب والدراسة إلى مجالات ذات طلب محتمل مثل التقنيات الرقمية، وإدارة الطاقة والموارد، والجودة في الخدمات، وإدارة سلاسل الإمداد، ومهارات الصحة الرقمية، مع ترك مساحة للتخصصات الاجتماعية حين ترتبط بإدارة مؤسسات عامة أو خدمات مجتمعية.
كما يمكن أن يتجسد أثر التعليم العالي كرافعة اقتصادية عندما يصبح التدريب العملي جزءاً من الاتفاقيات لا إضافة اختيارية، فيعود المتدرب بخبرة قابلة للتحويل إلى شركة محلية أو مشروع ناشئ، لا بخبرة يصعب توطينها. وفي المقابل، يبقى خطر عدم المواءمة قائماً إذا ظلت المنح منفصلة عن احتياجات السوق، أو إذا غابت سياسات متابعة الخريجين وربطهم بفرص داخل البلد.
البحث التطبيقي وشبكات الصناعة
إذا كان التدريب والمهارات الوجه السريع للأثر، فإن البحث التطبيقي هو الوجه الأعمق. برامج التبادل حين تُربط بمشاريع مشتركة تستطيع نقل الجامعات من دور الشهادة إلى دور الحل، عبر تحويل المشكلات اليومية إلى أسئلة بحث قابلة للقياس والتجريب. في إيراسموس+ توجد مسارات تعاون تتجاوز سفر الأفراد، مثل بناء القدرات والتعاون بين المؤسسات، بما يتيح تطوير مختبرات، وتبادل مناهج، وتحسين الحوكمة، وبناء شراكات مع قطاع الأعمال.
تتعلق قيمة هذا المسار لدمشق بإعادة وصل البحث بحاجات المجتمع والاقتصاد، من تحسين خدمات المياه والطاقة إلى جودة الغذاء وإدارة النفايات والتطبيقات الصحية والتعليمية. كما أن شبكة الشراكات نفسها قد تصبح أداة تمويل غير مباشر حين تتيح تقاسم أجهزة وخبرات، أو حين تفتح أبواباً لمشاريع مشتركة صغيرة تتدرج إلى تعاون أكبر.
ومع ذلك، فإن ترجمة البحث إلى أثر اقتصادي تتطلب بيئة تنظيمية تحمي النزاهة العلمية، وتوضح الملكية الفكرية، وتسمح بانتقال المعرفة إلى شركات ناشئة أو خطوط إنتاج، وإلا بقيت النتائج حبيسة الأدراج مهما تحسنت مهارات الباحثين.
شروط نجاح وآفاق قريبة
بطبيعة الحال، يحتاج الانتقال من فكرة إلى أثر يحتاج إلى شروط، لا إلى حماسة. الشرط الأول هو تحديد أولويات واقعية ثم تصميم المنح لخدمتها، لأن التشتت يبدد التمويل ويصنع قصص نجاح فردية بلا أثر تجميعي. والشرط الثاني هو العدالة عبر معايير اختيار شفافة ودعم للطلبة ذوي الموارد المحدودة، حتى لا تتحول الفرصة إلى امتياز طبقي يضاعف الفجوة داخل المجتمع.
أما الشرط الثالث هو إعادة الإدماج، لأن عودة الخبرة بلا مسار مهني قد تدفع أصحابها إلى مغادرة جديدة، وهو ما يناقض هدف التعليم العالي كرافعة اقتصادية. لذلك تبرز أهمية اتفاقات تدريب مع جهات محلية، وحزم صغيرة لتمويل مشاريع تطبيقية، وشبكات خريجين تربط العائدين بسوق العمل، إضافة إلى قياس دوري يراجع ما الذي تغير في المناهج والتوظيف والإنتاج البحثي.
ويضاف إلى ذلك أن البرنامج الأوروبي نفسه يولي اهتماماً متزايداً بالتحول الرقمي وبالصيغ المدمجة، ما قد يفتح مجالاً لتعاون يقلل كلفة السفر ويزيد الاستمرارية حين تكون الحركة المادية صعبة. عندها فقط يمكن للمنح والتبادل أن تُفهم كاستثمار اقتصادي طويل النفس، لا كمبادرة رمزية قصيرة العمر.
اقرأ أيضاً: المرسوم الرئاسي 95.. طلاب الجامعات المنقطعين في سوريا بين الامتنان والاستغراب!









